ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - العرب والفوضى الذهنية
11/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
وهكذا يستمر الإعصار متجولا في العالم العربي من تونس إلى البحرين, ومن العراق إلى لبنان, ومن السودان إلى اليمن, ومن ليبيا إلى عمان, دون توقف, منتجا نماذج متعددة من التداعيات, خالطا كل الأوراق دفعة واحدة, ملقيا بالأحشاء على إسفلت الشوارع والميادين , كاشفا الأستار والأسرار, مزهرا في حدائق الفرح, منكفئا تحت عرائش الخوف, محدثا هذا القدر الهائل من الفوضى الذهنية في الوعي الجمعي للأمة, بحيث تاهت الحدود بين مفردات كنا نظن أن الوعي النظام نظام الحكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا, ملكية مطلقة أو دستورية وجمهورية رئاسية أو برلمانية, وكذلك الحكومة التي هي الأداة لهذا النظام.

وحين تتوه الحدود إلى هذا المستوى الذي تراه الآن فإنه يصبح من حقنا أن نخاف ويصبح المطلب الأول إن استطعنا تحقيقه هو التوقف لالتقاط الأنفاس, و إلقاء نظرة شجاعة لنعرف أين نحن, أين أصبحنا, وإلى أين أخذنا الإعصار ؟؟؟
هناك ثوابت عند الأمم يعتبر تجاوزها , أو السماح بتجاوزها, أو غض النظر عن تجاوزها خطرا كاسحا, مثل ظاهرة الاحتكام إلى العدو, إذا كان هذا العدو محددا بشكل قطعي كما في الحالة الفلسطينية, أو الاحتكام إلى الآخر حتى ولو كان هذا الآخر هو المستوطن القديم نفسه, أو إسقاط حصانة كل شيء كما لو أن كل ما أنجزناه في الماضي كان خطيئة سوداء ليس إلا.
اذكر أنني شخصيا تصادمت مع حالة من هذا النوع عندما أصبح انتقاد السلطة الوطنية الوليدة (الموضة) السائدة عند الإسرائيليين وكثير من العرب وبعض الدول الأوروبية وبعض الفلسطينيين في أن واحد, ورأيت أحد الأشخاص الأعلام في المجتمع الفلسطيني يجري في لقاء مع صحيفة الأبزيرفر البريطانية مقارنة بين الحياة في ظل السلطة الوطنية التي لم تكن قد بدأت إلا قبل بضع سنوات, وتحت ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي كان ما زال مستمرا, وقد خلص ذلك الشخص العلم إلى نتيجة عجيبة وشاذة ولا تنسجم مع طبائع الأشياء بأن زمن الاحتلال كان الأفضل، وقد شعرت بالصدمة وقتها كيف أن فلسطينيا من أعلام المجتمع اقتنع بهذا الاستنتاج وكيف أعلنه عن الملأ ومن أين واتته الشجاعة ليفعل ذلك ؟؟؟ ولكني تذكرت أن تلك الحالة ليست فريدة, فقد رحل عشرات الآلاف من الجزائريين أصحاب أعظم الثورات تضحية مع مستوطنيهم الفرنسيين حين تركوا الجزائر, ورحل عدد كبير من جنوب لبنان مع الاسرائيليين حين انسحبوا من الجنوب, وقد سبق لبعض الطوائف في الوطن العربي أن تقدمت بعرائض إلى الجنرال الفرنسي جورو قائد قوات الاحتلال الفرنسي في سوريا ولبنان ترجوه عدم الانسحاب، وهذا ما نراه الآن حين يطالب ما يسمى بالمجلس الوطني المعارض في ليبيا, بأن تقوم الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالتدخل العسكري في ليبيا, وإنزال جوي فيها, وقصف المدن الليبية, كل ذلك مساعدتهم ضد نظام العقيد معمر القذافي !
وهذا ما أعنيه حين أتحدث عن الفوضى الذهنية, العقلية, الفكرية, وانهيار الحدود بين الأشياء, وحدوث هذا الخلط المهين والمتدني بين الدولة الأمة والنظام والحكومة, فالنظام يمكن أن يتغير بألف وسيلة, والحكومة يمكن أن تذهب ويأتي غيرها مئات الحكومات أما الوطن الدولة الأمة, فلا أعرف كيف يبرر أحد إذا كان سوي العقل والوجدان المطالبة بإسقاطها واحتلالها لكي يصفي خصومته مع طرف آخر, فهذا هو الانحطاط السياسي والأخلاقي في أبشع صوره.
أعتقد أن الإعلام العربي في مجمله لم يكن محصنا بالقدر الكافي لكي يتعامل مع هذا الإعصار, إنه إعلام سقطت ثوابته, وظهر كما لو أنه شغوف بتدمير الذات القومية حين اختلطت لديه الأوراق , وحين تاهت عنده الحدود بين الأشياء, ربما يكون ذلك تعبيرا عن ميراث نقص الكفاءة, أو ميراث البغضاء المتفشية والمكابدات السياسية التافهة هي التي تقف وراء هذا الاندياح الغبي.
ولكن بعد مضي أكثر من شهرين على انطلاق الإعصار بدءاً بتونس ثم مصر وليبيا والبقية , فإنه يمكن إطلاقه صفارة إنذار ضد هذه الفوضى الذهنية, وضد اختلاط الأوراق, وأعتقد أن النموذج المصري بصفته النموذج الأكبر, والأكثر تأثيرا في استقرار المنطقة أو إ نفلاشها هو الذي يمدنا بالقراءة الناضجة لتداعيات هذا الإعصار.
وأولى الملاحظات التي يقدمها لنا النموذج المصري هي أن من بدأ اللعبة – شباب الثورة – ليسوا هم الذين يواصلونها الآن, بل إنه يمكن الحديث بشكل واضح عن معنى ومظاهر وآليات الثورة المضادة !!! وأعتقد أن أحداث كنيسة الشهيدين في قرية صول مركز الطفيح في محافظة حلوان, تقدم لنا نموذجا عن هذه الثورة المضادة فمن الذي أحرق الكنيسة؟ وكيف تطورت الأحداث إلى ميلاد ما يمكن تسميته بثورة قبطية يتجمع مركزها أمام مبنى التلفزيون في مسبيرو, وتستعيد نفس أدوات ميدان التحرير ولكن في اتجاه آخر ?
وليس بالشيء العادي أن تعقد حكومة الدكتور عصام شرف الذي قال إنه يأخذ شرعيته من ميدان التحرير, أول اجتماع لها تحت عنوان الأمن الداخلي !

بل إن ما كان يسخر منه الجميع حين الحديث عن استهداف خارجي وعدو خارجي وأصابع خارجية أصبح هو الخطاب المعلن في بيانات المجلس العسكري وبيانات الحكومة الجديدة !
الشيء الأخطر في تداعيات هذا الإعصار أن الدول الكبرى, دول القرار, دول التدخل, مختلفة في ما بينها, وبعضها المتحمس جدا للتدخل يبحث عن غطاء في مجلس الأمن ولا يجده حتى الآن, أو يبحث عن أتفاق أوروبي كامل وهو غير متوفر الآن, فيلجأ هؤلاء وأولئك إلى تغطية من الجامعة العربية, هل هذا معقول ؟؟؟ الجامعة العربية كانت قد تقدمت بمشروع عربي لإدانة الاستيطان الإسرائيلي فقامت الولايات المتحدة بإسقاط المشروع مستخدمة الفيتو, بينما هي تطلب الآن من أصحاب المشروع الذي تم إسقاطه بيدها تقديم العون في إسقاط الدولة الأمة, الدولة العربية في ليبيا, وإعادة احتلالها وتقسيمها ونهب ثرواتها تحت مبررات زائفة ومتعددة.

من المفجع جدا: أن الإعلام العربي لا يلعب الدور المطلوب ولو بالحد الأدنى لعرض هذه الحقائق ,و هو ارتكب خطيئة خلط الأوراق, وإلغاء الحدود بين الأشياء, والتمويه على الوعي الجمعي العربي, حين تطرح مقولات خطيرة من قبل بعض الأطراف في الداخل والخارج نرى هذا الإعلام صامتا مثل شيطان أخرس, هناك خسائر لا تستعاد بسهولة وربما لا تستعاد إلا بعد عقود طويلة من بين هذه الخسائر, من بين هذه الخسائر وأبرزها الدولة الأمة, الدولة التي نادى المفكرون التنويريون منذ عقود طويلة بإقامتها على قاعدة المواطنة, المواطنة المتساوية, فهل ننكص الآن على أعقابنا, ونعيد بناء الدولة على قاعدة المناطقية التي ترسم حدودها آبار النفط, أو الدينية أو الطائفية أو العرقية ?
أتمنى أن يرفع المثقفون بكل أنواعهم ومستوياتهم الصوت عاليا, والتقدم بجسارة لقراءة ما يجري لمواجهة هذه الفوضى الذهنية التي تعصف بنا بشكل خطير, ثم ما يستحق أن يقال, فلماذا لا يقال الآن قبل فوات الأوان ?
Yehia_rabah2009@yahoo.com
yhya_rabah@hotmail.com
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع