ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
النظام السوري إلى أين؟
09/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : محمد ياغي

ليس من حق نظام سياسي جمهوري أن يقوم بعملية احتكار للسلطة؛ لأن الأساس في 'الجمهورية' أن يقوم الناس باختيار رئيسهم كل عدة سنوات في أجواء من التنافس النزيه. والأصل في جميع الأنظمة الرئاسية الديمقراطية ألا يرشح نفسه للانتخابات من فاز فيها مرتين. سورية، كغيرها من الأنظمة الرئاسية العربية، لا تحمل من النظام الجمهوري غير الاسم، والدستور فيها تم تغييره في ساعة واحدة بعد موت الرئيس حافظ الأسد العام 2000 ليتوافق مع عمر نجله الدكتور بشار. لم يكن يحق لمن كان عمره أقل من أربعين عاماً أن يكون رئيساً لسورية. بعد التعديل أصبح العمر أربعة وثلاثين عاماً (وهو عمر بشار حين تم التعديل). ليس خمسة وثلاثين ولا ثلاثين، وإنما أربعة وثلاثون. سورية تحكمها عائلة الأسد منذ أكثر من أربعة عقود، منذ انقلاب الأسد الأب على الدكتور الأتاسي العام 1970. بتاريخ كهذا - ديمومة وتوريث - هل يمكن الحديث عن نظام جمهوري في سورية؟.
الممالك لها مجالس عائلة، وقيادات الأمن في العادة توزع على الأبناء والأقارب، وفي هذا لا تختلف سورية عن أي مملكة عربية. لكن حتى الممالك تختلف عن بعضها. في السعودية مثلاً 'مجلس العائلة' يقرر من سيكون الملك الجديد من العائلة ولا يوجد توريث للأبناء مثلما هو الحال في المغرب والأردن. ما يميز 'الملكية' العائلية في سورية، أو نظام دولة العائلة والأصدقاء الخاص بسورية، هو ارتكازه إلى ثلاثة أعمدة. 'الحزب' وهو لا يشكل مصدر 'لتجميع' التأييد للنظام فقط، ولكنه الجهاز الذي يجري من خلاله صعود السلم الاجتماعي في سورية. فإن لم تكن 'بعثياً' فلا يحق لك أن تكون مديراً عاماً أو وكيل وزارة أو وزيراً، أو حتى مدير مستوصف طبي صغير. الحزب لذلك هو العنوان للتعيينات المدنية والسياسية، وهو يمارس مهمة أخرى أيضاً هي 'القمع'، بمعنى ممارسة اضطهاد اجتماعي وفكري ضد أية مجموعات سياسية قد تختلف مع النظام. علاوة على الحزب، يرتكز النظام إلى أجهزة أمنية وإلى جيش عقيدته الأساسية حماية النظام وليس سورية. في مصر الجيش كان ولا يزال يرى في نفسه 'جيش الدولة' وليس 'جيش النظام'، وفي مصر كما في تونس، اعتمد النظامان على قوات الأمن في محاولاتهما قمع الحركة الشعبية، وعندما قررا استدعاء الجيش لمساعدة أجهزة أمن النظامين، رفض الجيشان القيام بمهمة لا تتعلق بجوهر عملهما وهو حماية الدولة (مؤسسات وأرضاً وشعباً). في سورية 'الجيش' هو جزء من مؤسسة النظام الأمنية- على الأقل أصحاب الرتب العليا في الجيش هم جزء من النظام الحاكم، من دائرة العائلة وأصدقائها. ولهذا توجد أسباب تاريخية أهمها أن الجيش كان مصدراً للانقلابات الدموية، هو من جاء بحزب البعث بانقلاب عسكري، وهو من جاء بحافظ الأسد بانقلاب على الانقلاب، ولهذا كان الجيش عنواناً لعملية تغيير وإعادة تشكيل مستمرة لضمان عدم انقلابه على نظام الأسد. الركيزة الأخيرة للنظام هي الطائفة والتي تشعر - مثلما كان الحال عليه في العراق - بأن 'امتيازاتها' السياسية والاجتماعية والاقتصادية ستكون مهدده في حال رحيل النظام.
هذا الثلاثي: الحزب والأمن (بما فيه الجيش) والطائفة، موحد بلغة المصالح، ووحدته تعطي النظام السوري عناصر قوة لقمع الحركة الشعبية لم تكن متوافرة للنظامين التونسي والمصري. بالتأكيد أن الموقف السياسي 'الوطني' للنظام السوري من المقاومة في لبنان تحديداً، قد جعل العديد من المثقفين في العالم العربي يتعامل بحذر مع حركة الشعب السوري خشية من أن تخسر 'المقاومة اللبنانية' أحد أهم دعائمها. وهذا موقف خاطئ لأن علينا أيضاً أن نثق بأن الشعب السوري الحر لن يتخلى عن دعم المقاومة اللبنانية لأنها جزء من منظومة أمنه الإستراتيجي، وسيقاتل أيضاً بنفسه لاستعادة أرضه التي مضى على احتلالها أكثر من أربعة عقود.
أمام هذا 'الثلاثي' تصبح 'تكلفة' انتصار الحركة الشعبية في سورية مرتفعة ومرتفعة جداً، وقد يسقط عشرات الآلاف من الضحايا قبل أن يتمكن الشعب السوري من انتزاع حريته، وقد لا يتمكن حتى من انتزاعها ما لم تتوافر عناصر محددة تساعده على الانتصار مثل انقسام في الجيش، ووحدة وطنية عالية بين طوائف المجتمع السوري تفوّت الفرصة على النظام الذي يصعد الآن باتجاه حرب أهلية.
من الواضح أن خطة النظام السوري في الاستمرار في الحكم ترتكز إلى تكرار تجربة جبهة التحرير الجزائرية عندما أجهضت جبهة التحرير انتخابات شرعية نزيهة فازت بها جبهة الإنقاذ الجزائرية الإسلامية وافتعلت حرباً أهليةً استمرت عشر سنوات راح ضحيتها أكثر من مائة ألف جزائري. الخطة تبدأ بارتكاب مجازر ضد عناصر ووحدات من الجيش بهدف توريطه أكثر في الصراع، ومجازر مشابهة في أوساط المدنيين خصوصاً في القرى النائية، ثم حرب مفتوحة على 'المعارضة'. خطأ جبهة الإنقاذ كان في انجرارها أو بشكل أدق، في انجرار العناصر الأكثر تشدداً فيها للحرب التي أعلنها حزب جبهة التحرير وهذا ساعد على وحدة الجيش الجزائري.
ما نخشاه في سورية هو أن تنجر الحركة الشعبية إلى الحرب الأهلية التي يريدها النظام. إذا حدث ذلك لا قدر الله، فإن 'الخراب' هو مصير سورية وليس 'الحرية'. النظام في سورية، يريد جر البلاد إلى حرب أهليه لأسباب تتعلق أساساً برغبته باستخدام كل عناصر القوة لديه لإجهاض الحركة الشعبية وتحويلها إلى حرب مع 'عصابات مسلحة'. عندما يشعر الجيش بأنه مستهدف، وعندما تشعر الطائفة بأنها مضطرة للدفاع عن نفسها، فإن كليهما سيتوحد بقوة أكبر خلف النظام، وقوة النظام كمحصلة ستتضاعف. نحن لا نستطيع أن نؤكد أو ننفي أن النظام السوري هو من يقف خلف مجزرة 'جسر الشغور'، فسورية مغلقة أمام الإعلام الخارجي. لكن 'المجزرة' تعطينا الانطباع بأن النظام يأخذ سورية في طريقه لجر البلاد إلى حرب أهلية.
إن ما يخيفنا هو أن الدرجة غير المسبوقة من القمع التي انتهجها النظام حتى الآن – وتفوق فيها على عقيدي ليبيا واليمن - قد تدفع عناصر من الحركة الشعبية إلى الرد بعنف على العنف وهو ما يجعل من الحرب الأهلية مسألة وقت. المطلوب من القوى الشعبية السورية أن تبقي على احتجاجاتها في إطار شعبي - سلمي، وألا تنجر لمخطط النظام الدموي، ومطلوب منها إنشاء قيادة موحدة تقوم بعزل العناصر التي ترغب بممارسة العنف المضاد، وباستلهام التجربة المصرية تحديداً عبر مخاطبة الجيش على أنه جيش الشعب وجيش 'البلد' وإرسال رسائل واضحة تؤكد وحدة شعب سورية بجميع طوائفه في المعركة من أجل الكرامة الإنسانية والحرية السياسية. ربما يساعد ذلك على تفسيخ التحالف الحزبي الأمني الطائفي الذي يتربع النظام على رأسه.
هنالك من يراهن على تدخل خارجي لإسقاط النظام في سورية. لكن على السوريين أن يدركوا أن التدخل الخارجي سيؤدي إلى تدمير بلدهم وإلى إعادتهم إلى عصور من التخلف والحروب الأهلية مثلما هو حال 'العراق'. ثم إن تجربة التدخل الخارجي في ليبيا لا تبشر بخير. بعد أكثر من شهرين على تدخل (الناتو) في ليبيا لا تزال كتائب القذافي قادرةً على مهاجمة 'مصراتة'!! لماذا تمكن (الناتو) من إلحاق الهزيمة بصربيا في ثلاثة أسابيع العام 1998 ولا يستطيع حسم المعركة في ليبيا الصحراء بعد أكثر من شهرين على تدخله المباشر؟ هل المطلوب تدمير ليبيا كلياً حتى تتم إعادة بنائه بعائدات نفطه وبعقود مع شركات فرنسية وإيطالية؟ لذلك على الشعب السوري أن يتمسك برفض التدخل الخارجي في شؤونه وأن يبقي على سلمية حركته لأنها الطريق الوحيد لحريته واستمرار وحدة وقوة سورية.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع