ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
للشِّعر أنتَ تعود مرتبكاً!
09/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : فاروق وادي

عندما أنهى سعدي يوسف عقده السّابع، وعبَرَ حقبة العُمر الثامنة بروح الشِّعر المتوثِّبة، احتفى محمود درويش بصديقه الشّاعر بنصّ قصير بالغ الثراء، قد لا نبالغ عندما نقول إنه شكّل وساماً على صدر الشّاعر العراقي الكبير، من شاعر لا جدال حول قيمته الاستثنائيّة في المشهد الشعري العربي والكوني.
قيمة النصّ المنشور (خريف 2004)، لا تتأتى من أن درويش كان في الأصل ضنيناً بمنح مثل تلك الشهادة لأيّ من الشعراء العرب الآخرين، ولا من أنه جاء من شخص ظلّ وفياً وصادقاً في ما يكتب، من غير مجاملة أو ترديد كلام مجّانيّ، ولكن من قوّة الخطاب وفرادة ما جاء فيه.
فالشّاعر الفلسطيني الكبير لم يكتف بوصف قصيدة سعدي يوسف بالشفافيّة، والصفاء الذي يمكِّنها من التغلغل في الذائقة الجماليّة للقارئ، وقدرتها على المزج بين الغنائيّة والسّرديّة. وإنما تعدى ذلك للقول إن سعدي كان واحداً من الشعراء الذين درّبوه، بشعرهم، على البحث عن الشعريّ في ما لا يبدو شعريّاً. ثم تجاوز ذلك إلى اعتراف أكثر مدعاة للانتباه، يندر أن يمنحه شاعر عربيّ لشاعر عربيّ آخر. وحتّى أكون أكثر وضوحاً، أقتبس بالتنصيص الفقرة الاعترافيّة التي كتبها محمود درويش في ذلك النّص: 'وكم سُئلت عن فترات بَيَاتٍ شعري مررت بها، وكنت أَقول دائماً: ما دام سعدي يوسف يكتب، فإنني أَشعر بأنه يكتب نيابة عنِّي'!
مثل هذا الاعتراف الواضح في جرأته وشجاعته الأدبيّة، يحدونا إلى طرح سؤال افتراضيّ، وهو أنه: لو كان محمود درويش حيّاً في هذه اللحظة العربيّة التاريخيّة المتحوِّلة، وأصابته حالة من حالات الانحباس الإبداعي التي تحدّث عنها. فهل كان يمكن له أن يرى قصيدة سعدي يوسف 'أيّ ربيع عربي'، التي نشرها مؤخراً على وقع الثورات العربيّة المتأججة، قصيدة درويشيّة بامتياز. بمعنى آخر نسأل: هل كان من الممكن لمحمود درويش أن يعيد التأكيد على ما قال، إن سعدي كتب هذه القصيدة بالإنابة عنه؟!
***
لا أحد يملك إجابة قاطعة، رغم أننا نستطيع الإفصاح عن شكِّنا السلبيّ في الأمر. فبعد سبعٍ عجاف من شهادة درويش تلك، وثلاث سنوات من الرحيل المأساوي للشاعر الفلسطيني، وحيث أوغل سعدي في العُمر والحكمة المفترضة والنضج الشعري المتوقّع، نستطيع أن نقول، إن قصيدته جاءت مخيِّبة لآمال الشِّعر، وأحلام الثورة، وسياق الرؤية السياسيّة المتوقعة من شيوعيّ أخير، يغذّ خطاه نحو الجنّة!
'الدجاجُ وحده سيقول: ربيعٌ عربيّ
هل خلت الساحة من طفل
أعني هل خلت الساحةُ من شخصٍ يقول الحق صُراحاً
أي ربيع هذا؟'.
ليس غياب الرؤية السياسيّة، أو سقوطها في مستنقع آسن، فحسب، هو ما يميِّز مثل هذا الكلام الذي لا يحتاج إلى مجرّد أوزان أو قواف لينتمي إلى الشِّعر، وليس الاستخفاف بالفعل الجماهيري الذي ظلّ الكاتب يتبناه ويدعمه ويروِّج له طوال سنوات عمرٍ أضاعه في النضال، والذي لم يجد سوى أن يشبهه بفعل الدجاح المنقاد الذي يحفر بقدميه ويعفر على رأسه، والذي يفتقد فيه الشّاعر إلى وعي طفلٍ راءٍ وسؤاله الاستنكاريّ الغريب الذي حمله عنوان ما كتب. نقول: ليس هبوط الرؤية السياسيّة وحدها هو ما ميّز هذا الكلام، ولكنه ابتذال الشِّعر وانعدامه، في نصّ متهاوٍ سياسياً يدّعي الشعر.
لنرى المزيد من الهبوط السياسي الذي يصوغه بؤس فنيّ فادح، والشّاعر يقرِّر من خلال ما يقترحه علينا تحت مسمّى الشِّعر:
'نعرف تماماً أن أمراً صدرَ من دائرة أميركيّة معيّنةٍ'
فأميركا، كليّة القدرة، وصاحبة القرار في تسيير الشعوب للوصول إلى ما نعتقده وهماً، ولسذاجتنا، بأنه إرادة الشعوب، هي التي تُفبرك ثوراتنا وتتصدّق فيها علينا، نحن البؤساء الذين لا تليق بنا الحداثة ولا تجوز. فكيف لفقراء مصر وتونس، غير القادرين على شراء خبزهم المغشوش، ويعيشون على الشّاي والأعشاب، أن يصنعوا ثورة مستخدمين فيها أساليب الحداثة (الإنترنت والفيسبوك). يتساءل الشّاعر بشعرٍ لا يشبه الشِّعر؟! فلا يجد إجابة سوى أنها أميركا، فهي محرِّكة التاريخ ومُفجِّرة الثورات. لنتابع:
'عيبٌ والله!
أحسنتْ مصرُ صُنعاً، رئيساً (أعني حسني مبارك) وشعباً
وأحسنتْ تونسُ صنعاً:
سمِعْنا وأطعْنا
لقد قرأتْ مصر الرسالةَ.
أمّا طرابلس الغرب فإنها تتلقّى الحقيقة بالقنابل:
معنى الربيع العربي'.
نعم. 'عيب والله'، أن يُقدِّم لنا سعدي يوسف هذا الهراء من الكلام الذي يُلقى على عواهنه، ويفيض تشكُّكاً في الشعوب وقدراتها على صناعة التغيير، للانتهاء إلى أن ما حدث من ثورات، هو من صناعة أجهزة أميركيّة 'معيّنة'، يجرى الترويج لها بأدوات شعريّة وأيدولوجيّة بائسة!
***
قبل سنوات بعيدة (أوائل الثمانينيات المنقضية)، أقيمت في حيّ الفاكهاني ببيروت أمسية شعريّة لسعدي يوسف، قرأ فيها قصيدة استعرت منها مقطعاً لكتابي 'طريق إلى البحر'، يقول فيه:
'للبحر أنت تعود مرتبكاً
والعمر تنشره وتطويه
لو كنت تعرف كلّ ما فيه
لمشيت فوق مياهه ملكاً'
في تلك الأمسية، تحدّث أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، مشيراً إلى أن الحزب قد أتاح لأعضائه من المبدعين، من أمثال سعدي، فرصة الذهاب في التجريب الفني إلى حدوده القصوى. غير أن ذلك الرفيق، شاء أن يذهب، في العصر الأميركي الذي هيمن على العراق، إلى أقصى حدود التجريب السياسي مع قوى العدوان الأميركي، ليرتمي في أحضانها دون تردُّد. وهي تجربة نخشى أن يستعيدها الشّاعر الآن ويكرِّرها، بشكلٍ أو بآخر!
سعدي يوسف ربما يكون هو الذي علمنا حقيقة أنه لا يمكن للمرء أن يكون رجعياً في السياسة وتقدمياً في الفن، ولا أن يكون تقدمياً في السياسة ورجعياً في الفن. وسواء قالها سعدي أو شيوعي آخر.. وأخير، فقد أثبت من خلال ما كتبه مؤخراً، كشعرٍ مفترض وسياسة بالغة الرداءة، أنه قد عاد إلى الشِّعر مرتبكاً، متلعثماً، مهزوزاً، فأخفق في الشِّعر.. وسقط في السياسةّ!.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع