ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
عن هـذا الجـنـــون
08/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : الدكتور إبراهيم أبراش

ما يجري في مناطق السلطة أمر خرج عن كل معقول ومقبول حيث تحولت مناطق السلطة إلى عالم من الجنون وإن كان لا بد من نسبة الوضع لعالم السياسة فهو أحق بالوصف بالأخلاقية السياسية واللا وطنية . المشكلة لا تكمن في الشعب، فهذا الشعب أبدع وعمر وتفوق حضاريا حيث أقام في أرض الشتات، وصمد وناضل وجاهد عسكريا في أرض الوطن حتى حظي بإعجاب كل أحرار العالم. المشكلة تكمن في قلة تنطعت لقيادة الشعب، وقادته فعلا، ولكن.... إلى الوضع الذي نعيشه اليوم، المشروع الوطني يُدمر، وتتحلل القيم الاجتماعية وتتحول غالبية الشعب إلى جموع من الجائعين والمتسولين والمرتزقة والمسلحين الذين يؤجرون دمهم لمن يدفع أكثر والسياسيين الذين هم إما جهلاء بالسياسة أو طامعون بالسلطة والجاه، عندما يتقاتل مَن يُفترض أنهم رفقاء درب التحرير مع بعضهم البعض ويمارسون ضد شعبهم من أشكال القتل والدمار ما كنا ننعت إسرائيل حين ارتكابها بدولة الإرهاب، فهذا يعني أن قضيتنا الوطنية ليست بيد أمينة .

لأننا محكومون بنخبة هي خليط من الفشل والفساد والجهل والغرور والانغلاق الفكري، فإنه في مناطق السلطة وخصوصا غزة التي سموها المناطق المحررة، رئيس لا يعترف به مرؤوسوه، حكومة لا تحكم، أجهزة أمنية تمارس الانفلات الأمني، ثوار بلا ثورة، مجاهدون لم يعودوا مجاهدين في سبيل الله ولا في سبيل الوطن بل من أجل السلطة، وقادة فصائل وأحزاب لا يتعدى طموحهم تأمين راتب وسيارة ومرافق وان استطاعوا فكرسي في التشريعي أو في وزارة، منظمات أهلية تعتاش على رشوة الدول والجهات المانحة ويقلقها انقطاع التمويل أكثر مما يقلقها الهم الوطني، لجنة متابعة عليا (شاهد مشافش حاجة) أو شاهد زور على ما يجرى، تتقن تدبيج الكلمات والجمل ودقة المرفوع والمنصوب والمجرور أكثر من الانشغال الجاد بإبداع حلول لمشاكل تتابعها منذ سنوات بالرغم من أن كل الفصائل والقوى الوطنية ممثلة فيها. حين يحدث كل ذلك هل يكون للعقل والعقلاء مكان تحت شمس وعلى شواطئ غزة البلد الأكثر جنونا في العالم ؟حين يحدث ذلك ماذا يتبقى من مقولة ان الدم الفلسطيني على الفلسطيني حرام؟.

في ظل هكذا أوضاع، هل ستكون هناك مصداقية لأي خطاب فلسطيني ينتقد العرب والمسلمين لتقصيرهم في دعم الشعب الفلسطيني؟ أو ينتقد أميركا والغرب لتحيزهم لصالح إسرائيل؟ كيف نطلب من الآخرين أن ينحازوا لقضيتنا الوطنية فيما أحزابنا السياسية غير منحازة لها حيث مصلحة الحزب والسعي للسلطة بالنسبة لهم أهم من المصلحة الوطنية؟ ألا يخفف ما يجري في شوارع غزة والضفة من المسؤولية عن إسرائيل لما اقترفت من جرائم بحق الشعب الفلسطيني أو يجعل الناس ينسون هذه الجرائم، لأن ما يجري يعني أن من دفعوا الشباب للقتال ضد إسرائيل لم يكونوا حريصين على المصلحة الوطنية بل كانوا يرفعون رايات الجهاد والمقاومة ليس في سبيل الله والوطن بل في سبيل السلطة !.

يبدو أنه كتب على الشعب الفلسطيني، شعب البطولات والتضحيات، صاحب أعدل قضية في مواجهة أخطر مشروع استعماري استيطاني، أن يتحكم في مصيره مَن يملك المال والسلاح، وحيث أن من يتحكم بالمال والسلاح يتحكم بالقرار السياسي، وحيث أن المال والسلاح مصدرهما خارجي، فإن القرار الفلسطيني المستقل يصادر لمصلحة الخارج. كل ذلك يدفع للقول ان المكونات الداخلية للنظام السياسي الفلسطيني وصلت إلى طريق مسدود من حيث القدرة على التوصل لقيادة ولاستراتيجية عمل وطني، مما يثير الخشية من تسوية سياسية للنظام الفلسطيني تطبخ وتسوى في الخارج ثم تفرض على الفلسطينيين.

بعد اثنتي عشرة سنة من سلطة حركة فتح حيث تعثر المسار السياسي للتسوية وعم الفساد، وبعد سنة من حكم حركة حماس حيث انغلق الأفق السياسي وعم الفقر وتفاقمت الفوضى، فهل كُتب على الشعب الفلسطيني أن يقع بالإضافة إلى الاحتلال تحت المطرقة والسندان، مطرقة الفساد السياسي وسندان الجهل السياسي؟.

قد يقول قائل إنك تظلم النخبة السياسية والفصائل وتبدد كل أمل بالتوافق والاتفاق، وإنه تم الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني وعلى أكثر من 90% من القضايا الخلافية ولم يتبق إلا القليل !. كنا نتمنى أن يكون ذلك صحيحا ولكن، إن كانوا متفقين على ما تسمى وثيقة الوفاق الوطني أو وثيقة الثوابت الوطنية فلماذا يتقاتلون في الشوارع؟ ولماذا يسقط أكثر من ستين قتيلا في أقل من شهر نتيجة الاقتتال الداخلي؟ وإن كانوا متفقين على وثيقة الوفاق الوطني، فلماذا لم يتوصلوا إلى اتفاق بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية؟ وإن كان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي هي بند من ثمانية عشر بندا تتضمنها وثيقة الوفاق الوطني، فمتى سيتم الاتفاق على البنود الأخرى وخصوصا بالنسبة لمنظمة التحرير؟.

وإلى حين تشكل قوى سياسية جديدة متحررة من سطوة أيديولوجيا وأموال أطراف خارجية وأجندتها الخاصة، وهناك حاجة ضرورية وملحة لمثل هكذا قوى، إلى حين أن يحدث ذلك، نتمنى التوصل إلى اتفاق لحكومة وحدة وطنية، اتفاق حقيقي ليس فقط لرفع العتب وكسب الوقت والتحايل على الدعوة للانتخابات المبكرة، وان يتبع تشكيل هذه الحكومة القائمة على الثوابت الوطنية المنصوص عليها في وثيقة الوفاق الوطني، الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل وتحت رعاية الرباعية لتنفيذ خطة خارطة الطريق، لأن إسرائيل توظف كل يوم يمر دون العودة لمسار التسوية لتقوم بمزيد من مصادرة الأرض وتهويد القدس وفرض سياسة الأمر الواقع، لا يعني هذا أن إسرائيل جادة بالسلام أو أن خطة خارطة الطريق هي تجسيد لطموحاتنا، بل حتى نرمي الكرة في المرمى الإسرائيلي وننزع الذرائع من يد إسرائيل وكل الأطراف الخارجية التي تحمل الحالة الفلسطينية المسؤولية عن تعثر مسار السلام، ولهذا لا نستبعد أيادي إسرائيلية فيما يجري سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

نتمنى على الإخوة في حركة فتح التسليم بان حركة فتح ليست قدرا محتوما على الفلسطينيين وإن التاريخ لا يصنع شرعية سياسية دائمة، وإن أرادوا الحفاظ على حضورهم السياسي عليهم الاعتماد على شرعية الانجاز في الحاضر وأن يبددوا الصورة السلبية التي التصقت بهم نتيجة اثنتي عشرة سنة من السلطة، كما نتمنى على الإخوة في حركة حماس عدم الانزلاق نحو مشاريع دينية أممية على حساب المشروع الوطني، وألا ينخدعوا بالأصوات الخارجية التي ضخمت من فوزهم في الانتخابات التشريعية مصورين ذلك انتصارا للمشروع الإسلامي العالمي ويجب الحفاظ على هذا الانتصار بأي ثمن، إلى غير ذلك من الخطابات التي دفعت حركة حماس للتعالي على المشروع الوطني وقواه الوطنية، ونتمنى على حركة حماس أن تقول لحلفائها ومرجعياتها في الخارج، إن كانوا يريدون نجاح مشروع الإمارة الإسلامية فليبحثوا عن هذا النجاح في الدول الإسلامية المستقلة وذات السيادة، في مصر او الأردن او السودان أو أفغانستان الخ، أما في فلسطين فهناك خصوصية تجعل المسألة الوطنية والمشروع التحرري الوطني سابقا على أي مشاريع أخرى. في المجتمعات الإسلامية الأخرى يمكنهم تغييب البعد الوطني أو إلحاق الوطني بالديني دون خوف على الهوية الوطنية والدولة الوطنية، أما في فلسطين فيجب إلحاق الديني بالوطني، أي توطين الإسلام السياسي، وعندما ننجز مشروعنا الوطني التحرري ودولتنا الوطنية، آنذاك يكون لكل حادث حديث.

حتى لا نظلم المقاومة الحقيقية يجب التأكيد بأن المقاومين والمجاهدين الحقيقيين أولئك الذين نذروا أنفسهم لمقاومة العدو هم براء مما يجري ويستنكرون ما يجري، وهناك تيار كبير داخل حركة فنح وداخل حركة حماس بالإضافة للمقاومين في الفصائل الأخرى يستنكرون ما يجري، وهؤلاء المقاومون الحقيقيون يفترض بهم أن يخطوا خطوة للأمام أكثر من مجرد الاستنكار الصامت ويعلنوا صراحة أن ما يجري لا يعكس الموقف والقيم الحقيقية للمقاومة والجهاد وان ما يجرى يسيء للقضية الوطنية وللمقاومة والجهاد فكرا وممارسة.

وأخيرا لا بد من الإشارة لظاهرة ــ سنتطرق لها بتوسع في مقال قادم ــ وهي توظيف الجهاد ــ فكرا وممارسة ــ من جهاد في سبيل الله والوطن وفي مواجهة عدو خارجي إلى ورقة قوة وتمايز في حروب أهلية، هذا ما جرى بالنسبة للمجاهدين الأفغان سابقا وبالنسبة لحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين حاليا .

 

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع