ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أيلول: الهجوم الفلسطيني
12/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د.عاطف أبو سيف

لا أحد يقول إن اليوم التالي لقرار التصويت في الجمعية العامة سيعني وجود دولة فلسطينية حقيقية، كما أن التفكير بهذا سيكون حلماً كبيراً. لكن المؤكد أن هذا إن تم سيخلق وقائع جديدة على الأرض. سيعني أن ثمة حقيقة جديدة لابد أن يتم التعامل معها. فالدولة الفلسطينية التي كان يجب أن تكون غاية عملية السلام طوال العقدين الماضيين لم تر النور على الرغم من كل الوعود والآمال، وربما أفلحت (أوسلو) بطبعتها الإسرائيلية في تثبيت حقيقة واحدة تقول إنه كلما تقدمت المفاوضات أصبحت الدولة أكثر استحالة. تعزز هذا مع مشاريع الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي والحصار ومصادرة بطاقات الهوية لسكان القدس وما إلى ذلك. بحيث صارت غاية السلام المتمثلة بالدولة واحدة من المستحيلات السبعة في السلام نفسه. وبالطبع وفق الموقف الإسرائيلي فبإمكان الفلسطينيين أن يطلقوا اسم دولة على أي شيء أرادوا طالما لم تكن هذه الدولة على كامل الضفة الغربية وغزة وطالما لم يحصلوا على القدس وطالما لم تتوافر لهذه الدولة إمكانية التواصل الجغرافي. معيقات كانت تبرع إسرائيل في إدماجها ضمن الحقائق اليومية بحيث تحولت المفاوضات إلى مجرد إجراء روتيني يبحث في تقديم إسرائيل لتسهيلات لتخفف عن حياة الناس. هكذا صار السلام مستحيلاً وفق الديناميكية التي كانت تسير عليها الأمور.
لقد غابت فكرة الدولة الفلسطينية بشكل كامل عن واقع الأمر، وبالقدر الذي اكتسبت الفكرة فيها تأييداً شفوياً في الأوساط الدولية وحتى عند الأحزاب الإسرائيلية الكبرى فإنها تلاشت عن أرض الواقع، بل إن النقاشات التي كانت تدور حول مستقبل المفاوضات انحصرت في البحث عن وقف الاستيطان. وإسرائيل غير المستعدة لوقف البناء في المستوطنات لأشهر من أجل إعطاء فرصة لعملية السلام كيف ستقبل أن تفكك مئات المستوطنات حتى تصبح الدولة الفلسطينية قادرة على الحياة وفق مصطلحات واشنطن. من هنا فإن الاستمرار في البحث عن فكرة غائبة في الممارسة حاضرة في اللفظ اللغوي كان درباً من التيه. كما أن محاولة مجادلة عقل نتنياهو حول منطق السلام لن يكون إلا ترويضاً للتمساح باستدرار دموعه. ونتنياهو أيضاً كان يدرك أن جل غايته هي المفاوضات لذاتها.
لم تذكر أي من قرارات الأمم المتحدة كلمة 'الدولة الفلسطينية'. القرار الوحيد الذي أشار إلى ذلك ضمناً كان قرار التقسيم (181) للعام 1947 حين أشار إلى دولة عربية بجانب الدولة اليهودية تنالان عضوية الأمم المتحدة بعد إنشائهما بعد تقسيم البلاد وفق التصور المعروف. لقد أشارت القرارات الأممية إلى حق العودة وإلى حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وإلى حقوق تمثيل الشعب الفلسطيني، وإلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها العام 1967 وعشرات القرارات التي أدانت تصرفات إسرائيل ضد الفلسطينيين وعدوانها المستمر عليه. لكن لم يوجد قرار يقول إن هذا الشعب الذي وقعت بحقه كوارث عديدة على يد إسرائيل وبتواطؤ المجتمع الدولي له دولة ولم تحدد جغرافية هذه الدولة. من هنا فإن القرار الذي تسعى إليه القيادة الفلسطينية يشكل انتقالة في مفهوم الصراع. فلم يعد الأمر مجرد بحث عن تقرير مصير بل إن ثمة قراراً أممياً يحدد كيفية تجسيد هذا المصير على قطعة جغرافية. ليس هذا فحسب بل إن تحديد هذه الدولة ليس حكراً على نتائج المفاوضات الثنائية غير المتكافئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بل إنها مقررة سلفاً بقرار من الأمم المتحدة، وهو قرار سيشكل مرجعية للمفاوضات المستقبلية.
بالطبع لابد أن يحبط الجميع من مواقف أوباما الأخيرة. ولكن هذا الإحباط ناجم عن التوقع والآمال الكبيرة التي بناها البعض على السيد أبو حسين على اعتبار أنه لابد أن يكون معنا. والذي توقع أن أميركا لن تستخدم حق النقض (الفيتو) على مشروع القرار، ربما عليه أن يعيد معرفته بالسياسة الأميركية. وأيضاً الذي يتوقع أن تصوت كل دول العالم معنا عليه أن يعيد قراءة سياسات هذه الدول. نتنياهو وعد بهجمة دبلوماسية مضادة وبالطبع نقطة الانطلاق لهذه الهجمة لابد أن تكون واشنطن. ولم يكن الاستقبال الحافل له والوقفات في الكونغرس إلا بداية هذه الهجمة وحفلة الإطلاق لها. والمرحلة التالية كانت أوروبا خاصة ألمانيا ومن ثم إيطاليا. عموماً يحظى القرار بدعم دول أوروبية كبرى على رأسها فرنسا ولكنه أيضاً يحظى بدعم الأغلبية الساحقة في الأمم المتحدة. تقارير مراكز أبحاث إسرائيلية قالت إن على إسرائيل أن تكتفي بالأغلبية الأخلاقية التي تتشكل من دعم الدول الديمقراطية للموقف الإسرائيلي، وهو موقف استعماري بالأساس. وأياً يكن الحال فإن على الفلسطينيين أن يعدوا العدة للحظة التي ستلي يوم التصويت بحيث لا يعتبر ما حدث 'فتح مكة' الذي ينتشر الدين بعده دون التقليل من أهميته.
هذا يتطلب جملة من المواقف المهمة التي تعني في الأساس البحث عن تحقيق هذا القرار واستمرار الهجوم الفلسطيني في المحافل الدولية سواء بالتوجه لهيئات دولية مختلفة لإدانة إسرائيل وتفعيل النضال الشعبي ضد المستوطنات ولكن ليس بشكله الإعلامي المتبع الآن بل الميداني الذي يهدف إلى تسليط الضوء على خطورة هذه الكتل الاستيطانية على حياة الفلسطينيين. حملات المقاطعة لابد أن تستمر وتتكثف ويتم تفعيل كل أشكال الدبلوماسية لإنجاز هذه الحملات لأكبر قدر من الأهداف. ما أقترحه أن ثمة أشياء كثيرة يجب أن تتغير على الأرض حتى لا يتحول هذا القرار إلى مجرد قرار أممي آخر.
ربما يصلح أن يقال إن هذا أول هجوم سياسي فلسطيني على إسرائيل ينطلق فيه الفلسطينيون من موقف المباغت الذي يعرف ماذا يريد، وتجد فيه إسرائيل نفسها تدافع عن نفسها. لكن من قال إن كل ما يباغت ينتصر، إن مواصلة البحث عن مخارج وسيناريوهات ووضع الخطط وحدهما يدفعان الجيوش إلى التقدم.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع