ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - ثورات، وصراخ، وندم!
08/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
في بغداد، رأيت على شاشات الفضائيات مشهداً مغرقاً في الحداثة، وقادماً في نفس الوقت من غلالات الأساطير القديمة، إنه مشهد الندم، آه، الندم، هذا الشعور الأسود اللزج الخانق الذي يسيطر على الأفراد، لكنه يكون طاحناً وقاسياً حين يسيطر على الجماعات البشرية، حيث الآلاف يعضون أصابعهم ندماً، أصابعهم التي غمسوها قبل سنة في حبر الانتخابات، حين ذهبوا بالملايين إلى صناديق الاقتراع، وسط تهليل دولي واسع، واختاروا من اعتقدوا أنهم الأصلح، ليقودوا العراق العظيم إلى الجنة الموعودة بعد «جحيم» صدام حسين!!! وقد أشاد الرئيس الأميركي باراك أوباما بشجاعة وحيوية الشعب العراقي الذي اختار الديمقراطية، ولكن العراقيين نادمون بعد سنة، يعضون على أصابعهم ندماً، فالذين انتخبوهم لم يفعلوا شيئاً، لم يفعلوا شيئاً على الإطلاق، تنافست برامجهم الانتخابية في تقسيم العراق، وانبعاث الطائفية من مراقدها القديمة، فتضاعف حجم الموت، والقنابل والعبوات التي تمزق الأجساد، وتضاعف حجم الجوع، ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع!!! هكذا اشتكى بدر شاكر السياب في الستينيات من القرن الماضي في ملحمته الشعرية الخالدة، أنشودة «المطر»، ولكن الألم الآن أقوى حتى من الجوع، إنه الندم، العض على الأصابع ندماً، لطم الخدود، والضرب على الصدور والظهور بالسلاسل ندماً، ندم العراق أكثر عراقة وعمقاً حتى من ندم «سارتر» في مدينة أرجوس الخرافية، وندم العراقيين الحالي أكثر طزاجة من ندم «جليجامش» الذي اختار الخلود ليكون عبئاً على آدميته، ومعذباً لها!!! وأشد وهجاً من الندم على خذلان الحسين حين دعوه إلى الخروج على الظلم، ثم خذلوه وتركوه وحيداً وانضموا إلى رنين الذهب، فقتل عطشاناً على شاطئ الفرات!!! ومن يومها وهم يلطمون ويلعنون أنفسهم.
متى يذهب العقل؟
متى يعود العقل؟
وكيف تستثار هذه الأمة لكي تنكر نفسها، وتكفر بنعمتها، وتلاحق الوهم في قطعان من الضجيج؟؟؟ كيف صدق العراقيون أن الأميركيين وأحلافهم الدوليين جاءوا بكل هذه الجيوش، واستأجروا كل هذه الأعداد من عناصر الشركات الأمنية، لا لشيء سوى تحقيق الديمقراطية، وإجراء الانتخابات، وليس لأي سبب آخر؟؟؟
المشاهد الجارية الآن في أرجاء الوطن العربي تحتاج في فهمها إلى خيال ملحمي، كنا نشكو من الذين يجلسون على كراسي الحكم وفي يدهم الصولجان لعقود طويلة، وها نحن نحتفل في تونس ومصر والبقية تأتي بوزارة في كل أسبوع!!! ولم لا، تشكلت الحكومة، سقطت الحكومة، وهكذا في حلقة مفرغة من الصراخ الذي لا يستند إلى يقين واحد!!! وكنا نصر على تضييق التغطية الإعلامية على أية مظالم للأقباط في مصر، وننكر حدوث ما يجري، وها نحن نعوض ذلك بالتجاهل بإقامة حديقة عامة للخطابة ولكن ليس في ميدان التحرير، بل أمام مبنى التلفزيون في ماسبيرو، حيث الخطباء من القسس، والمحتشدون غابة كثيفة من حاملي الصلبان بكل الأشكال وكل الألوان على مدى أيام طويلة، ولا يعود المتظاهرون إلى قريتهم التي احترقت كنيستها في محافظة حلوان إلا وقد سبقتهم كتيبة من الجيش لكي تحميهم من مواطنيهم المصريين المسلمين!!! يا إلهي، من الذي فعلها؟؟؟ ما هذا البذار الذي يبذر في الأرض؟؟؟ وكيف سيكون نوع الحصاد؟؟؟
شكراً للثورة المذهلة في تكنولوجيا الاتصالات، إنها تجعلنا نرى إن كانت لنا بصيرة، ونسمع إن كان لنا يقين، ولا داعي لأن يذهب الشعراء والكتاب الملحميون إلى المسافات الشاسعة بين بني غازي، وطرابلس والجبل الأخضر والبيضاء، ومصراطة، وسرت، والزاوية، وترهوتة، فكل شيء نراه في لحظته، ونسمع صراخه للتو، فكل شيء يتجاور، ويتناطح، ويشتبك مع كل شيء، المقدس والدنس، صدق الجرح وزيف الادعاءات، العهد البائد والعهد الفالت، الثوار واللصوص، والدهماء وأذكى ضباط المخابرات المختصين في سرقة الوثائق، لصوص الآثار النادرة، وتجار البضائع الفاسدة، والمرتزقة، مرتزقة القذافي حين يكونون موالين للزعيم الليبي، أما حين يقتلون الناس في العراق فيطلق عليهم اسم عناصر شركة بلاك وتر الأمنية!!! وحين يسرقون أرض الفلسطينيين في القدس والضفة فيمنحون اسم المهاجرين اليهود الجدد!!! المعايير متداخلة، والمقاييس مطاطة، وصفات الأشياء لا تعبر عن عين الأشياء!!! وما المنطقة العربية سوى مسرح كبير يؤدي فيه الأقوياء دور البطولة، وتؤدي فيه الجماهير دور الكومبارس، سقط الماضي، ولم يتشكل المستقبل بعد، وربما يبدأ قريباً زمن الندم، وربما زمن البكاء
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع