ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
لعبة خلط الأوراق في المنطقة
08/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. عبد المجيد سويلم

قد لا يكون أيلول القادم بهذه الأهمية لو أن إسرائيل كانت دولة عقلانية، ولو أن الولايات المتحدة كانت على درجة (مجرّد على درجة معيّنة) من الحيادية والنزاهة، في نظرتها لمصالحها أولاً، ولمصالح كامل الإقليم، بل والعالم ثانياً. ولو كانت أوروبا على درجة (مجرّد على درجة معيّنة من الاستقلالية عن الولايات المتحدة) ولو كان لها (لأوروبا) القدرة على التصرّف الخاص النابع من مصالحها الحيوية، ومن درجة تأثّرها المباشر من عدم استقرار هذا الإقليم والخطر الذي يمثله هذا الإقليم على استقرارها، إذا ما دبّت به الفوضى أو التغيير المنظم.
أما وأن الأمور غير ذلك، بل وبخلاف ذلك تماماً، فإن أيلول القادم يمكن أن يكون له أهمية أكبر مما هو ظاهر للعيان، ويمكن له أن يؤدي إلى أحداث قد تُغيِّر من وجه هذه المنطقة، ومن خرائطها السياسية، وربما الجغرافية أيضاً.
أن يتم قبول فلسطين عضواً كاملاً في الأمم المتحدة، فهذه ليست نهاية العالم ولا نهاية إسرائيل، وهي ليست خسارة بأيّ معنى للولايات المتحدة، وهي ربحٌ صافٍ لأوروبا من كل الزوايا وفي مطلق الأحوال.
وأن يعترف العالم بدولة فلسطين على حدود العام 1967 وعضواً كاملاً في الأمم المتحدة، فهذا هو منطق الأمور وهو الشيء الأكثر منطقية وعقلانية للولوج إلى حلٍّ تاريخي لهذا الصراع الذي يهدد بقاؤه أصحاب منطق البلطجة وأصحاب منطق الحق، على حدّ سواء. والعالم سيكون أكثر توازناً بوجود فلسطين، واقل اهتزازاً وتوتراً واضطراباً بها، وليس دونها.
ومع ذلك، وعلى الرغم من وضوح ذلك، إلا أنّ لغة المصالح الضيّقة تفوز في عصرنا على لغة المصالح البعيدة، ولغة القوّة تحيّدُ لغة الحق، ولغة البلطجة تطغى على لغة المنطق والعقلانية.
أما المبادئ والقيم والأخلاقيات الإنسانية، فإنها مازالت، مع الأسف، مجرّد شعارات، وهي ليست أكثر من غطاء لإخفاء حقيقة تلك المصالح الضيّقة، وما زال هذا العالم محكوماً بنظرة القوة والغطرسة والاستعلاء الموروثة من العهود الاستعمارية، وما زالت شعوب هذه المنطقة ضحية لهذه الموروثات البائسة.
ولن يتغيّر هذا المنطق إلاّ بقدر ما يتغيّر منطق الشعوب نفسها مع هذا الواقع، وإلا بقدر ما تفرض هذه الشعوب نفسها (وليس غيرها) حقائق العصر الجديد الذي له منطقه العقلاني الخاص.
ولحسن حظ فلسطين، ولسوء حظ إسرائيل، فإن الربيع العربي أخذ يشقّ طريقه نحو هذا الهدف، ولم يعد بالإمكان وقف هذا الزحف ولم يتبق له غير عامل التجذر وعوامل التمكين، لكي يتحول إلى عملية تغيير شاملة ستقلب الموازين وتفرض المعادلات التي تستجيب للمنطق الجديد.
لم يتبقَ لإسرائيل عقود طويلة للمناورة، بل ويمكن القول إن السنوات القليلة لم تعد كافية لها للمراهنة على تغيّر المنطقة وخضوعها لمنطق البلطجة التي مارستها على مدار العقود الماضية.
ولم يتبق للنظام العربي (الذي خضع لمنطق البلطجة) عقود طويلة، ولا حتى سنوات قليلة، ليناور بدوره الذي مكّن إسرائيل من فرض 'منطقها' القائم على عنصر التفوق العسكري والقوة والهيمنة.
ولم يتبق للولايات المتحدة وقت كافٍ للاستمرار في هذه المهزلة التي مارستها حتى الآن من التغطية على سياسة العدوان والتوسع، وأحياناً السياسة العنصرية لدولة إسرائيل (الديمقراطية)، وكذلك الأمر بالنسبة لأوروبا التي عجزت طوال السنوات الماضية، عن أن تشقّ لنفسها طريقاً ينبع من مصالحها الحيويّة.
من سوء حظ كل هؤلاء، فإن الأمور في طريقها إلى الدخول إلى مرحلة تاريخية جديدة، لكن التسليم المسبق بحقائق هذه المرحلة القادمة يبدو أنه أمر صعب، ويبدو أن الأصعب هو التكيّف مع معادلاتها الجديدة.
الربيع العربي بقوة زخمه وبقوة الحقائق الديمقراطية التي سيفرضها، وبقوة النظام السياسي المتوازن الذي سيبنيه، وبقوة الدولة السيادية التي ستتمخض عنه، وبقوة نتائج النهوض التنموي الذي سيحققه الربيع العربي هو الذي سيجبر أصحاب سوء الحظ هؤلاء على الرضوخ لمنطق العقل ومنطق العدالة والتوازن.
المرحلة الفاصلة بين يومنا هذا وأيلول القادم، هي مرحلة حساسة، قد يتم خلالها اللجوء إلى لعبة خلط الأوراق.
منطق الأحداث يقول إن المعادلة الإقليمية قد اهتزت بسقوط نظام حسني مبارك في الزاوية الاستراتيجية العامة، وذلك بالنظر إلى الثقل المصري في معادلة الإقليم، وبالنظر إلى انعكاس ذلك حتماً على المدى المتوسط والبعيد على شعوب المنطقة.
أما التأثير المباشر لهذا التغير في مصر، فمازال محدوداً، وهو برسم التغير الذي سيطرأ في عدّة بلدان مفصلية في هذه المنطقة.
الدولة المفصلية الأولى هي حتماً سورية.. والتغير في سورية سيعني خللاً مباشراً في حالة التوازن القائمة في الإقليم، مع إدراكنا لأهمية العلاقة السورية الإيرانية، والسورية التركية، والسورية الفلسطينية، والسورية اللبنانية، والسورية العراقية، والسورية الخليجية، فإننا نستطيع أن نلمس مدى التغير الذي سيحدث في حالة سقوط النظام السوري.
إيران هي الخاسر الأكبر من سقوط النظام السوري، والدور الإيراني هو الدور الذي ستتم محاصرته، وربما تصفيته (الدور الإقليمي لإيران) حتى ولو لم يتم إسقاط النظام السوري، وتم مجرد إخضاعه لشروط سياسية جديدة، مع المحافظة عليه فيزيائياً.
لهذا بالذات، فإن إيران ربما تكون معنية بحرب قادمة قريبة قد يبادر إليها حزب الله، وقد تكون إسرائيل معنية بحرب من هذا النوع لخلط الأوراق ومحاولة وضع حدٍ لامتداد مفاعيل الربيع العربي إليها بصورة مباشرة. والنظام السوري قد يكون الأحوج إلى حربٍ كهذه لإيقاف زحف الشعب السوري لإسقاط النظام.
للمرة الأولى، تلتقي المصالح الإيرانية السورية والإسرائيلية عند نقطة خلط الأوراق والحاجة إلى تغيير مسار الربيع العربي ووقف تداعياته.
أهمية أيلول يمكن أن تكون هنا بالذات. فبالإضافة إلى أهمية أيلول السياسية بالنسبة لفلسطين، فإن اللاعبين في حرب خلط الأوراق القادمة يمكن أن يعتبروه (أيلول) نقطة المفصل في هذه الحرب.
إذا شبّ في فلسطين ربيع جديد، سلمي وديمقراطي، وتلاقى مع الربيع العربي السلمي والديمقراطي، فإن معركة إنهاء الاحتلال تتحول إلى معركة عربية شاملة، وهنا لا مناص أمام إسرائيل من اللجوء إلى الحرب أو التسليم بالحل المتوازن. وإذا ما أصبح سقوط النظام السوري وشيكاً، فلا مناص لإيران من الحرب. والحرب بهذا المعنى هي الشيء الوحيد المتبقي لأطراف كامل هذه المعادلة، لأن إيران ليست مرشحة لأي موقف عقلاني ومتوازن.
الولايات المتحدة تمتلك مفاتيح منع الحرب، ولكنها لا تمتلك إرادة العدالة وإرادة التوازن المطلوب، وأوروبا أضعف من أن تلعب الدور المستقل، ولهذا فإن الحرب تصبح مرجحة بامتياز.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع