ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
يوم كنت فرخ حمام: شيء من سيرة
11/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عادل الأسطة

1 ـ فرخ حمام:
في قصيدته 'يوميات جرح فلسطيني' يخاطب محمود درويش فدوى طوقان بالمقطع التالي:
'لم نكن، قبل حزيران، كأفراخ الحمام
ولذا لم يتفتت حبنا بين السلاسل'
كان عمرُ درويش في حينه سبعة وعشرين عاماً تقريباً. كان هاجر إلى لبنان في العام 1948، وعاد إلى فلسطين متسلّلاً، ورأى قريته وقد سُوّيت بالأرض. ونشأ وقد رعته منظمة الأرض أولاً، ثم الحزب الشيوعي حين منعت جماعة الأرض. أما أنا فكان عمري في حزيران 1967 ثلاثة عشر عاماً إلاّ أسبوعاً. وأزعم أنني، يومها، كنت فرخ حمام. كل ما أذكره عن ذلك العام التظاهرات التي قامت في العام 1966، بسبب أحداث السموع. هل شاركت فيها؟ ربما.
حدثت حرب حزيران وأنا في الصف الأول الإعدادي. كنا ننهي المدرسة في أيار، ونبحث، بداية حزيران عن عمل ما: بيع 'التمرية'، 'الأسْكِمُو'، البحث عن مطعم في المدينة أو عن مقهى. ولما كان جارنا في المخيم يملك مقهى في المدينة، فقد رحّب بأن أعمل معه. في حزيران، في الخامس منه، كنت عامل مقهى، وفي اليوم نفسه غادرنا المخيم، لنقيم في المدينة القديمة من نابلس، فلعلّها أكثر أمناً.
أتذكرني ذلك اليوم فرخ حمام. أتذكرني في السابع من حزيران أجوب شوارع نابلس المغلقة غير خائف. أتذكرني أبحث عن صيدلية ما. أتذكرني غدوت طابوراً خامساً دون أن أدري:
أسير في شوارع المدينة.. أسير.. أسير.. أذرعها... أجوبها وأعود، وقرب سينما 'ريفولي' أرى الرجال متجمّعين ومعهم بواريدهم الإنجليزية:
ماذا رأيت؟
امرأة من قلقيلية تقول إن مدينتها سقطت.
سيضربني الحلاّق كفاً ويقول: طابور خامس. وفيما بعد، حين حلت الهزيمة سأذكره بما حدث، وسيضحك. سيضحك ذلك اللداوي الذي سيموت خطأً بالرصاص الإسرائيلي في 'انتفاضة الأقصى'. سأدوّن هذا في قصة قصيرة عنوانها 'ثلاثة أيام حزيرانية في حياة يوسف.م' وسأنشرها، أولاً، في جريدة 'الشعب' المقدسية، في حزيران 1986 على ما أتذكر. لم أكن يوسف.م كلّه، كنت بعضاً منه، فهو شخصية تمزج بين غير شخص.

2 ـ غنّت فيروز مغرّدة:
ما الذي يدفعك إلى التمرّد؟ ما الذي يحببك بالرافضين من الأدباء؟ أي روح تسكنك؟ لا تعرف. تعرف أنك تجد نفسك دائماً في طرف الرافضين.
تعجب، وأنت طالب في الجامعة، بنصوص أدباء الرفض. ما إن تسمع قصيدة ممنوعة، ما إن تسمع بكتاب ممنوع، حتى تحفظ القصيدة وتشتري الكتاب. من هو كاتب قصيدة:
غنّت فيروز مغرّدة وقلوب الشعب لها تسمع؟
لا تعرف. قيل إنه نزار. قيل إنه طالب طب في جامعة دمشق. تحفظ القصيدة، وتمر سنوات ولا تنساها. هذه الأيام تسترجع أبياتها. حين كانت سورية تقف في الحرب الأهلية في لبنان إلى جانب 'الكتائب'، كنت تكرّر:
بعنـــا الجــولان بـرمّتـه من شرم الشيخ إلى سعسع
لو أدّى 'البعث' رسالته لقبضنـــا مــن ثمـــن الأقرع
وتتابع، في حزيران هذا، ما يجري في سورية. تتابع أعمدة الكتاب. تسترجع ما كتبه الشعراء الفلسطينيون في العام 1976: معين بسيسو ومحمود درويش. أصدر الأول ديوانه: 'الآن خذي جسدي كيساً من رمل'، وكتب الثاني 'أحمد الزعتر'. هاجم الأول حافظ الأسد بالاسم وهجاه. صرّح ولم يلمّح ولم يخف، فلم يخش شيئاً، أما الثاني فكتب: ومن المحيط إلى الخليج/ من الخليج إلى المحيط/ كانوا يُعدّون الجنازة وانتخاب المقصلة. يبدو الآن حسن خضر الأجرأ. ليانة بدر كانت جريئة، لكنهما لم يقولا ما يجب قوله عن أميركا والغرب.
'من أين العودة فـيروز والعـودة يلزمــها مدفــع
والمدفع يلهو منهمكاً في (...) الشعب له مرتع'
ها هي المدافع تدك مؤخرات الشعب ومقدماته وأطرافه؛ شبراً شبراً.. بيتاً بيتاً.. زنقةً زنقةً.. فرداً فرداً.
تتذكر قصيدة لسميح القاسم عنوانها: 'ضوء جديد لقصر عتيق'. كان سميح تنبّأ فيها بما سيحدث، لكنه تخلّى عنها، وكان كتب بدلاً منها قصائد مديح في الحكام. و.. و.. عفواً فيروز ومعذرة أجراس العودة لن تقرع. هل تقولها؟ قد...

3 ـ صباح حزيراني مختلف:
كأنه هو هو. كأنه الطفل الذي كانه. الشاب الذي كانه. مرّة اعتدى على ممرضة اعتدت على دوره؛ وأرادت غصباً أن تملأ إبريق مائها قبله. يومها بصق في إنائها، فاستدعت له الشرطة. اقتادوه إلى المخفر وضربوه بالكرباج. مرة كان في عمّان. كان ذلك في العام 1981، فاقترح على الشرطي اقتراحاً لم يوافق عليه: أترك لديك جواز سفري وأحضر لك ما تريد، لتحفظ دوري. وحين رفض الشرطي رفع هو صوته: يهود هنا.. يهود هناك. وامتدت أيدي الجنود تلكمه. الشرطي قال له: سأسجنك، وكتب فيه كتاباً زعم فيه أنه شتم الملك.
يتذكر عبارة أوردها جبرا في مقدمة سيرته 'البئر الأولى'. لعلها للشاعر (وردزورث): الطفل هو والد الرجل. إذا أردت أن تعرف حقيقة رجل فابحث عنه طفلاً. وها هو، حين لا يعجبه شيء يتمرد. يتذكر راشد حسين: تشتهي الثورة لحظات غضب. أحياناً يراجع نفسه ويقول: أنا أهبل.. أنا حمار.
يصعد إلى الحافلة التي يقودها سائق ملتح. الصباح مبكر. صباح حزيراني تبدو الأجواء فيه جد لطيفة. يسير السائق ويسير. يسرع فيقول له: يا أخي! لسنا في عجلة من أمرنا. يصمت السائق، كأنه أخرس أصم. يكرر كلامه حين لا يرتدع السائق: يا أخي. لسنا في عجلة من أمرنا. نريد أن نصل سالمين. يخرج السائق عن طوره: هذا شغلي، فالشارع خال ولا سيارات فيه. وسيرد عليه: افرض أن حماراً فاجأك!.
ينسى السائق ما تعلّمه: افترض جهل الآخرين. ربما يكرر بيت الشاعر: 'ألا لا يجهلن أحد علينا/ فنجهل فوق جهل الجاهلينا'. ربما. ويتساءل: هل حقاً السرعة هي شغل السائق ولا دخل له هو؟ وماذا إذا جرى حادث سير؟ هل سيكون بمنأى عن الأذى؟
يريد أن يقول للسائق: افرض أن حماراً فاجأك/ وينسى. ينسى أن الحمار قد يكون موجوداً في الحافلة التي يستقلها. في حزيران، يقول، قتلتنا الطائرات. هل ستقتلنا في حزيران حماقات سائق السيارة؟ ربما.

4 ـ 'بدون موبايل':
ألبّي دعوة حكيم. حكيم يعمل في المركز الثقافي الفرنسي. منذ أشهر طويلة لم يتصل بي. منذ غادَرَت (لوسيان)، وأنا لم أذهب إلى المركز. مؤخراً اتصل بي حكيم. دعاني لمشاهدة فيلم 'بدون موبايل' ومسرحية 'أنتيغونا'. ذهبت لمشاهدة الفيلم ولم أشاهد المسرحية. لأول مرة أشاهد فيلماً في سينما المدينة، فلم يعرض المركز الثقافي الفرنسي الفيلم في قاعة المركز. هل ثمة فائض مالي لدى المركز؟
الحقيقة أنني تردّدت في البداية. هل ألبّي الدعوة أم لا ألبّيها؟ لستُ مع القذافي ولا مع الثوار. لست ضد فرنسا، ولكني لا أستسيغ مواقف (ساركوزي). هل فرنسا وأوروبا حقاً حريصتان على الشعب الليبي؟ ألبّي الدعوة أم لا ألبّيها؟ وسأذهب لمشاهدة الفيلم.
لأول مرة منذ سنوات طويلات أدخل قاعة سينما. ربما كانت آخر مرة شاهدت فيها فيلماً سينمائياً قبل اثنين وعشرين عاماً. في (بامبرغ) في ألمانيا. ولا أدري متى كانت المرة الأخيرة التي شاهدت فيها فيلماً سينمائياً في نابلس.
أتذكرني طفلاً أذهب إلى السينما في الأعياد. أتذكرني مراهقاً يذهب إلى السينما كل يوم خميس، ومن بعيد أغازل الفتاة التي أحببت. أبي فوق الشجرة. ماذا يفعل؟ عبد الحليم يغني ويغني وميرفت أمين تبتسم وطلعنا فوق فوق السحاب، ورأينا القمر.. القمر.
في السينما، وأنا طالب في الجامعة، أخذت أركّز على الأقلام المأخوذة عن روايات: 'اللص والكلاب'، 'الكرنك'، 'قصر الشوق'، 'بين القصرين'، 'في بيتنا رجل'، 'الشحاذ'، 'السمان والخريف'. كان الذهاب إلى السينما شيئاً رائعاً، ومنذ حل التلفاز في بيوتنا انتقدنا عادة الذهاب إلى السينما، وأخذنا نجلس في بيوتنا نشاهد الأفلام، وها هي أكثر من قناة تبثها، وأحياناً نشاهد ما كنا شاهدناه، كأننا نسترجع الماضي.
وأنا أشاهد فيلم سامح زعبي من الناصرة لم أركّز عليه قدر ما ركّزت على قاعة العرض التي أعادتني إلى زمن مضى. لعلّه زمن جميل، لعلّه! أو لعلّنا كنا فيه جميلين دون أن ندري.
 
عادل الأسطة

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع