ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
بعد حياة ملحمية : البطراوي في مستقره الهانيء
13/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم / عدلي صادق

غيّب الموت أمس، شيخ النقاد والمثقفين الفلسطينيين، ومؤنس أماسيهم الباردة الموحشة، محمد خالد البطراوي، لينطفيء فجأة، قنديلٌ لطالما استرشد به الراغبون في المعرفة، فيما هم يتقصون خلفيات كل مشهد فلسطيني، غامض أو محيّر أو ملتبس، عايشه كمثابر ملتزم. وليس لحياة أبي خالد البطراوي، التي انطوت أمس، مجرد سيرة تقليدية لرجل كرّس حياته للثقافة، كقضية بحد ذاتها، طلباً للحقيقة حتى وإن تعارضت مع انحيازات الأكثرين وإرثهم ومسبقاتهم الأيديولوجية؛ بل إن لتلك الحياة وفيها، ما يختزل أيامنا ومفارقات حياة الفلسطينيين وملحمة كفاحهم من أجل البقاء والتقدم والحرية!

* * *

كان في شبابه اليافع، على موعد مع النكبة. وفي مدرسته الثانوية في مجدل عسقلان القريبة من بلدته العتيقة (اسدود) نما وعيه الوطني والنقدي الشامل، وكان واحداً من ألمع الشبان الذين اجتذبهم الناشطون الشيوعيون. سرعان ما أصبح واحداً ممن ولجوا معترك السياسة من بوابة الحزب، فرموا من ورائهم أحلامهم البسيطة، ومن قبلها أحلام المراهقة، وانقطعوا للقراءة، كأنما أرادوا الاستزادة من البراهين على صواب ما اختاروا وانحازوا اليه. وفي الحال الفلسطينية، لم يكن لأصحاب تلك الخيارات، الترف الذي عاشه بعض رفاقهم من ذوي الخيارات المشابهة، في بعض البلدان، حيث المقاهي الأنيقة الآمنة، وأينما يُتاح التمرغ في هوامش الحرية. وفي ذروة أحداث الحرب التي انتهت بكارثة فلسطين، تشكّل العقل السياسي لمحمد خالد البطراوي، فكانت له رؤيته، وكان له انتماؤه 'الثوري' ونقديته ورطانته المناوئة للامبريالية وللرجعيات العربية والمحلية، وللقوى الاجتماعية الظلامية. وكانت له محاججاته المفنّدة لأدوار الطبقات. من هنا بدأت رحلته التي تجعلنا نجزم أن الراحل قد اختتم أمس سيرة حياة استثنائية. كان عندما اقترن بشريكة عمره، وقع اخياره على فتاة

من بيئته الثقافية والحزبية. كأنما أراد أن يتهيأ أسرياً لتحديات القادم من الأيام. أفلت من الملاحقة بأن غادر ساحل جنوبي غرب الوطن الى هضابه الشرقيه، وسرعان ما تدبر طريقه الى العمل في الكويت قبل استقلالها. هناك وشت عليه لغته وهمومه وعناوين أحاديثه، فكان من أوائل الذين جربوا الإبعاد من الخليج في العام 1959. ولما كان من الخطورة بمكان، أن يعود الى الضفة الفلسطينية متأبطاً اسمه الحقيقي، فقد عمل قبل الوصول الى الوطن، على اقتراض اسم آخر من قبر شخص توفاه الله في قرية 'رنتيس'. امتنع ذوو الميت قبل 52 عاماً عن استخراج شهادة الوفاة، لكي يمنحوا محمد خالد البطراوي حق الانتفاع بأوراق الميت الثبوتية والاستمرار في الحياة باسم خليل حسين. وظل أبو خالد البطراوي ينام ويقوم ويمشي ويعمل كخليل حسين، ومعه كريمته التي امتشقت اسم 'أسماء' كريمة الراحل خليل حسين. وفي العام 1963 استفاد البطراوي من عفو ملكي أردني شمل جميع السياسيين، فأعاد الاسم المستعار الى قبر صاحبه شاكراً للراحل وذويه كرم الإعارة، واسترجع اسمه، وأعاد للبنت اسمها الروسي 'زويا'! كان أبو خالد البطراوي اختار اسم 'زويا' لإبنته في

لحظات الحلم والتجلي. فـ 'زويا' الأولى، سميّة الحياة نفسها، هي دُرة بنات الثورة الروسية وشهيدة محارباتها في الحرب العالمية الثانية. كانت مثقفة تعشق الأدب والفلسفة فتقرأ لـ غوته وشكسبير وديكنز، مثلما تقرأ لتولستوي وبوشكين ومكسيم غوركي وماياكوفسكي. تطوعت من مدرستها الثانوية لكي تقاتل النازية. حاولت أمها منعها، فكان جوابها، ما الذي يتعين عليّ أن افعله، بينما العدو يقترب من مدينتنا؟ وهل سيكون هناك مجال للحياة إن اقتحم علينا النازيون منازلنا؟ ذهبت وتكفلت بإحراق موضع يرابط فيه الجيش النازي بدءاً بإسطبل الخيل. يتمثل أبو خالد حكاية البنت الروسية، فيستعيد لـ 'زويا' الفلسطينية، ابنته، اسمها المشحون برمزية عميقة، ويمضي أبوها على طريق المثقف المناضل! ءءلم يكن أبو خالد، من أولئك المُنشدين الممتدحين، الذين يراءون ببراعة يحسدهم عليها النصابون. رعى الحركة الثقافية والصحافة، تحت الاحتلال، مثلما نجح في حماية بيته المستأجر، قبالة مدخل المقاطعة، من مغتصب احتلالي يُسمى 'حارس أملاك الغائبين'. وبدماثة خلقه ووطنيته، جعل من بيته، منذ بداية احتلال 67 مركزاً للقاءات الوطنيين، وفي ذلك السياق، صدر من ذات المنزل، البيان الأول باسم جماهير عموم

الأراضي المحتلة والقوى السياسية والفصائل (الضفة وغزة) ولاذ الى بيته قادة ومناضلون ملاحقون، وقد أعانتهم على الاختباء فيه، واحدة من أكبر المكتبات المنزلية على الإطلاق. وعُرف منزل البطراوي ببابه المفتوح لكل زائر بغير ميعاد، إذ فتح ساكن البيت قلبه وعقله للمبتدئين والمبتدئات، شعراً ونثراً. يُجزل الثناء ويعبر عن الفرحة، بكل ابداع أو نص واعد، ويحذر من الركاكة ومن الرواية السياسية البلهاء والسطحية. كان يؤدي دوراً تنويرياً، فلا يُخلف ميعاداً على هذا الصعيد. لذا فإن غيابه عن المشهد الثقافي الفلسطيني، يُطفي قنديلاً ويخصم من قائمة الأحياء الأذكياء، الشهود على مراحل من تاريخ الفلسطينيين ومخيالهم الوطني والسياسي. رحم الله شيخ النقاد والمثقفين وفي بلادنا، ولتبلل قبره قطرات الندى! www.adlisadek.netadlishaban@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع