ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
التخلف الديموقراطى والثورات العربية
04/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. ناجى صادق شراب
تشهد الدول العربية حالة من الثورة الديموقراطية ، والتحولات السياسية في بنيتها السياسية السلطوية ، ولا شك أن هذا التحول يقف ورائه ما يمكن تسميته بظاهرة التخلف الديموقراطى. ، وهنا لا بد من الأشارة أيضا ألى ظاهرة التخلف الديموقراطى التى قد تقف وراء العديد من الظواهر السياسية السلبية التى تسيطر على حياتنا السياسية ، ومن أهمها عدم التكافؤ السياسى ، ,احتكار الثروة ، والفقر والبطالة ، والفجوة الحضارية ، وكل هذا قد يخلق قيم تتعارض مع قيمة الديموقراطية .

ولعل من أبرز مظاهر التخلف السياسى ، التخلف أو عدم النضج الديموقراطى ، الذى نلحظ العديد من مظاهره فى مجتمعاتنا العربية . ولقد أستحوذت هذه المعضلة أهتمامات الباحثين ، وعقدت من أجلها العديد من الندوات والمؤتمرات ، وما زالت محل أهتمام وبحث ، لتجذرها فى حياتنا ، وأنعكاس كل سليياتها على العلاقات التى تحكم الحاكمين بالمحكومين ، وبالعديد من المشاكل اليومية التى يعانى منها المواطن ، من سيادة ثقافة القوة فى شقيها السلطوى والمجتمعى ، وتدنى درجة المشاركة السياسية فى صناعة القرار والسياسة العامة ، وضعف مبدأ تداول السلطة ، ودورية ألأنتخابات ، وضيق نطاق دائرة الحقوق التى يتمتع بها المواطن ، والفجوات المعيشية بين شرائح المجتمع ، وضعف أداء مؤسسات المجتمع المدنى ، وغير ذلك من المظاهر السلبية التى تفسر لنا حالة التراجع السياسى وألأقتصادى ، مقارنة بالدول ألأخرى فى عالم تحكمه موازين قوى ، تحدد من خلالها مكانة الدول  والمواطنيين. وتثير هذه المشكلة تساؤلات عديده كلها تتعلق بأسباب أستمرار ظاهرة التخلف الديموقراطى ، واخرى تتعلق حتى بفشل أو على أقل تقدير عدم أكتمال التجارب الديموقراطية القائمة . وهل هذه الحالة سببها ثقافة متجذرة ومتعمقة فى تاريخنا السياسى ، أم انها تعود لأسباب دينية ، وفهم غير صحيح لمنظومة القيم الواسعة والشامله التي يشتملها الدين، أم ان ألأسباب تعود لعوامل خارجية ، ,وهل الولايات المتحده حريصة على دمقرطة الدول العربية ، وان مصالحها تستوجب أستمرار أنظمة الحكم القائمة ,ان الديموقراطية الحقيقية قد تأتى بالحركات ألأسلامية للحكم ، وهى الحركات المعارضة لكل ما هو أمريكى فى المنطقة ، أم أن ألأسباب تتعلق بالبنية والعلاقات ألأجتماعية ، وهناك من يرى أن أسباب عدم النضج الديموقراطى قد يكمن فى عملية التنشئة الطويلة والممتده والتى تتحكم فيها الدولة ، وتخلق مواطنا رعويا تابعا ، خاضعا مسالما غير قادر على المقاومة وتغيير وضعه السياسى . ويبدو لى أن الخلل الرئيس الذى تعانى منه هذه المجتمعات يكمن فى كل هذه ألأسباب ، و يكمن فى العلاقة غير المتكافئة بين الدولة التى شبهها الفيلسوف ألأنجليزى هوبز بالوحش الهائل ، والمجتمع ، وأن هذه العلاقة تحرص دائما الدولة على أستمراراها من خلال تحكمها فى أساليب القمع وألأكراه ، والتحكم فى مصادر الدخل والتوظيف او بعبارة أدق مصادر الرزق. وبالتحكم وتشكيل كل مؤسسات المجتمع، وتوجيهها بما يخدم أنظمة الحكم القائمة . ومن ناحية أخرى فإن تجذر هذه الحالة من التخلف قد جعل منها حالة مستعصية على الحل ، او بصيغة أخرى النموذج الذى ترسخ فى الذهن أنه النموذج الذى يصلح لهذه الشعوب ، ومن ثم لماذا البحث عن نماذج أخرى ، وفى الوقت ذاته التشكيك فى النماذج الديموقراطية ألأخرى ، وتصويرها أن نماذج غريبة عن النموذج السياسى السائد عربيا وأسلاميا ، وبالمقارنة المحلية لا بد أن تأتى المقارنة لصالح من يقارن ، ومما يزيد من أستمرارية هذه الحالة أن من بيدهم القدرة على التغيير ،وهم مجموعة النخب الفكرية والثقافية بكل أشكالها فهى أيضا منقسمة على نفسها ، منها من ينتمى الى السلطة وينعم بنعمها وخيراتها وثرواتها ، ومنهم من يفضل الهجرة الطوعية أو القسرية ويستسهل النقد من الخارج ، وفارق كبير بين من ينتقد وهو موجود فى الداخل ومن ينتقد ولا يقود من الخارج ، وهناك شريحة من المثقفين الذين يعبرون عن مصالح تنظيماتهم وحركاتهم أكثر مما يعبرون عن هموم أمتهم وشعبهم ، وهناك شريحة الزاحفين من المثقفين للسلطة والمناصب العليا. هذا هو السياق السياسى والثقافى وألأجتماعى وحتى النفسى الذى يقف وراء عدم النضج الديموقراطى الذى تعانى منه الدول العربية .
وبقراءة مسيرة الممارسة الديموقراطية على أرض الواقع، أن سبب الفشل يعود الى أن هذه الممارسة أقتصرت على البعد الشكلى فقط ، أو على تقدير فى التعامل مع جانب واحد فقط من جوانب الديموقراطية وهو ألأنتخابات ، وفقط ، وبمجرد الوصول للسلطة يتم التنصل من كل ألتزامات وأستحقاقات الديموقراطية ، وهنا لو قامت هذه النظم بترسيخ وألألتزام بما تفرضه العملية الديموقراطية من دورية أنتخابات وتداول حقيقى للسلطة ، وفترة حكم محدده ، والأهم من كل هذا لو سعت هذه النظم الى خلق المواطنه الحقيقية القادرة أن تحمى نفسها من خلال الضمانات القانونية والدستورية والمجتمعية والثقافية لكان لدينا ممارسات ديموقراطية أكثر أكتمالا ،ة لكن الحلقة المفقودة هنا انه ليس من مصلحة الحاكم أن يؤسس لكل هذه المعطيات والركائز الديموقراطية طالما أن ذلك يضمن له الحكم والسلطة . فالديموقراطية ليست مجرد شكل من أشكال الحكم ، بل هى نظام حياة متكامله ، تحتاج الى بنية تحتية قوية مثل أى بناء شاهق ، فالديموقراطية فى صورتها الليبرالية هى أسلوب حياة متكامله ، ونظام سياسى وأجتماعى وأقتصادى متكامل ومتبادل ، يحتاج لمنظومة من القيم الثقافية لا تأتى بالفرض ولا تستورد ، بل تأتى بالتنشئة والممارسة الطويلة ، وبنظام وبنية أجتماعيى يسمح بالحراك ألأجتماعى ، وتقلص من التفاوت ألأجتماعى بين شرائحه ، وتحتاج الى نظام أقتصادى قادر على ألأنتاج وألأستجابة  للإحتياجات والمطالب المتنامية  ونظام سياسة قادر على التكيف ، وتغيير معادلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وصولا الى الحاكم المحكوم ، والمحكوم الحاكم. تحتاج الى عقد أجتماعى جديد يحكم كل العلاقات السياسية والمجتمعية من جديد . وتجدر ألأشارة هنا أن الدول الغربية لم تصل الى نظمها الديموقراطية دون تضحيات ، بل قطعت شوطا طويلا حتى تصل الى مسرتها المنتظمة ديموقراطيا ، وقد يكون وضع الدول العربية الأن أحسن حالا مما كانت عليه تجارب الدول ألأخرى ، من حيث توفر العديد من العوامل ةالدافعة نحو تأصيل الحياة الديموقراطية .
وفى النهاية الديموقراطية بناء يحتاج الى جهد وعمل متواصل وهذا البناء ركيزته ألأولى المنظومة الثقافية والقيم التى تخلق المواطنه المسؤولة ، وثقافة متحررة من قيود الثقافة ألأبوية الرعوية ، وتحتاج أيضا الى بنية مؤسساتية بعيدا عن الشخصانية والفردانية التى تسود انظمة الحكم العربية . وتحتاج الى أساس قانونى دستورى ، بمعنى دولة القانون الذى يخضع له الجميع ، واساس هذه ألأسس النظام التعليمى البعيد عن التلقين ، والتكرار لشخصية الحاكم المستبد ، نظام تعليمى يوفر القدرة على التفكير وألأبداع ، والقدرة على النقد والفهم. وهكذا فالديموقراطية فى النهاية هى عملية مجتمعية شامله واعية باهدافها ، وتعرف الى أين تسير . ويبقى أن نذكر انه من  منظور نظرية دورة الحكم لا يبقى حكما مستبدا فى الحكم ، وفى النهاية لا بد أن يعود الحكم الى منتهاه الطبيعى ،و بقدر أستجابة الحاكم وتقربة من مواطنية بقدر أستمرار الحكم ، وصلاحيته ورشادته وهذا هو أساس الحكم الصالح.
دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى
drnagish@hotmail.com
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع