ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
المُبادَرةُ الفرنسيّةُ محاولةٌ للقضاء على ما تبقّى من وَعْد أيلول
06/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني المصري

بعد خطابي باراك أوباما في الخارجية الأميركية وأمام مؤتمر 'إيباك' الذي وجّه فيهما ضربةً قاضيةً لوعد أيلول؛ تأتي المبادرة الفرنسية للقضاء على ما تبقى من أمل في هذا الوعد. فحذر أوباما الفلسطينيين من مغبة التوجه إلى الأمم المتحدة، ودعاهم إلى العودة إلى طاولة المفاوضات الثنائية المباشرة، بعد أن اعتبر اتفاق المصالحة عقبة كبيرة أمام السلام.
وتهدف المبادرة الفرنسية إلى إعفاء فرنسا، وأوروبا، والمجتمع الدولي إن وافق ويبدو أنه سيوافق عليها، من المسؤولية عن حل الصراع وما يتطلبه ذلك من ضغط جدي على إسرائيل؛ لإقناعها أو إجبارها على إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بما يشمل حقه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 بما فيها القدس.
لا تكفي إشارة المبادرة الفرنسية إلى ما جاء في خطاب أوباما حول قيام دولة فلسطينية على حدود 1967؛ لأن هذه العبارة تراجع عنها أوباما عملياً في خطابه أمام 'إيباك' عندما طالَبَ بأخذ الحقائق الديمغرافية بالحسبان (أي الكتل الاستيطانية)، واعتبر أن حدود 1967 هي نقطة البدء وليست نقطة النهاية، وشدد أيضاً على مبدأ تبادل الأراضي الذي لا يؤدي تطبيقه في النهاية إلى العودة إلى خطوط الرابع من حزيران 1967.
إنّ وظيفة المبادرة الفرنسية العملية هي قطع الطريق على المسعى الفلسطيني للاعتراف بالدولة الفلسطينية والحصول على عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة. فالمبادرة حتى إذا سلّمنا جدلاً بأنها ستؤدي إلى استئناف المفاوضات، فإنها لن تقود إلى اتفاق نهائي وإنما في أحسن الاحوال إلى حل انتقالي.
إن فرنسا تريد أن تجد مخرجاً من الوضع الحرج الذي تجد نفسها فيه. فهي إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية في أيلول القادم فإنها تغضِبُ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وإذا لم تعترف بها تخون بذلك سياستها والمبادئ والقيم التي تنادي بها، وتتعلق بـ: الحرية، والديمقراطية، وحق الأمم في تقرير مصيرها.
كما تحاول المبادرة الفرنسية الحيلولة دون حصول مجابهة وتداعيات وَخِيمَة جرّاء استمرار الجمود في العملية السياسية، خصوصاً في ظل الربيع العربي، وبداية ربيع فلسطين كما تظهر بوادره في الحراك الشبابي الذي بدأ في 15 آذار، وتصاعده في ذكرى النكبة في 15 أيار وذكرى 'الهزيمة' في 5 حزيران، ومرشح للتعاظم أكثر في أيلول وما بعده إذا لم تقم دولة فلسطينية كما هو مرجح، ويهدد بإعادة القضية الفلسطينية إلى مجراها الطبيعي والتاريخي، من خلال تركيز الفلسطينيين على الحرية والكرامة والحقوق، خصوصاً على قضية العودة التي تعد جوهر القضية الفلسطينية.
ولا تكتفي المبادرة الفرنسية بالتهرب من الاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وإنما تشير إلى الحل الذي يجب أن يحقق دولتين لشعبين، بما يشكل موافقة ضمنية على يهودية إسرائيل، فهناك فرق جوهري بين حل الدولتين، وحل دولتين لشعبين، فالحل الأول يحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني، بينما يشكل الحل الثاني موافقة ضمنية على يهودية إسرائيل، وهذا يسقط حق اللاجئين في العودة، ويجعل شعبنا المقيم في وطنه داخل فلسطين 1948 فريسة لمخططات التمييز العنصري والتهجير والاضطهاد.
كما لم تشر المبادرة الفرنسية إلى أن القدس عاصمة لدولتين كما كانت تتناولها المبادرات الفرنسية والأوروبية والدولية السابقة، بل تركتها للتفاوض (أي تحت رحمة إسرائيل)، وأجّلتها هي وقضية اللاجئين ليتم التفاوض حولهما في مرحلة لاحقة بما يشكل إعادة إنتاج للحلول الانتقالية، ويفتح الباب في أحسن الأحوال لتمرير حل الدولة ذات الحدود المؤقتة المفضل جدًا لدى حكومة نتنياهو ولأقسام واسعة من المعارضة الإسرائيلية.
وتتحدث المبادرة الفرنسية عن عقد مؤتمر دولي على غرار مؤتمر'أنابوليس'، أي أنها مجرد مدخل لاستئناف المفاوضات وليس كإطار فاعل ودائم يحكم المفاوضات ويلزمها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
لقد تجاهلت المبادرة الفرنسية ضرورة وقف الاستيطان وقفاً تاماً، وجميع الإجراءات الاحتلالية، كما جاء في خارطة الطريق سيئة الصيت والسمعة، واكتفت بترديد عبارة وردت في اتفاق أوسلو ومضمونها: 'امتناع الجانبَين عن اتخاذ خطوات أحاديّة دون تعريف وتحديد هذه الخطوات الأحادية'؛ الأمر الذي لم يمنع سابقاً، ولن يمنع حالياً سياسة استمرار فرض 'الأمر الواقع' الاحتلالي الاستيطاني الإجلائي الإسرائيلي.
إن الموافقة الفلسطينية المتسرعة على المبادرة الفرنسية رغم كل ما تنطوي عليه من إجحاف بالحقوق الفلسطينية، ودون عرض الأمر على المؤسسات الفلسطينية والتشاور مع حركتي فتح وحماس والمبادرة الوطنية كما تقتضي أجواء المصالحة؛ تُبرر بأنها قادرة على إحراج حكومة نتنياهو وتراهن على عدم قبولها لها، ما يفتح الطريق أمام اعتراف فرنسا، وربما كل أو معظم الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية.
إن الإشكالية تكمن في أن المبادرة تدل على استمرار وهم المفاوضات، ومحاولة إحياء عملية التسوية التي قتلتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وليس حكومة نتنياهو فقط، لأن إسرائيل غير جاهزة لسلام عادل أو متوازن يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ولا تنفع في تغيير ذلك سياسة التنازلات وإظهار الاعتدال والهبوط بسقف البرنامج الفلسطيني حتى بدون مقابل إسرائيلي.
فكل حكومة إسرائيلية جاءت إلى الحكم منذ توقيع اتفاق أوسلو أصرت على البدء في المفاوضات من نقطة الصفر، بينما كان الجانب الفلسطيني يواصل من حيث انتهت المفاوضات السابقة وما قدمه من تنازلات فيها؛ ما أدى إلى تآكل الموقف التفاوضي الفلسطيني أكثر وأكثر.
وأخيراً، هذا إذا رفضت حكومة نتنياهو المبادرة الفرنسية، وماذا إذا وافقت عليها بعد المطالبة بتعديلها أو بالترافق مع إبداء تحفظات عليها كما فعلت حكومة شارون مع خارطة الطريق؛ التي وافقت عليها مع إبداء أربعة عشر تحفظاً جوهرياً نسفتها من حيث الأساس وحوّلتها إلى خارطة طريق إسرائيلية، نفذ فيها الجانب الفلسطيني التزاماته كاملة ولم تنفذ إسرائيل تقريباً أي شيء؛ حينها سيصبح الموقف الفلسطيني في الزاوية إذا استأنف المفاوضات دون وقف الاستيطان، ودون مرجعية ودور دولي حقيقيين، وهذا سيعني الدخول مجدداً في متاهة المفاوضات بعد أن يتخلى عن مسعاه للاعتراف بالدولة واللجوء إلى الأمم المتحدة، وبذلك تخسر القيادة الفلسطينية ما تبقى من مصداقيتها وشرعيتها، وتُقْدِم على انتحار سياسي فضلاً عن أنها توجه ضربة ربما تكون قاضية للمصالحة.
وإذا أصرّ الجانب الفلسطيني على التزام إسرائيلي كامل بالمبادرة الفرنسية بعد تعديلها أو التحفظات الإسرائيلية عليها، فإنه سيتحمل كل المسؤولية أو جزءاً منها عن إفشالها، وسيذهب إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف بالدولة بعد ذلك وهو أضعف مما هو عليه الآن، فالضرر من الموافقة على المبادرة الفرنسية واقع في كل الأحوال، ولكنّه سيكون في الحد الأدنى إذا رفضتها إسرائيل كلياً، وهذا أمر مستبعد لأن نتنياهو أعلن بأنه سيدرسها، وهذا يعني أنه سيفشلها من داخلها، أو عبر إقناع الإدارة الأميركية بإفشالها.
إنّ المطلوب الإقلاع عن السير وراء سراب التسوية دون امتلاك أوراق القوة القادرة على فرضها، والتركيز على بلورة إستراتيجية جديدة قادرة على توحيد الفلسطينيين أينما تواجدوا، وتعيد الاعتبار للحقوق الفلسطيينة كاملة، بما فيها حق العودة، لأن سياسة تجزئة القضية والحلول والمراحل وفصل القضية عن الأرض والشعب والحقوق لم تؤد إلى دولة، وإنما أدت إلى الحال الكارثي الذي نحن فيه.
ولا يرتكز جوهر الإستراتيجية الجديدة إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة، على أهمية ذلك، لأن الإرادة الدولية معطلة في ظل الانحياز الأميركي والفيتو المُشْهر في وجه أي قرار ينصف الفلسطينيين، وإنما جوهرها يستند إلى توحيد الشعب من أجل تغيير موازين القوى على أساس الصمود والمقاومة المثمرة، والتحرك السياسي القادر على حشد الدعم العربي والدولي، وفرض الحصار والعزلة والمقاطعة والعقوبات على إسرائيل، بحيث تُجْبَر على الانسحاب، أو تجد نفسها في موقع يصبح الصراع فيه على حدود 1948 وليس على حدود 1967، والقرار بهذا الشأن بيد حكومة إسرائيل التي ستقود الأمور إلى هذه النتيجة إذا استمرت في سياسة التطرف والتعنت ورفض التسوية، وما جرى ويجري في ذكرى النكبة و'هزيمة حزيران' خير شاهد على ذلك.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع