ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - احساس بالانكسار ووعي بالقوة
05/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

لعل حزيران 2011 هو الأقرب شبهاً بالأيام التي تلت لحظة وقف إطلاق النار في حزيران (يونيو) 1967. ففي ذلك التاريخ، قبل أربعة وأربعين عاماً، أحست جماهير الأمة، أن الهزيمة التي وقعت، لا تليق بها، ولن تكون قَدَرها، لا سيما وهي التي تعرف مكامن القوة والاقتدار الكامنة فيها. انكسرت الجيوش ولم تنكسر النفوس. استثيرت الروح بفعل الجُرح، ليبدأ صعودها الى العنان، بدل الارتكاس في الأرض، وباتت المقاومة طريقاً الى رد الاعتبار، واسترداد الأرض والحقوق. ففي مصر، فوجئ الرجل الذي تحمل بشجاعة، المسؤولية الكاملة عن الهزيمة، وسماها نكسة، متوخياً قيامة جديدة يكون الانتكاس فيها مجرد حلقة من صراع متصل، يتبعها أخرى مقبلة في مسار الى النصر؛ بأن الشعب مصمم على التحدي وعلى التمسك بخط مناهضة الاستعمار وأداته المتقدمة إسرائيل. ونشأ خلال الشهور القليلة التي أعقبت الهزيمة، مُناخٌ مقاوم بامتياز، فبدا أن صدمة حزيران (يونيو) بدّلت مناهج عمل على كل صعيد، إذ بات حجم التفوق العسكري الإسرائيلي معلوماً وماثلاً ويُقاس عليه، في عملية إعادة بناء الجيش. وساعد ذلك المناخ على تثبيت مفردات الخطاب السياسي ودعم الثورة الفلسطينية علناً. وتواصل السياق في ذلك الاتجاه، فتعمّد جمال عبد الناصر، مكاشفة الناس في مجمل القضايا والمصاعب، إلا ما يتعلق منها بأسرار عملية التحدي والبناء. وسرعان ما بدأت المرحلة القتالية التي سمّاها الصمود، وقوامها التهيؤ لصد محاولات الاحتكاك والإغارة للإجهاز على روح معنوية لم ينل منها المعتدون. وكان عبد الناصر قد تولى بنفسه متابعة أدق تفصيلات عملية إعادة بناء الجيش، وأحيلت المسؤوليات القيادية، لذوي اختصاص ممن شهدت لهم أرفع الأكاديميات العسكرية بالتفوق، ودخلت البلاد مرحلة الدفاع المقتدر، على خط النار، ثم تهيأت لمرحلة الردع. وسافر عبد الناصر بنفسه، سراً وعلانية، لمناقشة قضايا التسلح ونوعياته ومستوياته وكمياته وأثمانه. بل بلغ به الأمر، أن خاض مجادلات مع القيادة السياسية والحزبية السوفياتية، وطلب لقاءات مع مصممي أسلحة الدفاع الجوي والطيران، ومنهم سوخوي، أب الطائرة الروسية الشهيرة ومؤسس مكتب تصميمها، لمناقشتهم في المزايا والقدرات. ووصلت القوات المسلحة، الى وضعية تمكنها من شن حرب استنزاف، يكون فيها تأهيل القوات مطعماً بتجارب المعارك الفعلية. وخلال ثلاثة أعوام، وقف جمال عبد الناصر، في ذكرى الثورة الأخيرة له، في تموز (يوليو) 1970 لكي يعلن بثقة:»كنا، على مر سنوات طويلة، نتحاشى تداعيات الاشتباك، فنعاقب الجندي الذي يرى العدو ويُطلق النار عليه، وبتنا الآن، نعاقبه إن رأى العدو ولم يُطلق النار عليه»!
كان ذاك، هو الخط المعاكس، للاتجاه الذي أرادته القوى الاستعمارية، لسلوك الإقليم القاعدة في العالم العربي، وهو مصر. فقد أرادوا لعدوان حزيران (يونيو) أن يُجهز على الروح العربية، وأن يكرّس اليأس والدونية وأن يُعلي من شأن العملاء وجلابي المذلّة. وبدأت المفاعيل المضادة لذلك الخط المقاوم، تسابق الزمن، فتخلق الدسائس والتشويهات، وتوظف الدين والديمقراطية والثرثرات السخيفة عن الهزيمة، للنيل من مكانة القوى الممسكة بمقاليد العمل المقاوم ورموزها، وللنيل من سمعة القوات المسلحة العربية، ومن جدارة الإنسان العربي في التهيؤ للقتال، واستيعاب السلاح الحديث!
* * *
الإحساس بالانكسار، لم يحجب عن العقول، رؤية مكامن القوة والوعي بها. وكانت الأمة، هي مبعث التحلي بروح المقاومة والصمود والصبر على المكاسرة. ففي الخرطوم، تبدلت حسابات كثيرين، عندما وصل عبد الناصر لحضور قمة آب (أغسطس) بعد نحو شهرين من الحرب، ففوجئ هو نفسه، بالجماهير الغفيرة التي حضرت لاستقباله ومساندته. وتفيد الدراسات الكثيرة، أن القوى الاستعمارية، بدأت منذ تلك الفترة، تخطط لاختراق النظام العربي من الأجناب ومن الخلف، لكي تخلق سياسات وقوى اجتماعية، دافعة في اتجاه الرضوخ والدونية، والسخرية من الكفاح الوطني والقومي. بل سُمعت في تلك الأثناء، أحاديث عن لا جدوى القتال، وعن تفوق الجيش الذي لا يُقهر، قبل أن تبدأ حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 بعد رحيل عبد الناصر الذي استكمل بناء الجيش وأعد خططاً للهجوم. وتواصلت عملية الترويج لهذا المنطق، مترافقة مع عناصر وخدع الترغيب بالمعونات الأميركية التي ستجعل البلاد تنعم بالبحبوحة، وتكنس «الفقر الناجم عن الحروب»!
* * *
أصحاب هذا المنطق، هم الذين انقضّوا على إرث جمال عبد الناصر بعد موته، فأصبح الهجوم على معايير قياساته ورؤيته وثقافته وسمعته، شغلهم الشاغل، لكي لا تتكرر تجربته في التاريخ العربي. واجتمعت في تلك الهجمة، مجهودات قوى متناقضة: إسلامويون، وذوو نزعات فرعونية، ومتأمركون حالمون بالانفتاح على النهب، ورموز قوى طفيلية وشرائح متضررة من الثورة ومن فكرة العروبة، ومشبوهون من زبائن السفارات، وكُتّاب وشعراء وصحفيون باعوا ذممهم بالمجان فانقلبوا على رجل راحل، كانوا أشبعوه في حياته مديحاً، ومعمّمون باعوا دينهم لدنيا غيرهم!
في ذلك السياق، أريد للجماهير ان تُبتلى بأنظمة فساد واستبداد، وهكذا كان. فللأسف ما ان قطع حزيران (يوليو) 1967 عشر سنوات من العمر، حتى بدأت تظهر جليّة، تلك القوى الذاهبة بالأوطان الى حال الانكسار وإنكار مكامن القوة في الأمة، ودحض الوعي بها. ومن المفارقات، أن عملية تبديد روح المقاومة والتمسك بوحدة الموقف العربي في الصراع؛ استندت ــ بالتدليس ــ الى قيم وعدت القوى المضادة لحركة التحرر العربي بتكريسها، بينما هي أبعد ما تكون عنها وعن نُبلها ومقاصدها: الديمقراطية بدل الدكتاتورية. تقاليد السوق بدل التطور اللارأسمالي أو القطاع العام. الإيمان بدل مجافاة الدين، العلم بدل الرداءة والتخلف. وكانت النتيجة مثيرة للسخرية: تعميق الاستبداد لصالح أسر وعائلات تافهة، لا ثقافة ولا انتماء لديها، بدل أن يحتكر هذا الاستبداد المزعوم نظام سياسي وطني تؤيده الغالبية العظمى من الأمة. نهب باسم السوق، وتحايلات ضريبية، ومستوردات مسمومة، ومقاولات مشبوهة، وإفقار للمجتمع، وضمور أو غياب للطبقة الوسطى، حاملة حُلم الأمة وأخلاقها وطموحاتها ورمز كبريائها وإحساسها بالكفاية والعدل. وبدل الدين والزُهد، انحرف كثيرون وتطرفوا، بتأثير اليأس والفوارق الطبقية، وتفشت نزعة الاستهلاك الفاجر المنفلت من كل قيمة. وبدل تطوير التعليم، جرى انهياره وتدميره ليصبح اضحوكة، في الأقطار العربية «القديمة» وأصبح الكبار يترحمون على أيام زمان، في التعليم والدين والسوق والاستقرار والعدالة والأجور والأسعار!
من هذه الوضعية، انبثقت روح جديدة للنهوض الجماهيري، في العام 2011 تعبيراً عن إحساس الأمة، بثقل الهزيمة التي تراكمت عواملها بمفاعيل السلم المُذل، لا بمفاعيل الحرب الخاسرة. لذا، كان حزيران (يونيو) هذا العام، مشبعاً بروح شبيهة بتلك التي سكنت القلوب في حزيران (يونيو) 1968 أي بعد عام على النكسة!
ثمة إحساس بالانكسار يُلح على النفوس، بأخذ زمام المبادرة، مستأنساً بوعي صحيح، بمكامن القوة في هذه الأمة وفي أوطانها.
في ليلة إعلان جمال عبد الناصر عن انكسار الجيوش، فعلت أم كلثوم الشيء النقيض لما يزعمه مروجّو ثقافة الهزيمة. اتصلت سيدة الغناء العربي هاتفياً بالشاعر صالح جودت، وبالملحن رياض السنباطي، وأبلغتهما أنها قادمة بسيارتها لتأخذهما الى دار الإذاعة في وسط المدينة، لكي تسجل على الفور عملاً غنائياً يقول لجمال عبد الناصر الذي اعلن عن التنحي عن السلطة: إبق، لكي تؤدي دورك، ولا تجزع، وسنقاوم!
طلبت من الأول ــ وكان بيته أقرب ــ أن يرتجل الكلمات سريعاً قبل الوصول اليه، ليبدأ الثاني في وضع اللحن فور انضمانه اليهما في السيارة، فكتب صالح جودت، ما غنته أم كلثوم في تلك الليلة:
قم إنّا أرهفنا السمعَ وتعلمنا. قم إنا جففنا الدمع وتبسمنا. قم إنا وحدنا الجمع وتوحدنا. قم إنا أعددنا العُدة، وغداً ستؤذن للناس طلع الفجر، وغدا ستُحيي الأجراس يوم النصر!
هكذا كان السياق الذي انقطع، وهكذا ــ ربما ـ يصبح السياق بعد انقطاعه الشائن الطويل!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع