ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الثورات العربية والنظام العربي: التفكيك وإعادة التركيب
05/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. خالد الحروب

لا تزال الثورات العربية في مرحلة الفوران وعدم الاستقرار، ذاك أن بعضها نجح في إزالة الأنظمة المستبدة وبعضها الآخر لا يزال في ذروة المحاولة والبعض الثالث تم قمعه بصورة وقتية أو تجميد أسبابها بمسكنات مالية هائلة. وحتى الثورات التي أنجزت أحلام شبابها وشعوبها في انتزاع حريتها وكرامتها، مثل مصر وتونس وإلى حد ما ليبيا، فإنها وبطبيعة الأمور غرقت في شؤون ترتيباتها الداخلية وصوغ شرعيات سياسية جديدة متوافق عليها تقوم على أنقاض الدكتاتوريات المنقضية. في خضم هذه السيولة الراهنة في أحداث كبرى وقعت ولا تزال تقع في بلدان عربية عدة وكبرى، يبدو النظام العربي والإقليمي كسفينة تتلاطمها أمواج هائجة لم تستقر بعد، ومن الصعب التكهن بالوجهة النهائية التي سوف تتجه أشرعتها إليها. ولا يقتصر استقرار (أو عدم استقرار) السفينة الإقليمية على طبيعة الديناميات الخاصة بها، بل هناك عناصر العلاقات الدولية ومصالح الدول العظمى في المنطقة التي تتدخل وتريد للنظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الثورة أن يتشكل وفقاً لمصالحها، أو على الأقل ليس على الضد منها. ذلك كله، سواء ما تعلق منه بآليات التحول الداخلي الحادة أو مؤثرات التدخل الخارجي القوية، هو في طور السيرورة وليس الانتهاء على شكل ما. لذلك من الضروري التريث عند محاولة تحليل ما يمكن أن تؤول إليه صيغة النظام العربي قيد التشكل وتفادي الزعم بالقدرة على رسم شكل دقيق أو شبه دقيق لما سيؤول إليه هذا النظام بعد أن ارتجت أساساته كلياً تحت وطأة زلزال وتسونامي الثورات العربية. كل ما يمكن الطموح إليه هو تقديم ملاحظات أولية وتقديرية تجمل التداعيات الأساسية لهذه لثورات على النظام العربي كما عرفناه خلال السنوات القليلة الماضية، وتندرج هذه السطور في هذا السياق محاولة استشراف بعض ملامح المرحلة القادمة – مجرد استشراف.

تبعثر محوري 'الاعتدال' و'الممانعة'
أول تداعيات الثورات العربية على النظام العربي الذي ساد حتى وقت قريب هو انهيار الشكل الاستقطابي العام الذي بُني على أساس محوري 'الاعتدال' و'الممانعة'. نعرف أن مصر المباركية كانت الركن الأساس لمحور 'الاعتدال' والذي كان عملياً يمثل الواجهة العربية المقربة من السياسة الأميركية، إن لم نقل تمثيلها الحقيقي، في المنطقة. مصر المباركية انهارت ومعها انهار عملياً، ولو مؤقتاً الشكل التقليدي الذي عرفناه لمحور الاعتدال. ونعرف أيضاً أن سورية 'البعث' كانت تمثل الركن العربي الأساس لما يعرف بمحور 'الممانعة'، وهو الذي مثل الواجهة العربية المعارضة للسياسة الأميركية ولو شعاراتياً ولفظياً وانتهازياً. سورية 'البعث' هي الآن قيد الانهيار أو التغير الجذري الذي سوف ينهي ولو مؤقتاً الشكل التقليدي الذي عرفناه لمحور الممانعة. المؤشرات الأولية للسياسة الخارجية لمصر ما بعد الثورة تشير إلى موقع وسط بين محوري الاعتدال والممانعة التقليديين – أقل انصياعاً للضغوط والسياسة الأميركية لكن ليس في موقع الضد أو العدو (الممانع) منها. ويمكن المغامرة بالقول إن سورية ما بعد الثورة، وسواء انهار النظام فيها أم لم ينهر، سوف تتحرك باتجاه المربع نفسه الذي اتجهت إليه مصر الثورة، لكن من الطرف الآخر، حيث ستكون أقل شعاراتية وتوظيفاً لمسألة المقاومة خاصة بعد انكشاف خواء الشعار وحقيقة توظيفه وأن 'المقاومة' وخطابها لم يكونا سوى أدوات لتخليق شرعية للنظام القائم. بقية 'الأعضاء' في هذين المحورين، الاعتدال والممانعة، سواء أكانوا دولاً أم منظمات سوف يتأثر موقفها بشكل كبير بسبب التغيير الجذري في موقع وطبيعة 'العضو الأساسي'.

أولاً: قيام كتلة 'محور الخليج الموسع'
على أنقاض التبعثر والانهيار لمحوري الاعتدال والممانعة قد تقوم أشكال إقليمية جديدة مكوناتها الأساسية خليط علاقات ووحدات (أنظمة وحركات وتيارات) مما قد تبقى من النظام العربي المتفكك ومما قد نشأ حديثاً في أعقاب الثورات العربية. ومرة أخرى لا يزال التبلور النهائي لمواقف وسياسات الوحدات المكونة للشكل أو الأشكال الجديدة قيد الحدوث، لكن في إطار هذا التبلور يمكن تلمس بروز تكتلات أو توجهات عامة تؤثر في شكل الإطار العام للنظام العربي الجديد وأهمها الآن ما يحدث في منطقة الخليج. وهنا ربما أمكن القول إن أكثر تداعيات الثورات العربية على النظام العربي وضوحاً يتشكل عملياً في إطار وحول مجلس التعاون الخليجي. فـ 'المجلس'، في سياق الاستجابة السريعة والاحتوائية للثورات ومنتجاتها، يدخل الآن طوراً من التبدل السريع أهم جوانبه الاتساع في ما وراء جغرافيا دول الخليج العربي، وعدم إخضاع نمط التعاون والاندماج السياسي والاقتصادي فيه إلى شرط القرب والتواصل الجغرافي. لا نستطيع حتى الآن تحديد عمق هذا التبدل أو مدى الوعي بانعكاساته أو حتى مدى التوافق الداخلي عليه. لكن الشيء شبه المؤكد والذي تتشكل حوله مؤشرات متزايدة يتمثل في محاولة تقوية مجلس التعاون الخليجي وتمتين بنيته الداخلية وعلاقاته الإقليمية كإجراء إستراتيجي وقائي يحمي دول الخليج من أية مفاجئات مستقبلية، وقد تجسد ذلك في الدعوة المفاجئة للأردن والمغرب للانضمام إلى المجلس. ويمكن تحليل هذه الخطوة، على مستوى أكثر تفصيلاً، من عدة زوايا أولاها التغيّر الذي وقع في مصر والإحساس الخليجي بأن مصر ما بعد الثورة لن تكون مصر المباركية نفسها من ناحية السياسة الخارجية القريبة وشبه المتطابقة مع سياسة مجلس التعاون الخليجي، ما يعني انكشافاً في الإسناد الإقليمي لدول المجلس وسياساتها الخارجية. وثانيها تفاقم التهديدات الإيرانية إزاء الخليج والتي توازت مع الاحتجاجات الحادة التي وقعت في البحرين وما رافقها من اتهامات بالتدخل الإيراني. ثالثها اهتزاز الثقة الخليجية بالسياسة الأميركية ومدى دعمها للأنظمة القائمة في ظل انتقادات خليجية لواشنطن بسرعة تخليها عن حلفائها في تونس ومصر في مواجهة الثورات الداخلية في بلدانهم، مما ولد شعوراً بالقلق والحاجة إلى بناء استراتيجيات تعتمد على الذات وعلى الحلفاء العرب (الأردن والمغرب في هذه الحالة). يُضاف إلى ذلك ما أشيع عن الرغبة في الاستفادة من الخبرات الاستخباراتية وقوات التدخل السريع الأردنية تحديداً وهو البلد القريب من دول مجلس التعاون والذي له تاريخ تقره دول الخليج في هذا المضمار، من المساهمة في إخماد ثورة ظفار في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى المساهمة في اقتحام الحرم المكي خلال سيطرة حركة جهيمان عليه في أواخر السبعينيات، وصولاً إلى ما قيل عن مساعدة البحرين سراً في إخماد الاحتجاجات الأخيرة.
بيد أن تشكل 'محور الخليج الموسع' قد يتجاوز الأردن والمغرب إلى بلدان أخرى، أولها ليبيا ثم اليمن وربما سورية. فمن الواضح الآن أن ليبيا القذافي، التي كانت محيرة دوماً في التصنيف، وإن كانت لفظياً وشعاراتياً تصنف نفسها في خانة دول الممانعة والمقاومة، سوف تتشكل في حقبة ما بعد القذافي قريباً من 'محور الخليج الموسع' الذي هو الآن قيد التبلور. فدول مجلس التعاون الخليجي وقفت ومنذ بدايات الثورة الليبية إلى جانب الثوار، دبلوماسياً، وسياسياً، وعسكرياً أيضاً. والمجلس الانتقالي الذي يتحدث باسم الشرعية الليبية الجديدة يحمل جميلاً كبيراً لدول الخليج وبالتالي من المتوقع أن تكون السياسة الخارجية لليبيا ما بعد الثورة قريبة من السياسة الخليجية. ينطبق الأمر وإن بدرجات مختلفة على اليمن، لكن من السابق لأوانه التكهن بمسار الأمور هناك. وكذا الأمر بالنسبة لسورية، إذ ربما تنشط في المراحل الأخيرة من الثورة دور خليجي يستهدف استقطاب سورية ما بعد الثورة إلى الفلك الخليجي. وقد ينطبق أيضاً على تونس خاصة إذا ما اشتغل الاقتصاد السياسي الخليجي على احتواء تونس ومساعدة اقتصادها على معاودة النهوض في مرحلة ما بعد الثورة. لا يعني ذلك أن أنظمة ما بعد الثورات العربية سوف تكون في حضن الخليج ومجلس تعاونه لكن ليس من المستبعد أن تكون قريبة جداً منه، وكل منها لأسبابه الخاصة به.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع