ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
طبائع الإدمان
10/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : وليد أبو بكر

يروى هذه الأيام، أن شخصاً ما تسلم حقيبة وزارية بعد كثير من الترجّي والوسائط، وأمضى داخل الكرسيّ سنوات قليلة، لكنها كانت كافية أن تجعله غير قادر على أن يصدّق أن لقب صاحب المعالي يمكن أن يسلب منه، لذلك قرّر، منذ قام عن الكرسيّ، ألا يكف عن حلم العودة إليه، وبات يدفع غير المؤهلين وطنياً ولا مهنياً من صبيته، كي يطرحوا أنفسهم في المزاد، من أجل أن يفطن من ينجّدون الكراسي إلى أنه أفضل مما يعرض، مع أن ذكراه، في ذلك الموقع، تفوح منها رائحة لا تطيقها حاسة شمّ.
وفي سبيل التوهم بواقعية الحلم، لم يتردّد صاحب المعالي، سابقاً، في التنكيل ببعض من كانوا مقرّبين منه، (أو من كنّ مقرّبات)، لأنهم كفّوا عن التوجه إليه بالخطاب، باعتباره صاحب المعالي، واكتفى من كلّ علاقاته عبر السنوات، بمن ينفخون في صورته، أو من يستطيع هو أن يرفع عليهم صوته، لشعوره ـ المبهج ـ بأنهم أدنى!
حين يطوف بالذهن مثل هذا الشخص، الذي يدمن الكرسيّ منذ تذوّق نكهته، وكأنه مخدّر قويّ، يمكن توقّع سلوك الزعماء الذين لا يتردّدون في قتل شعوبهم، حينما يشعرون بأنهم مهدّدون بفقدان السلطة، بعد أن انفردوا بها عقوداً خلقت لديهم إحساساً بأنهم ولدوا في الكرسيّ، وأن السلطة حقّ مرصود لهم، إلى آخر العمر، الذي قد لا يتصوّرون أنه يمكن أن ينتهي، حتى وهو ينطبع على أجسادهم نذر موت.
من 'طبائع الاستبداد' أن هؤلاء الزعماء لا يمكنهم أن يفهموا كيف يجرؤ أحد على مطالبتهم بالإخلاء، سواء أكان (هذا الأحد) من الناس الذين يتسيّدون عليهم، أو من ذلك العالم البعيد الغريب، الذي يجهل حجم ما تكنه الشعوب من حبّ قاتل لحكامها، ومدى استعداد كلّ فرد من هذه الشعوب للموت حتى يظلّ هؤلاء الحكام.
في البداية، قد يتظاهر الحاكم، الذي غالباً ما يصل إلى السلطة أساساً بطريقة غير شرعية، بزهده في المنصب، لكنه منذ أن يذوق حلاوته، يبدأ في تكريس كلّ جهده حتى يبقى فيه. هذا التكريس يعني تحكّماً بقوى الحماية، بوضع اليد عليها، وتسليمها لأهل الثقة داخل البيت ومن المقرّبين، مع حرص مطلق على ذبح كلّ من تصدر عنه شبهة رائحة منافسة أو تهديد.
وغالباً ما يجد مثل هؤلاء الحكام مستفيدين من حولهم، يصوّرون لهم أن الحياة لا تكون، إذا لم يكونوا فيها، ومن يكرّر أمامهم هذا الزعم الذي يلذّ لهم سماعه، حتى يصل بهم الأمر إلى تصديقه، والتمسك به كمبرر للبقاء، خشية أن تضيع البلاد، ويضيع معها العباد الذين لا عيش لهم إلا في ظل زعيم خلقه الله وكسر القالب.
الإدمان على السلطة كجزء من نفسية الزعيم، تحدّثت عنه بعض الكتابات الأدبية المهمّة، لكنها اختارت أن يكون جنرالاً في معظم الأوقات، سواء انتهى في متاهته، أو أنه لم يجد من يكاتبه. مع ذلك، فإن هذه الكتابات، بقدر ما نعرف منها، ركزت على طبيعة الدكتاتور في الحاكم، بصفته العسكرية، أكثر مما ركزت على طبيعة الإدمان الذي يصيبه، مثل كلّ إدمان آخر، ما يجعله يفقد التوازن حين يهدد بالفطام عن الحكم، فينهال على شعبه بالقتل، وهو يزعم أنه يدافع عن مصير شعبه.
هذا الإدمان، الذي يصعب علاجه بعد أن يتفشّى، إلا بهزيمة السلطان بكلّ الطرق الممكنة، عالجه العالَم الديمقراطي بالوقاية، التي هي خير من العلاج، لا عن طريق الانتخابات فقط، وإنما بحسم إمكانية البقاء في الكرسيّ، بدورتين لا ثالث لهما، تحتاج كلّ دورة منهما إلى تزكية، في المرّة الثانية كما في المرّة الأولى.
لقد اتفقت معظم دساتير العالم الحديث على هذا الحسم، أياً كانت الخدمات التي يقدّمها الزعيم لوطنه، وهذا ما حفظ للديمقراطيات عدم إدمان السلاطين على الحكم، لأنهم يعرفون، منذ البداية، أين تقف الحدود القصوى لبقائهم فيه.
في دول العالم الذي يكرّس زعامة الفرد بالقوّة، ويحيلها إلى طقوس عبادة، اخترعت للبقاء إمكانيات غير محدودة لتغيير الدستور، بهدف بقاء الزعيم ومن حوله، إلى الحدّ الذي يصبح فيه الدستور، بعد بضع دورات، غير ذلك الذي بدأت به حياة الزعيم الذي يتحول إلى صاحب الحكمة الأوحد، الذي لا يأتيه الباطل، ولا يملأ له فراغ يتركه لو غاب. إنها 'الأوحدية' التي تتكرر في كلّ حبيب للملايين، يفرضه البطش بهذه الملايين.
لو استطاعت الثورات العربية الحديثة أن تكرّس مبدأ تداول السلطة، بحيث لا يسمح للزعيم بأن يغيّر ويمدّد حتى يستمرّ مدى الحياة، وحوّلت ذلك إلى عرف لا يجرؤ أحد على تخطيه، لكان في ذلك أفضل ما يمكن أن تفعله لهذه الأمة المصابة قبل كلّ شيء بما يملكه زعماؤها من عظمة تضيق بها الصفات التي تملكها اللغة.
 
وليد ابو بكر

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع