ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أكبرُ من الزعيم
07/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : توفيق وصفي

لو كنتُ زعيمَ الأمة الأوحد، الذي تهفو إليه القلوب وتصدح باسمه الحناجر وتُفدى بإشارة منه الأرواح، لألقيت خطاباً عشية الذكرى الرابعة والأربعين لهزيمة الخامس من حزيران 1967 التي مُنيت بها أمة العرب، وخُفّفَت ومُوّهت بوصفها 'نكسة'، وربما بالعامية المصرية 'وكسة'، لأعرض أمامهم رؤيتي لاتقاء نكسة أخرى، دون إثارة مللهم بالعودة إلى أسباب ونتائج السابقة، ولا باستدرار دموعهم على الضحايا وسائر الخاسرين، متفادياً حدّ الإلغاء الضربَ على الطاولة والحماسة والوعود.
سأُحذّر بني قومي على اختلاف مِللِهم من الإغراق في الماضي، دون أن ينسوه، بعنوانٍ استهلالي قصير 'كي لا تُنكَسوا'، لأنّ كلّ مَن تسببوا في إبقائنا في الدرك الأسفل من الهرم الكوني تسلّحوا على الدوام بالماضي التليد والنزوع إلى الثأر والثوابت القدرية والإثنية لتنويمنا مغناطيسياً، كي لا تتخيّل عقولُنا المستقبلَ إلا كتأكيد للماضي، وبأنهم خير خلف لخير سلف، تأبى الإقرار بأن القرون الأربعة الأخيرة شهدت نشوء أمم جديدة صارت إحداها سيدة الأمم كافة!
لن أتحدّث في قضايا الأمة المُزمِنة والناشئة، بالرغم من الزعم بأنها جامعةٌ لكل أعراق وملل وتاريخ العرب، فذاك مضيعة لمساحة الوقت المتاح لزعيم يخاطب أمته، كلُّ فرد فيها معني بصورة شخصية بفحوى الخطاب، مترقباً ما قد يشير إليه فيهتف 'الزعيم جاب سيرتي'، الرجال والنساء، الصغار والكبار، الفقراء والأغنياء، المتمتعون بجنسيات وجوازات سفر وغير المتمتعين.. ولن أُراعي 'خاطر' هذا الرئيس أو الحزب أو المسؤول، سأهتم بمخاطبة كل فرد من هؤلاء الذين انتخبوني زعيما، 'من أخ لأخوه'، ليس لإعلان قرارات جديدة ولا للإفصاح عن معاناة الزعيم في الزعامة، بل لإشراكهم في إدارة عملي وإنجاز مهمتي كموظف يعمل زعيماً، فما أنا إلا بشر مثلهم.
سأرجوهم أن يحنّوا على أبنائهم وبناتهم، وألا يمنّوا عليهم بعناء الحمل تسعة أشهر والتنشئة وتوفير المأوى والمأكل، ولا بالكومبيوتر والهاتف النقال، فأكثر البنين والبنات لا يُبالون بكل هذا مقابل ساعة حميمة يقضونها مع 'اللي خلّفوهم'، وإلا فإنهم يُمضون أكثر أوقاتهم في إغاظتهم وهدم كل ما يعتقدون أنهم قد شيّدوه.
ولن أَغفَل عن حض العزاب والعازبات على التمرد على من يصرون على إغلاق أبواب السعادة أمامهم، برفع قيمة المهور وملحقات الزواج الثقيلة، أما الآباء والأمهات فسأُذَكّرهم بأحاديث نبوية حاسمة في هذا الشأن، إن لم تلفتهم النصيحة، وأنبههم إلى أن عقابيل التشدد والعناد أمام رغبات الأبناء والبنات لا حدود لها، في زمن العولمة التكنولوجية والقيمية، فلا سلاح لديهم لاتقائها سوى منح أقصى درجات الحنان لفلذات أكبادهم، على قاعدة 'خُد وَعْطي'.
سأدعو أبناء أُمّتي إلى تبادل المودة، بالرغم من الاختلاف في الأفكار والأمزجة، فلا يُضمِر المرءُ لشقيقه ضغينة لأن الأخير ذو لحية أو جديلة أو أقرع، ولا تحنق المرأة على شقيقتها المحجبة أو السافرة بمجرد أن تراها، فتتمنى لو تختفي، ولا ينبذ العلمانيُّ المتدينَ ولا العكس، سأدعوهم إلى أن يكونوا كما يريدون، فيرتدون ما يُحبّون، وفق معايير للحياة يتفقون عليها، ولن أنسى أن أطالبهم بأن يفضحوني لو رأوا أحد أبنائي يرتدي حُلّة تعادل قيمتُها راتبي، أو يقود سيارة فريدة تم استيرادها خصيصاً له، شرط أن يكونوا على يقين، فلا أكون ضحيةً لديمقراطيةِ الإشاعات!
سأسرد لهم حلمي، دون أن أطالبهم بتبنّيه، محاولاً إقناعهم بأن يحلموا أن يكونوا زعماءَ أنفسهم، فلا ينطلي عليهم عبثُ الإعلام المعادي لمصالحهم، وإن ارتدى زياً شعبياً وتوشّح بعلم البلاد، وألا يقبلوا بتبرير متلعثم لسياسة تعليمية 'نص كم'، تجعل المعلم تارة ضحية وأخرى جلاداً، ولا يُسلّموا بسياسة صحية تقودهم إلى متاهات القبول بأي شيء والاعتماد الكلي على الدعاء، بذرائع الإمكانات والحصار والضغوط، أما الأمن فلن أجد ما أقول بشأنه سوى أنه حاجة أساسية لكل منهم وواجب عليه في آن، لأنني بالكاد قادر على تأمين نفسي، ويقف موكبي على إشارة المرور حين تكون حمراء، كغيري من أبناء الأمة، الذين عليهم أن يتمتعوا بكل ما يتمتع به الزعيم، يسافرون دون عوائق إن سافر، ويمتنع عن السفر حين يُمنعون، فلا تُفتَح له الموانئ والمعابر بينما يتلظون على ناري الحر والانتظار الخائب.
سأختتم خطابي باقتراح لنشيد قومي جديد، يُعبّر مطلعه عن هويتنا الفعلية، سواء كنا أسيادَ أرضنا ومصائرنا أو لاجئين مشردين أو عبيداً تحت الاحتلال، أما ختامه فعهدٌ بأن يسطع نجمُنا في سماء الله، التي تتألق فيها كل نجوم الدنيا، وألا نكون عبيداً لأحد، لا بالفكرة ولا السلوك، عهدٌ بأن نكون أمةً أكبر من زعيمها وماضيها، لا تفتدي بأرواح أبنائها إلا الوطن، لأن الزعيم الذي يُمجّد نفسه كوصي على الوطن والأمة بسوق أبنائها إلى الهلاك 'يستاهل الحرق'!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع