ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - قراءة لمشهد مرتبك وغير مستقر
06/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

التحية كل التحية للشهداء الأبطال، والجرحى الشجعان الذين سقطوا أمس الأول الخامس من حزيران، في الذكرى الرابعة والأربعين للهزيمة التي مازالت تلقي بظلالها الكارثية على حياة ومستقبل شعبنا وأمتنا، حيث مازالت فلسطين كلها محتلة، بما في ذلك القدس، وكذلك الهضبة السورية «الجولان»، وما تبقى من أرض محتلة في جنوب لبنان، بالإضافة إلى الآثار السياسية والأمنية المترتبة على تلك الهزيمة، وهي آثار فادحة جداً».
آلاف من الشباب السوريين والفلسطينيين اندفعوا يوم الأحد إلى حدود أرضهم لا يحملون سلاحاً، لا يحملون سوى الأعلام ووهج الذاكرة، ذهبوا بصدورهم العارية وإرادتهم المتوهجة، فواجههم الإرهاب الإسرائيلي بأبشع أشكاله وأقذر فعالياته، حيث أرتال الجيش الإسرائيلي حولت خطوط الحدود الهادئة منذ عقود إلى ميدان حرب فعلية، حيث الرصاص والعربات المصفحة، والدبابات، والطائرات تملأ الأجواء، والقيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية في حالة استنفار قصوى.
فما الذي حدث؟
معروف أن إسرائيل ومنذ أحداث الذكرى الثالثة والستين للنكبة التي وقعت قبل ثلاثة أسابيع، وما جرى خلالها على الحدود في لبنان، في منطقة مارون الراس والعديسة وبقية النقاط، وما جرى في الجولان، خاصة في مجدل شمس ومحيطها، وما جرى في أرجاء الضفة وقطاع غزة، والوعود التي أعلنت على الواجهة الأردنية ولكنها لم تنفذ، وفي ميدان التحرير في القاهرة وصولاً إلى رفح، فإن إسرائيل شنت حملة دبلوماسية واسعة النطاق، وأرسلت خلالها رسائل تهديد وإنذار إلى كل من يهمه الأمر، واستعانت بوسطاء أميركيين وأوروبيين وعرب بل استعانت بالأمم المتحدة نفسها، لكي تصل هذه الرسائل إلى أصحابها بكل وضوح، وكانت النتيجة أن هناك من استجاب وصدع، وهناك من تجاهل تلك الرسائل والإنذارات، وأعطى للذكرى زخماً حقيقياً، وأي زخم أقوى حين تشتعل الذاكرة وتشتعل الدماء!
و بينما كانت الحدود السورية في الجولان أشبه بميدان قتال حقيقي، فإن الحدود اللبنانية كانت منضبطة إلى درجة مبالغ فيها ومثيرة للأسئلة، فهل يعتبر هذا أول فك ارتباط حقيقي بين المسارين السوري واللبناني؟ وهو الارتباط الذي كان يتبناه بشكل صارخ لا يقبل الجدل حزب الله وحركة أمل على مدى عقود طويلة! ولكن المشهد الذي رأيناه كان يشير إلى أن الرسالة التي تلقاها حزب الله كانت صادعة للغاية، بحيث سمح حزب الله وحليفته أمل للجيش اللبناني وقوات اليونيفل أن تضبط الايقاع إلى حدوده القصوى، وهو أمر لم يحدث خلال أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، فقد رأينا الجيش اللبناني يمنع بالقوة حزب الله وحركة أمل من الانتشار في الجنوب اللبناني طيلة ربع قرن، وعندما سمح لهذا الجيش بالانتشار بعد اتفاق الدوحة، فقد ظل يتحرك تحت محاذير كثيرة ويومية يضعها حزب الله، بينما أمس الأول سمح للجيش وحواجزه الكثيرة ودورياته الراكبة والراجلة أن يكون سيد الموقف.
و كذلك كان الحال مع قوات اليونيفيل التي يتعرض عملها لعوائق كثيرة وتهديدات خطيرة، ولكنها يوم الأحد سمح لها أن تكون الحارس القوي الأمين لحماية الخط الأزرق وغير الأزرق وبدون منغصات.
فهل هذه المفارقات بين الحالتين السورية واللبنانية هي بداية افتراق وفك ارتباط بين المسارين، أم أن الوضع الدقيق لحزب الله هذه الأيام يفرض عليه الالتزام بالمعايير التي كان يرفضها دائماً، بينما الوضع القائم في سوريا منذ شهور يفرض على النظام السوري أن يشعل الجبهة مع إسرائيل عبر الجماهير الفلسطينية والسورية لكي يربك خصومه الداخليين؟
مهما يكن الأمر فإن الشهداء والجرحى على الحدود السورية الذين سقطوا أمس الأول يظلون هم العلامة المضيئة، تكللهم أكاليل الغار فوق جباههم، ويستحقون أعلى درجات التحية والاعتزاز والتقدير.
ومثلما يوجد مفارقة حادة في الأداء بين الحدود اللبنانية والحدود السورية، فكذلك كانت المفارقة حادة جداً بين الأداء في عموم الضفة وخاصة داخل القدس وفي محيط حاجز قلنديا، حيث المشهد كان ساخناً، وبين ما جرى في قطاع غزة، حيث كان المشهد فاتراً، ومثيراً للحزن، ومرتجفاً بإيقاع الخوف والعجز، حيث لم يتجمع عند محطة حمودة في بيت حانون سوى العشرات الذين ربما لا يصلون إلى مئة شخص، مع ان الخطباء الذين نفخوا أوداجهم وصقلوا حناجرهم وتحدثوا إلى الفضائيات، استخدموا كلمات كبيرة جداً، فتجسدت المفارقة وكأننا أمام مشهد مسرحي هزلي حيث الشعارات صاخبة والأداء هزيل إلى حد السخرية.
شخصياً، كنت أتمنى أن يحدث نقاش جدي وصادق وشجاع بين الفصائل في قطاع غزة، عن كيفية الأداء في هذه المناسبة، وما هي الطريقة الأفضل، وكان يمكن أن يقام مهرجان حقيقي وحاشد يدعى إليه عشرات الآلاف في ساحة الجندي المجهول أو في ساحة الكتيبة أو في الشارع الرئيسي المقابل لمقر الأمم المتحدة، بحيث يعكس الحشد عظمة الذاكرة المتوهجة للشعب في هذه المناسبة، أما أن تدار الأمور بهذه الطريقة، فنذهب إلى بيت حانون، قريباً من الحدود، بهذا المشهد الضئيل البائس، فهذا ما لا يمكن فهمه أو تفسيره.
فهل كانت الرسائل قاسية ورادعة إلى هذا الحد؟
و حتى لو كانت الرسائل قاسية ورادعة، أو لم يكن في الإمكان التصرف بطريقة أفضل بدل أن يكون المشهد هزلياً إلى هذا الحد.
هذا السؤال أطرحه على جميع الفصائل دون استثناء، سواء تلك التي شاركت أو التي قاطعت، وكيف جرى أننا في مناسبة كهذه، في الذكرى الرابعة والأربعين في الخامس من حزيران، وكل فلسطين مازالت محتلة، بما فيها قدس أقداسنا ولؤلؤة عصورنا القدس، وهذه الذكرى تأتي في ظل المصالحة، وفي أجواء الربيع العربي، ونحن في طريقنا إلى استحقاق أيلول، كيف جرى أننا قبلنا بهذا المشهد الضئيل المرتجف، المهزوز، الذي يعكس حالة من الخلاف والتعنت الفصائلي، ويجسد العجز الشديد حتى في مجرد تنظيم احتفالية مناسبة؟
لا أعرف إن كانت الفصائل في اجتماعها يوم أمس الاثنين في مدينة غزة قد ناقشت ما جرى، وهل امتلكت الشجاعة لوضع النقاط على الحروف، وهل أعطت فرصة حقيقية للنقد الذاتي حتى لا يتكرر هكذا مشهد هزلي؟ أم أن هذا الصراخ هو الذي سيسود دائماً، والادعاءات الفارغة، وسهولة القول بان المشهد كان خارقاً ونموذجياً وأن كل شيء كان على ما يرام؟
أما أنت يا قدس فلك الغضب الساطع آت، بخيول الرهبة آت، لأن الغضب الساطع الحقيقي المقدس هو الذي يجلب السلام.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع