ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - مأزق البدائل
10/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

الربيع العربي بدأ يعاني من مأزق البدائل، فقد اتضح أن تدمير ما هو قائم أمر سهل، ولكن الأصعب هو ما يأتي بعد، ما هو بالضبط، ما هو البديل؟
الربيع العربي، يتراجع شيئا فشيئا، لمصلحة لاعبين جدد، دخلوا إلى الساحة، ويريدون للثمرة التي أصبحت ناضجة، أو آيلة للسقوط، أو مهيأة للالتهام، أن تقع في سلتهم أو أن تسقط في طبقهم، حيث يتنافس المتنافسون بضراوة ووحشية وانفلات بلا قيود على التهامها بشهية، والمتنافسون كثيرون لا يربط بينهم رابط ولا يجمع بينهم جامع، الإسلام الحركي، السلفيون، السلفيون الجهاديون وعلى رأسهم القاعدة، الأذرع العسكرية والأمنية، القوى الطائفية والعرقية، حيث المنطقة العربية مزرعة كبرى للطوائف والأعراق والفرق الباطنية.... الخ.
لم يعد لاصطلاح شباب الثورة أو الثوار أو أنصار الديمقراطية أو الليبراليون وجود محدد، ففي ليبيا على سبيل المثال كل شيء يدمر ابتداء من المدن والأحياء والمؤسسات وهياكل الجيش والأمن وحتى الطرق الطويلة، والشيء الوحيد الذي تمت حمايته منذ اللحظات الأولى هي حقول النفط والمصافي على شاطئ المتوسط، وهذا يذكرنا بما حدث في العالم العربي في مطلع الخمسينيات حين كانت شركات النفط الأجنبية العملاقة، الأميركية، والبريطانية، والفرنسية، هي صانعة الانقلابات العسكرية، وكانت تلك الانقلابات العسكرية تطلق على نفسها أيضا اسم «الثورات».
هذه الأيام، الوضع أصعب وأعقد وأشمل، لأن القوى الاجتماعية المتصادمة أكثر اتساعا، فهناك الطوائف في حالة اشتباك، وهناك المجموعات العرقية في حالة اشتباك، وهناك القوى المناطقية في حالة اشتباك، وتحت راية الربيع والتغيير والثورة، يتحرك طرف إلى غايته، انطلق الوحش، ولم يعد أحد يعرف، متى يهجع هذا الوحش، ما الذي يرضيه، وما الذي يشبعه حتى يتوقف؟
حتى أولئك الذين أطلقوا الوحش النائم من مرقده، وهم القوى الدولية، أصبحوا خائفين لا يعرفون أين ينتهي ذلك.
كل شيء واضح على امتداد الوطن العربي، في هذا الإعصار المتجول، يسقط كل ما هو آيل للسقوط، هذا واضح جدا، ولكن الشيء غير الواضح، الذي يزداد غموضا، هو القادم، ما هو القادم؟
هل هو الفيدرالية أم الكونفدرالية في ليبيا؟ هل هو التقسيم الثنائي أو الثلاثي أو الخماسي في اليمن ومن قبله في السودان؟ هل هو الحرب الأهلية على قاعدة طائفية في سوريا وخاصة إذا انقسمت القوى المسلحة بكل ما في يدها من سلاح؟
الأسئلة خطيرة جدا على امتداد حركة الإعصار المتجول في أنحاء العالم العربي، والاستنتاجات مقلقة مهما كانت الرواية التي يروجها هذا الطرف أو ذاك، وكلما امتدت المواجهات في الزمن، فإن أطراف الأزمة تصبح عاجزة أكثر عن إدارتها والإمساك بعناصر اللعبة، ربما لو لم يعتبر كل نظام عربي أنه مستثنى مما حصل لغيره، وسارع كل نظام إلى التغيير الحقيقي بمبادرة تأتي منه في أوانها، ربما لو حدث ذلك منذ البداية لأمكن تخطي المرحلة إلى الأمام بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من الانجازات، وربما أمكن أن تظل القوى الليبرالية والديمقراطية هي العنوان السائد لكل ما يجري!!!
ولكن كل نظام عربي تأخر عن رؤية الحقيقة أكثر مما يجب، وتأخر عن الوصول إلى الاستنتاج الجوهري، فبدأت الانهيارات تتواصل، وما كان ممكنا بالأمس لم يعد ممكنا اليوم، والوحش الجائع الذي كانت تكفيه لقيمات قليلة أصبح الآن هائجا لا يقبل بأقل من الذبيحة كلها.
في هذا السياق: نقول لأطراف اللعبة في فلسطين، لا تتأخروا أكثر مما يجب، فإن المصالحة التي تم التوقيع النهائي عليها قبل شهر ونصف الشهر، يلزمها لكي تعيش وتحيا جرعة أكسجين قوية، خطوة أولى ضرورية وحاسمة، وهذه الخطوة الأولى هي تشكيل الحكومة، حكومة المصالحة، حكومة فلسطين الواحدة التي يراها شعبنا بعينيه ويراها العالم وهي تحل بدلا من حكومتين، لكي تصدق أننا تحت عنوان المصالحة وليس تحت عنوان الانقسام.
إنه لشيء مؤسف ومخيب للآمال كثيرا هذا الوقت الذي يحترق بسبب العجز عن اختيار حكومة رئيسا وأعضاء، وخاصة وأننا جميعا إذا صدقنا مع أنفسنا نعرف المواصفات الواجب توافرها في هذه الحكومة رئيسا وأعضاء لكي تكون ناجحة، فلماذا هذا التذاكي غير المفيد؟ ولماذا هذا التعطيل غير المبرر؟ وهل تعتقدون أن الوقت مفتوح بلا نهاية؟ أم تعتقدون أن إحراق الوقت يمر بلا ثمن؟
إذا كان الأمر كذلك، فهذه سذاجة سياسية فاضحة، فنحن فلسطينيا لا نحتمل حكومة يرفض العالم التعامل معها، ولا نحتمل حكومة تولد مشلولة وميتة ولا تجد ما تفعله، ولا نحتمل حكومة لا ترضي من يملكون أموال التعمير، ولا تعرف كيف تجري انتخابات نزيهة ومقنعة، ولا تعرف كيف تضعنا على السكة الصحيحة لصياغة نظامنا السياسي الجديد.
ونحن لدينا خبرة في هذا المجال، حاولنا التحايل على بعضنا في حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق مكة، ولكن حكومتنا آنذاك لم تمر ، وبدل أن نصلح الخطأ الكبير الذي ارتكبناه بأيدينا خلال عملية التحايل، فإننا انقلبنا ضد بعضنا، وجرى ما جرى من دمار خلال الأربع سنوات الماضية.
من يعطل ميلاد الحكومة بتشبثات ضيقة الأفق ولا معنى لها، نعترف له جميعا انه قادر على التعطيل ، وأنه بطل الأبطال، ولكن ماذا بعد التعطيل، وما هو البديل؟
ومن يقوم بإحراق الوقت، وتيئيس الفلسطينيين من المصالحة الحقيقية، نقر له جميعا بقدرته وبراعته في ذلك، ولكننا نسأله بوضوح، ثم ماذا بعد ذلك، وما هو البديل؟
مأزق البديل يلاحق كل اللاعبين، ويصرخ في وجه كل اللاعبين، وخاصة حين نعلم علن اليقين من خلال ما يجري عندنا وحولنا، أن ما هو ممكن اليوم، ومتوفر اليوم، قد يصبح غدا في حكم المستحيل.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع