ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
خطوط الهدنة.. وحدود الحرب!!
07/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني حبيب

لعلّ ملف الحدود بين الدولتين، فلسطين وإسرائيل، هو أعقد ملفات التسوية السياسية التفاوضية على الإطلاق، إذ إن هذا الملف يشتمل على تقاطعات مع الملفات الأساسية الأخرى المرحّلة من اتفاقيات أوسلو، خاصة ملفات الاستيطان والقدس والمياه، فترسيم الحدود بين الدولتين لا يمكن أن يتم إلاّ بإيجاد تفاهمات واتفاقيات حول هذه الملفات المعقدة، لذلك كانت معظم المبادرات الخاصة بإطلاق العملية السياسية، تأخذ بالاعتبار أولوية هذا الملف، وبعضها منحته أولوية قصوى. وفي ظل حكومة أولمرت، أُحرِز تقدم مهم على هذا الملف، عندما تم الاتفاق، ولو بشكل مبدئي، على أن الحدود هي حدود الرابع من حزيران 1967، مع تعديلات محدودة تشمل تبادل أراض متساوية في الحجم والقيمة، هذه التعديلات أخذت بالأساس عناصر السكان والاستيطان، من دون أن تلحظ على شكل واضح 'الجانب الأمني'، الذي بات هو العنصر الغالب في تبرير حكومة نتنياهو للموقف من قضية الحدود، وذلك من خلال الإشارة على الدوام، بأن إسرائيل تهدف إلى التوصل لتوافقات حول هذا الملف، تضمن لها 'حدوداً قابلة للدفاع'!!
وقد أثير هذا الشعار في كل مرة يتم فيها تداول إطلاق العملية التفاوضية من قبل حكومة نتنياهو، في محاولة لإكساب الطابع الأمني مبالغة كافية لتعقيد الجهود الرامية إلى إطلاق المفاوضات، ولإشعار الرأي العام، في إسرائيل وخارجها، بأن إسرائيل في موقف دفاعي صعب، على ضوء التهديدات العربية المجاورة، باعتبار أن إسرائيل تعيش في وضع مهدد على الدوام من قبل محيطها العربي، الذي يهدف إلى ابتلاعها، الأمر الذي يفرض على حكومتها إجراء تعديلات جوهرية واسعة النطاق لضمان أمن إسرائيل، وعند نقاش قرار مجلس الأمن 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها العام 1967، تكرر الحديث عن 'ال التعريف' التي باتت معروفة لكل متابع، غير أنها زادت على ذلك، أن حدود 1967، لم تكن حدوداً معترفاً بها، لا من قبل إسرائيل، ولا من قبل الدول العربية المجاورة، هي 'خطوط وقف إطلاق النار' إثر حرب 1948، والاتفاقيات التي تمت عبر المنظمة الدولية لم تمنحها صفة الحدود الدائمة والثابتة المعترف بها، الأمر الذي يسمح لإسرائيل (!) بأن تجري عليها التعديلات اللازمة لضمان أمنها، 'فخط الهدنة' هو خط تمليه ظروف الحرب. أما الحدود، فيمليها ظرف السلام المتبادل، الذي لم ينجز بعد.
إسرائيل هنا تتجاهل حقائق عديدة، أهمها أن حال خطوط الهدنة لا تسمح لها، وحدها، بتعديلها، إن هناك طرفاً آخر هو الجانب العربي ودوله المجاورة لحدود فلسطين التاريخية، هذه الدول هي التي كانت طوال أكثر من 63 عاماً عرضة للاعتداءات الإسرائيلية، وهي الأولى، في هذه الحال، لإجراء تعديلات على خطوط الهدنة لضمان أمنها في مواجهة حروب إسرائيل المتكررة واعتداءاتها المتكررة على أراضيها وشعوبها. أما الحقيقة الثانية، فهي أن حدود 1967، هي الحدود التي سمحت لإسرائيل شن أنجح حروبها على جيرانها، خاصة مصر وسورية، حيث لم تكتف بعد ستة أيام، إلا باحتلال سيناء وهضبة الجولان، انطلاقاً من تلك الحدود التي تقول إسرائيل عنها اليوم، إنها غير مؤهلة للدفاع عنها. أما الحقيقة الثالثة، فهي أن تعديلات إسرائيلية ومن جانب واحد، وهو ما يحدث الآن على مسمع ومشهد من العالم كله، هي التي ستشعل الحروب، فهي لن تؤمن السلام ولكنها ستكون شرارة الحرب القادمة.
إلاّ أن الحقيقة الأهم، أنه ليس هناك حدود، على الإطلاق، تكفل وتضمن الأمن لمن هم داخلها، إذ بات من الممكن جداً تهديد أية دولة عبر حدودها بوسائل مختلفة، شهدت إسرائيل بعضاً منها إبان فترة العمليات التفجيرية التي قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية داخل المدن الإسرائيلية، وفي العمق من الدولة العبرية، كما أن التهديد الصاروخي، حتى في ظل بدائيته، يشكّل تهديداً عابراً للحدود، وحتى من دون ذلك كله، فإن الحراك الشعبي الفلسطيني والعربي، والذي شاهدنا ترجمانه العملي في ذكرى النكبة والنكسة، ودون سلاح أو معدات عسكرية، بات الأكثر تهديداً من بين وسائل أخرى تقليدية.
إذاً، ليست هناك حدود يمكن أن تكون قابلة للدفاع عنها، أو على الأصح، فإن الحدود التي تكفل ذلك، هي حدود السلام، حدود تم التفاهم حولها، ترضي الأطراف الموقعة عليها دون ضغط أو إكراه أو الشعور بالخسارة والهزيمة، إذ من شأن ذلك أن يحول السلام المزيف إلى حروب مؤجلة وترجمة حقيقية لعدوان دائم ودفاع مستمر، من جيل إلى أجيال.
والحديث هنا لا يدور عن 'كل' حدود إسرائيل، بل عن الضفة الغربية والقدس تحديداً، ذلك أن لا حديثَ عن تعديلات في حدود الدولة العبرية الشمالية، خاصة مع لبنان، ومع أن المفاوضات التي دشنتها تركيا بين إسرائيل وسورية، لم تلحظ إلاّ تعديلات طفيفة طلبتها إسرائيل على حدودها مع سورية، غير أن ما تطالب به حكومة نتنياهو في الضفة الغربية هي تعديلات جوهرية واسعة النطاق، جغرافياً وسكانياً ومائياً مع احتلال نهائي لكامل مدينة القدس، في استشعار نظري على أن التهديد لا يأتي من الشمال، بل من وسط فلسطين، أو كأنما تراهن على أن نظام الأسد سيظل على الدوام حامياً لحدودها الشمالية، من لبنان وسورية وكأنما حدود قطاع غزة ستظل تحتكم إلى 'التهدئة'!!
إن زراعة أعداد متزايدة من المستوطنات على الأرض الفلسطينية العام 1967، هي أفضل رد على مقولة الحدود الأمنية، إذ لا أحد بإمكانه أن يتصور مصير هذه المستوطنات ومستوطنيها إذا ما اشتعلت الحرب، إذ إن هذه المستوطنات المزدحمة بالبشر هي على تخوم هذه الحدود المعرضة لخطر أكبر في حال نشوب حرب، الأمر الذي يكفي لنفي تبرير الحدود الآمنة التي تحاول حكومة نتنياهو تسويقها، ومن الواضح ودون أدنى شك، أن الأمر يتجاوز التبرير الأمني إلى التوسع الاستيطاني وبناء امبراطورية إسرائيلية تهدد كل مَن حولها، الذين كانوا وما زالوا، في حالة دفاع، مع أنهم أصحاب الحق في شن الحرب على المعتدي الذي سلب الأوطان والأرض!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع