ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
حياة ميتة.. مجموعة قصصية جديدة للروائي عاطف ابو سيف
01/07/2013 [ 06:12 ]
تاريخ اضافة الخبر:

فلسطين برس,

صدر للروائي والكاتب عاطف أبو سيف مجموعته القصصية الثانية "حياة ميتة: قصص من زمن غزة" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة، سلسة آفاق عربية" (رقم 157)، والكتاب الذي يقع في 128 صفحة من القطع المتوسط يضم 48 قصة قصيرة تصور واقع الحياة في غزة وتكشف عن عالم معقد تظهر فيه غزة بلا زيف ولا ادعاء وبلا تجميل. واقع اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي مركب تتداخل فيه العلاقات وتتكثف فيه المشاهد واللقطات مثل مصور ياخذ صورة فنية للحظة عابرة.

ومن هنا تاخذ المجموعة اسمها "حياة ميتة" في هذا التناقض المذهل بين الحياة والموت، بين الصعود والهبوط، بين النهايات والبدايات. وتعكس في المقابل المجموعة عالماً متعدداً متنوعاً ثرياً تنكشف فيه البطولة والصمود مقابل الضعف الإنساني، يوقف المكان مقابل الإنسان، وتتفاعل فيه الإرادات وتتصارع الاحلام والامنيات. كل ذلك عبر قصص قصير بعضها قصير جداً ولكن غنية بسردها المكثف الموجز ولكن الغني بالمعاني والإشارات والايحاءات.

وظهرت قصص المجموعة بشكل متفرق خلال السنوت الماضية في صحيفة الأيام الفلسطينية وفي مجلات عربية متعددة، كما ظهرت بأغلبها مترجمة في مواقع ادبية مرموقة مثل موقع مؤسسة القلم الدولي وموقع مؤسسة كلمات بلا حدود.

وتعتبر هذه المجموعة القصصيية هي الثانية لعاطف أبو سيف وكان صدر له قبلها مجموعته القصصية الاولى "الأشياء عادية جداً" عن مركز أوغاريت برام الله عام 2005، كما صدر له أربع روايات هي "ظلال في الذاكرة" 1997، حكاية ليلة سامر 1999، كرة الثلج 2000 وحصرم الجنة (رام الله 2003، القاهرة 2006، الجزائر 2007).

كما صدر لعاطف أبو سيف كتابات في السياسة هما "المجتمع المدني والدولة (الشروق، 2005) و الإتحاد الاوروبي وإسرائيل: الشراكة الناعمة ( مدار 2011) وسيصدر له نهاية العام كتاب الجديد: إسرائيل والعالم: علاقات إسرائيل الخارجية.

يحمل عاطف ابو سيف شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وهو قيادي في حركة فتح عمل في مواقع قيادية متعددة كان آخرها عضواً في اللجنة القيادية العليا السابقة للحركة في قطاع غزة مسؤولاً عن العلاقات الوطنية. وهو عضو الأمانة العامة لإتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين. ويعمل رئيساً لتحرير مجلة سياسات الفصلية الصادرة عن معهد السياسات العامة برام الله. كما يكتب مقال أسبوعي في صحيفة الأيام.

ننشر ثلاث قصص من المجموعة

قيلولة

كان النعاس يقفز إلى جفونه وبالكاد يقوى على الجلوس. كان غداءً شهياً وكان النوم على السرير في الغرفة أفضل ما قد يفعله بعد ذلك. تمدد على السرير، خيل إليه أن الليل قد حل فجأة حين بدأت جفونه تتشابك مع رموشه ورأي دوائر بيضاء تقفز في المسافة بينها. سحب الشرشف الأزرق وأخذ نفساً عميقاً مثل من يبدأ رحلة طويلة: رحلة النوم.

فجأة ارتفع صوت آذان العصر من مآذن المساجد الثلاثة التي تحيط بالبيت. تململ وهو ينتظر أن ينهي المؤذن آذانه. على فترات مختلفة انتهت المساجد الثلاثة من الآذان. قبل أن يحاول القفز مرة أخرى في النوم تذكر أن المآذن ذاتها ستدعو لإقامة الصلاة بعد ربع ساعة. لا بأس لو انتظر قليلاً. تلهى يتذكر ما عليه فعله بعد أن يستيقظ بعد ساعتين، خلال ذلك أفلح النوم بالإجهاز علي كل مقاومته، وقبل أن يستقر عليه مرة أخرى ارتفعت المآذن الثلاثة بالدعوة لإقامة الصلاة. أدرك أنه ما أن تنتهي المآذن من النداء حتى يكون بمقدوره النوم عميقاً ويصدر شخيراً من شدة التعب.

أغمض عينيه وراح يستعد لمتعة النوم العميق فانطلق صوت بائع الخضار ينادي بمايكروفون يدوي على البطاطا والبندورة والجزر. مرت عربة الخضار التي يجرها الحمار وما أن توارى صوت البائع في الشوارع البعيدة حتى كان نهيق الحمار يفد ضعيفاً مثل بقايا ظل خافت.

لم تمر عشرة دقائق حتى جاء صوت عربة تعبئة الغاز بصوت دقاتها الموسيقية المتتابعة وهي تطوف الشوارع والأزقة توزع اسطوانات الغاز وتأخذ الفارغة منها من البيوت.

هذه المرة كأنه غفا قليلاً قبل أن يرمي الشرشف عن وجهه متأففاً من صوت سيارة الشرطة تهرول في الشارع. لابد أنها تصحب مسئول الشرطة الجديد الذي سكن لحسن حظه (أو لسوئه) قبل أيام في الحارة.

قال لنفسه أنه لا يستطيع النوم، يجب أن يتنازل عن الفكرة. من العبث المحاولة. لكن الهدوء الذي حل فجأة لأكثر من ربع ساعة كان كافياً لإغرائه. هذه المرة تسلل النوم خفيةً إليه. ثمة هدوء لا يقاوم ودعوة حميمة للنوم فرت فجأة مع ارتطام كرة الأطفال بجدار البيت الخارجي.

قفز عن السرير فبعد عشرة دقائق موعده.

الثري الجديد

فجأة أدرك أهل الحارة أن والد المسئول الجديد كان مليونيراً كبيراً. لم يكونوا يعرفون هذا من قبل رغم أن المسئول ولد بينهم ووالده عاش ومات بينهم في الحارة. لكنهم لم يكونوا يعرفون ذلك. فالرجل الذي كان يبيع الفلافل والفول في عربة صغيرة على الشارع والذي لم يكن يملك في الدنيا (كما كانوا يظنون) إلا بيتاً من غرفتين ومطبخ وحمام فجأة يعرف جيرانه أنه كان أغناهم، فابنه الذي تقلد منصباً مرموقاً في أحد الأجهزة الأمنية صار له بيت كبير في وسط الحارة وقيل أنه أيضاً تملك قطعة أرض على البحر يريد أن يبتني فيها فيلا ليست بالكبيرة، كما سمع أهل الحارة أنه افتتح سوبرماركتاً ضخمة في وسط البلد واشترى بوتيكاً للملابس يستورد له الملابس من الخارج عبر الأنفاق مباشرة، أما سيارته الفارهة فهذه من المؤكد أنها ملك للجهاز الأمني الذي يقوده.

لم تثر الحراسات انتباه الجيران رغم أنها صارت تضايقهم وتنغص عليهم عيشتهم، لكن ما لفت انتباههم أن جارهم الفقير صار غنياً، بل لابد أن يكون غنياً من قبل، إذ أنه وبعد أقل من ستة أشهر من تقلده لمنصبه الجديد تملك ما تملك.

كانوا في الماضي لا يرونه إلا قليلاً خاصة أنه خرج من السجن فكان الله قد افتقد والدته ووالده، وأمضى البقية الباقية من السنوات وحيداً قبل أن تطارده قوات الاحتلال حتى بعد توقيع اتفاق السلام. وفي المرات النادرة التي يمر نهاراً على الحارة يلقي التحية مسرعاً دون أن يقف مع الناس، وكانوا يحيطونه برموش المحبة وأذرع الخوف. كان يعني لهم أشياء كثيرة. وكانت قصص مطاردة قوات الاحتلال له مثار إعجاب الأطفال والفتيان والصبايا.

الآن باع بيت والده القاطن بين الأزقة واشترى بيتاً واسعاً على الشارع العام وأعاد بنائه وترميمه وصار مثل قلعة في وسط الحارة بجدرانه الشاهقة وأبراج المراقبة التي تحيط به والكاميرات الكهربائية التي تنتشر على مداخل كل الشوارع الفرعية التي تقود له. ولم يعد الناس يرونه في الشارع إلا من خلف زجاج سيارته الأسود حيث يراهم ولا يرونه.

وحين تردد أنه صار ثرياً يمتلك السوبرماركت والأرض والبيت والعقارات قال سكان الحارة إنه لابد أن يكون قد ورث فجأة تركة لم يكونوا يدركون وجودها، فربما يكون والده قد ترك له مالاً وفيراً من وراء بيع الفلافل والفول في الحارة فهو كان صاحب العربة الوحيدة في الحارة منذ السنوات الأولى التي تلت النكبة أو ربما يكون والده قد ورث عن والده ثروة كبيرة نقلها معه الأخير من يافا أو ربما ورث شيئاً من طرف جدته. لا أحد يعرف. لكن المحقق أن هذا الثراء الزائد الذي اكتشفه أهل الحارة منذ أن صار مسئولاً أثار نقاشاً واستغراباً واسعاً في الحارة يليق بحالة البذخ التي ظهرت على صاحبه فجأة.

سفر

خطر لأم فوزي زيارة أبنتيها في الأردن، فالعمر يمر وقد يحفر الموت بأظافره على جدران حياتها شارة الرحيل وتموت قبل أن تراهما. مر الآن عشرون عاماً، عشرون خريفاً وعشرون شتاءً وعشرون ربيعاً وعشرون صيفاً.

في المرة الأخيرة التي جاءتا لزيارتها كان ذلك في السنة الثانية للانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987، وكان المخيم كتلة من اللهب والإطارات المشتعلة تملأ الشوارع والجنود يركضون خلف الصبية في الأزقة، يطلقون الرصاص وقنابل الغاز المسيّل للدموع. لم تكن أم فوزي تدرك أنها المرة الأخيرة التي سترى فيها ابنتيها.

كانتا تأتيان كل صيف لزيارتها، وفي كل مرة تمضيان ثلاثة أسابيع وتغادران وهما تحيطانها بالوعود بأنهما ستعودان في الصيف القادم.

لم تملك أم فوزي إلا العمل بوصية زوجها قبل موته أن تزوج وحيدتاه لابني أخيه الذي حملته النكسة إلى الأردن، يسير بتثاقل فوق الجسر بعد أن ترك يافا عبر البحر إلى غزة. وهكذا ظلت أم فوزي وحيدة في غزة.

بعد تلك الزيارة تدهورت الأوضاع أكثر فأكثر، وصار من الصعب على ابنتيها زيارتها، حتى اتفاقيات السلام لم تفلح في تسهيل مهمة اللقاء. ورغم إصرارهما أن تأتي هي لزيارتهما في الأردن "وفرصة بتشوفي بقية العائلة" إلا أن أم فوزي كانت تفضل الموت "في فلسطين".

"زيارة وبترجعي لغزة".

"بخاف ما أعرف ارجع، بكفي اللي صار لما طلعنا من يافا".

قصتها الأثيرة عن لحظة خروجها "صدفة" من يافا وهي في أول الشباب. كان ذلك شباب جاءت خلفه شيخوخة مبكرة.

عموماً طفح الكيل بأم فوزي وفاض بها الشوق ولم يعد بإمكانها الانتظار. قررت زيارة ابنتيها قبل فوات الأوان. استغرقها الأمر ثلاثة أشهر في انتظار جواز السفر (هذه هي المرة الأولى التي تحصل فيها على جوزا سفر) وعدم ممانعة تسمح لها بزيارة الأردن. إجراءات بطيئة لكنها سهلة وممكنة في محصلة الأمر. لم يعد عليها إلا الخروج من غزة لمصر ومن هناك تركب الطائرة لعمان حيث سينتظرها في المطار كما أخبرتها ابنتاها: أحفادها وأزواج بناتها وأبناء عمومتها وجاراتها اللاتي تركن يافا وغزة. "يعني مظاهرة" وكانت تتخيل المشهد وتبتسم.

ولم يكن الأمر بهذه السهولة، فالخروج من غزة صار أمراً في غاية التعقيد. ظل معبر رفح الحدودي بوابة غزة الوحيدة للعالم الخارجي مغلقاً لأكثر من شهرين متتالين، وكان على أم فوزي أن تترقب أن يُعلن عن فتح المعبر. وذات مساء جاءها جارهم العجوز ليخبرها بأنه سمع بأن المعبر سيفتح يوم غدٍ. في الصباح استقلت التاكسي. ذهبت للمعبر لم يكن معها إلا حقيبة صغيرة بها بضع ملابس اشترتها لأحفادها وبناتها.

كان الجنود الواقفون يحرسون بوابة المعبر يدفعون الناس بقسوة غير مبررة. بعد خمس ساعات تمكنت أم فوزي من وصول البوابة، قدمت جوازها للجندي، تأمله وقال لها إن عليها أن تسجل في مقر الوزارة بغزة ليحجز لها دور في السفر.

لم تنفع كل رجاءاتها ولا توسلاتها ولا سني عمرها السبعين. ذهبت في اليوم التالي إلى مقر وزارة الداخلية مقابل السرايا . قال لها الشرطي أن عليها أن تنتظر المرة القادمة التي يفتح فيها المعبر. أيضاً لم يجدِ نقاشها ولا شرحها بأنها حجزت تذكرة سفر على الخطوط الجوية المصرية، وإنها تريد أن ترى بناتها قبل أن تموت.

في الليل اقترح عليها جارها أن تذهب لإمام المسجد للتوسط لها لدي الضابط الكبير فهو صديقه وكان فيما مضى يصلى خلفه، "لعل المحاولة تنجح". بعد ثلاثة أيام مر بها إمام المسجد مبشراً بأن الضابط وعد بأن يساعدها في الفتحة القادمة للمعبر.

"متى الفتحة القادمة؟"

"يعني نحن والتساهيل بعد شهرين".

خلال الشهرين كانت أم فوزي تمضى يومها إما أمام باب وزارة الداخلية مستفسرة، وإما عند مخفر الشرطة في المخيم راجية أن تجد لها من يساعدها، وإما تنتظر إمام المسجد حين يعود إلى بيته في الحارة عقب كل صلاة. مر الشهران بالطول والعرض بعد أن أكلها الصبر وزادها أرقاً وتعباً وصارت تحس بأظافر الموت في جسدها.

كان لا يفوتها خلال ذلك أن تستمع أربعة وعشرين ساعة لنشرات الأخبار لعلها تلتقط شيئاً عن "فتح المعبر".

في صباح اليوم التالي طرق جارها العجوز باب بيتها ليبلغها بأن المعبر فتح. لم يجد طرقه نفعاً إذ مضت أيام ثلاثة لم يظهر فيها لأم فوزي أثر في الحارة حتى وجدها الجيران ممدة على فراشها وقد حفر الموت بأظافره في جسدها

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع