ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
ركوب الديمقراطية‏..‏ إلي الطغيان‏!‏
08/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: احمد عبد المعطي حجازي ... الاهرام
من البديهي أن تعمل جماعات الإسلام السياسي في هذه الأيام علي تشكيل أحزاب سياسية تمارس من خلالها نشاطها العملي‏,‏ وتسعي للوصول إلي السلطة‏.‏ ولا يحق لأحد يؤمن بالديمقراطية أن ينكر علي هذه الجماعات حقها في أن تشكل هذه الأحزاب التي سمعنا وقرأنا عن ثلاثة منها‏,‏ فالنظام الديمقراطي الذي نسعي لبنائه‏,‏ والفضل للثورة التي حررتنا من حكم الفرد وفتحت أمامنا الطريق إلي الديمقراطية‏,‏ يثبت لكل مواطن حقه الكامل في التعبير عن رأيه‏,‏ وممارسة نشاطه‏,‏ والمشاركة في حكم بلاده بنفسه أو بمن ينوب عنه‏.‏

غير أن تسليمنا لجماعات الإسلام السياسي بحقها في ممارسة نشاطها العلني لا يسلبنا حقنا في التساؤل عن علاقة هذه الجماعات بالديمقراطية وعن مدي إيمانها بها‏.‏ وهل تكون الديمقراطية بالنسبة لهذه الجماعات مبدأ ثابتا لا يصح الخروج عليه‏,‏ أم هي مجرد وسيلة مواصلات تحملها إلي غايتها‏,‏ فإن وضعت قدمها في السلطة اشعلت في الديمقراطية النار؟

ولهذا التساول ألف تبرير وتبرير‏,‏ فالديمقراطية كلمة مؤلفة من كلمتين تعنيان معا حكومة الشعب‏,‏ أي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه‏,‏ وبما أن الشعب طبقات ومصالح وأفكار مختلفة يجتهد كل منها في التعرف علي مشكلات المجتمع وفهمها ومعالجتها علي النحو الذي يضمن الحرية والمساواة والأمن والرخاء لجميع المواطنين‏,‏ فمن الطبيعي في النظام الديمقراطي أن تكون الأمة هي مصدر كل السلطات‏,‏ وبما أن الأمة هي مصدر كل السلطات فالأمة هي التي تضع لنفسها القوانين التي تنظم بها حياتها‏,‏ ومن الطبيعي أن تتغير هذه القوانين بتغير الظروف التي تنشأ معها احتياجات جديدة تتطلب تعديل القوانين وتغيير السياسات عن طريق إجراء انتخابات جديدة تؤدي إلي تغيير الحكومة وتداول السلطة‏.‏

ولاشك أن هذا النظام الديمقراطي يتعارض كل التعارض مع أي نظام يزعم أصحابه أنهم يحكمون باسم الدين ويطبقون تعاليمه وشرائعه‏,‏ لأن تعاليم الدين وشرائعه تنتمي لعالم العقائد الثابتة والحقائق المطلقة التي لا تتغير ولا تتبدل‏,‏ ولهذا تخاطب في الانسان حاسته الأخلاقية أكثر مما تخاطب امتثاله للقوانين‏,‏ والذي يذهب للمسجد أو للكنيسة ليصلي لا يفرض عليه أحد أن يصلي‏.‏ لكنه يتوقف بالرغم منه حين تصبح إشارة المرور حمراء‏.‏ ورجل الدين يظل وفيا لتعاليم الدين طالما كان يخاطب ضمائرنا ويخاطب إيماننا بقيم الصدق والأمانة والعدل والرحمة‏.‏ فإذا انتقل من ذلك إلي القهر والإرغام فقد انتقل من الدين إلي السياسة كما حدث في كل العصور التي تحول فيها الدين إلي سلطة‏,‏ قاهرة لا مجال فيها للحرية أو للديمقراطية‏.‏ فالحكام في النظم الدينية ليسوا نوابا عن الشعب يختارهم ليمارسوا السلطة باسمه‏,‏ ولكنهم ظلال لله علي الأرض‏,‏ أو في أحسن الأحوال رعاة‏,‏ والشعوب قطعان ترعي حيث يسوقها راعيها‏,‏ وليس لها الحق في أن تفكر أو تختار‏.‏

هكذا كانت الامبراطوريات المقدسة في أوروبا‏,‏ وهكذا كانت الخلافة والسلطنات والإمارات الإسلامية في الشرق‏,‏ ولاتزال حتي الآن‏,‏ والا فأين الديمقراطية في إيران‏,‏ أو في السعودية‏,‏ أو في السودان؟ وأين ثقافة الديمقراطية في هذه الجماعات التي تتحدث عندنا باسم الإسلام وترفع شعاراته؟

إنهم يتحدثون عن الشوري ويجعلونها اسما من أسماء الديمقراطية وهذا خلط وتدليس تخصص فيه البعض الذي جعل الهزيمة نكسة‏,‏ والبعض الذي جعل الزكاة اشتراكية‏,‏ والبعض الذي جعل الشوري ديمقراطية‏,‏ والفرق بعيد بين هذه وتلك‏.‏ الشعب في الديمقراطية يحكم نفسه بنفسه كما نعلم‏,‏ أما في الشوري فهو محكوم بحاكم لم يختره بنفسه‏,‏ وإنما هو مفروض عليه وكل ما تطلبه الشوري أن يستشير المحيطين به ممن يقتسمون معه السلطة‏.‏

ونحن نري أن الإخوان المسلمين وهم أكبر الجماعات الدينية المشتغلة بالسياسة يخرجون خروجا صريحا علي أبسط المبادئ الديمقراطية فيميزون بين المواطنين وينكرون علي المرأة ما يسمحون به للرجل وعلي المسيحيين ما يثبتونه للمسلمين‏.‏

ومبدأ المواطنة نفسه لا مكان له من الأساس في فكر الإخوان المسلمين‏,‏ لأن المواطنة معناها أن يكون العيش المشترك في وطن واحد هو الأساس الذي تقوم عليه الأمة وتترتب عليه الحقوق التي يتمتع بها أفرادها والواجبات المفروضة عليهم جيمعا بالتساوي‏,‏ لا فرق بين رجل وامرأة‏,‏ أو بين مسلم وغير مسلم‏,‏ أو بين غني وفقير‏.‏ أما بالنسبة للجماعات الدينية فالأمة تقوم بالدين لا بالوطن‏.‏ وعلي هذا يصبح المسلمون المصريون والأتراك والإيرانيون والهنود والسنغاليون أمة واحدة يكون المسيحيون المصريون بالنسبة لها أمة أخري تعيش في حماية المسلمين أو ذمتهم‏!‏
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التمييز إلي أن ينفصل جنوب السودان عن شماله‏,‏ لأن الذين اغتصبوا السلطة في الشمال كان عليهم أن يستخدموا الدين ليحرروا أنفسهم من الالتزام بقواعد الديقراطية‏.‏ ولم يكلفهم هذا سوي أن يقطعوا بعض الأيدي والأرجل ويرجموا بعض النساء والرجال ويعلنوا أنهم يطبقون الشريعة ويحكمون باسم الله فليس لأحد أن يعارضهم وإلا فهو يعارض الله‏.‏

فإذا كان تطبيق الشريعة في السودان قد أسكت الشماليين فقد أنطق الجنوبيين بالرفض القاطع وأقنع تسعة وتسعين في المائة منهم بالتصويت إلي جانب الانفصال‏.‏

والذي صنعته حكومة النميري والترابي في السودان صنعته حكومة الطالبان في أفغانستان التي مازالت تفترسها الحرب الأهلية حتي اليوم‏,‏ وصنعته حكومة حماس في غزة التي انفصلت عن حكومة عباس قبل أن تصبح للفلسطينيين دولة تجمعهم‏,‏ والطائفية خطر داهم في لبنان‏,‏ والعراق‏,‏ أما في مصر فنحن لا نستطيع أن نعرف علي وجه اليقين ما سوف يصنعه الإخوان المسلمون إذا قدر لهم أن يحكموا‏,‏ لكننا نذكر أن مرشدهم السابق تحدث بعدم احترام عن الوطنية المصرية‏,‏ وقال إن جماعته لا تمانع في أن يحكم مصر أي مسلم‏,‏ ولو كان ماليزيا‏!‏
صحيح أن كلام الإخوان المسلمين في السياسة هذه الأيام‏,‏ بعد أن نجحت الثورة في اسقاط الدكتاتورية والسير في طريق الديمقراطية يختلف عن كلامهم قبل الثورة‏,‏ إنهم يتحدثون الآن عن الدولة المدنية وعن النظام الديمقراطي‏,‏ لكنني استمع إلي حديثهم ولا أستطيع أن أصدق‏.‏ أولا لأن حديثهم عن الديمقراطية لا يتفق مع تمييزهم بين المصريين‏.‏ ثم إن الذي يقبل الديمقراطية اليوم لأن الثورة قامت‏,‏ ولأن الثوار يطالبون بها يستطيع أن يتنكر لها غدا إذا وجد أن الظروف اختفت‏,‏ وأن الفرصة سانحة للتنصل مما سبق الالتزام به‏.‏

وسوف افترض أن الإخوان استطاعوا أن يحصلوا علي الأغلبية في الانتخابات القادمة‏,‏ أو بعد الانتخابات القادمة‏,‏ هل سيحترمون حق المواطنين جميعا في التعبير عن رأيهم بالقول والفعل‏,‏ أم سيواجهون المظاهرات في مصر كما يواجهها حكام إيران وحكام السودان؟ وهل سيسمح الإخوان بانتخابات تسقط حكومتهم وتأتي بحكومة أخري؟
ومن الواضح أن المناخ موات بالنسبة للإخوان المسلمين وغيرهم من جماعات الإسلام السياسي‏,‏ ليس فقط لأن الثورة أتاحت لهم أن يمارسوا نشاطهم بكامل الحرية والعلن‏,‏ بل أيضا لأن النظام الساقط كان يتيح لهم أن يمارسوا نشاطهم وإن لم تكن هذه الممارسة علنية أو صريحة‏.‏

النظام الساقط كان يعتبر الإخوان المسلمين خطرا علي أمن البلاد‏,‏ وكان يحظر عليهم النشاط‏,‏ ويخوفنا ويخوف العالم بهم‏,‏ وكان يعتقل بعض زعماء الجماعة وبعض أعضائها بين الحين والحين ليذكرنا بأنها جماعة محظورة‏,‏ وأنها خطرة‏,‏ وأنه يقبض علي السلطة بيد من حديد ليحمينا ويحمي العالم من شر الإرهاب‏.‏

لكن ما الذي كان هذا النظام الساقط يقدمه للإخوان المسلمين في المقابل؟ كان في المقابل يتبني شعاراتهم ويزايد عليهم‏.‏ فلم يحدث أن كانت الرقابة الدينية علي المؤلفات الأدبية‏,‏ والمصنفات الفنية عنيفة متشددة كما كانت في العقود السابقة التي شهدت التضييق علي الإخوان المسلمين كجماعة والاستسلام الكامل لفكرها‏.‏ المناهج الدراسية في المدارس الحكومية تعبير صريح عن هذا الفكر‏,‏ والبرامج الإذاعية والتليفزيون‏,‏ والصفحات المخصصة للكتابات الدينية في الصحف والمجلات‏,‏ والميزانيات الضخمة التي مكنت الأزهر من إقامة تعليم ديني مواز للتعليم الوطني يشمل كل المستويات والتخصصات ويغطي مدن مصر وقراها‏.‏ وإذا كان الإخوان المسلمون قد وجدوا المجال واسعا في المدارس والجامعات فقد وجدوه أوسع في المساجد والزوايا‏,‏ وأخيرا وليس آخرا هذه المادة الثانية التي أضيفت للدستور وقررت أن الإسلام دين الدولة‏,‏ وأن الشريعة هي المصدر الأساسي للقوانين فأثارت الخوف والريبة ولاتزال تثيرهما حتي الآن‏.‏

ومن الواضح لنا جميعا أن هذه الامتيازات التي أتيحت للإخوان المسلمين في ظل النظام الساقط لم ايتحب شيء منها لأي حزب معارض‏.‏ لقد لفق الدستور ولفقت القوانين والنظم لتبعد المعارضين إبعادا تاما عن أي نشاط مؤثر يستطيع أن يكسب به هذا الحزب الجماهير أو يتقدم خطوة نحو تنفيذ برامجه أو يمارس حقه في النقد والمعارضة‏,‏ في الوقت الذي كان فيه الإخوان المسلمون يربحون حتي في الحظر الذي لم يكن جديا أبدا‏.‏

فالجماعة االمحظورةب تقيم المآدب‏,‏ ومكتب الإرشاد يجتمع والمرشد الجديد يحل محل المرشد القديم‏,‏ وقد استطاع الإخوان أن يحصلوا في الانتخابات السابقة علي نحو تسعين مقعدا؟‏!.‏
النظام الساقط كان ينفذ خططهم من الباطن‏,‏ وبهذا يحقق كل من الطرفين مصلحته ويكمل كل منهما صاحبه‏,‏ الإخوان يخضعون للحظر‏,‏ ويمكنون النظام من الظهور أمامنا وأمام العالم بمظهر القادر علي اسكاتهم ويتواطأون مع رئيس النظام علي تعديل المادة الدستورية التي كانت تحدد مدة بقائه في السلطة مقابل تعديل المادة الثانية التي تتحدث عن دين الدولة وتطبيق الشريعة‏,‏ وتجعل الإخوان حكاما مع وقف التنفيذ‏.‏ والنظام من ناحيته ينفذ برامجهم حتي يأتي الوقت الذي يستطيعون فيه أن ينتقلوا إلي مرحلة أخري من مراحل نشاطهم يواصلون فيها المسيرة بأنفسهم كما حدث في هذه الأيام التي يتقدمون فيها الصفوف كأنهم كانوا في النظام الساقط ضحايا‏,‏ وكأنهم هم الذين ثاروا عليه وأسقطوه‏,‏ وكأنما أصبح من حقهم الآن أن يحصلوا علي المقابل‏,‏ والمقابل هو ركوب الثورة إلي السلطة وركوب الديمقراطية إلي الطغيان‏!
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع