ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
العشيق الفلسطيني لـ .. غولدا مائير
04/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عادل الأسطة

في نيسان تردّدتُ، في عمّان، على مكتبة 'دار الشروق'. إنها عادة من عاداتي كلّما زرتُ الأردن. وأنا ألقي نظرة على الكتب المعروضة في الدار لفتَ نظري عنوان لافت 'العشيق الفلسطيني' لسليم نصيب. من هو هذا المؤلف الذي لم أسمع به من قبل؟ ولن أُمعن النظر في لوحة الغلاف الأولى ولوحته الأخيرة، ولا أشتري الرواية. كنتُ في طريقي إلى (فاس)، فقلت: وأنا عائد أنظر في الكتاب. وحين عدتُ من فاس لم أُقاوم رغبتي في اقتناء العنوان. إنه لافت.
سأُمعن النظر في لوحة الغلاف: صورة لمحطة القطار في حيفا بين 1920 و1933، مصوّر من الجالية الأميركية (American Colony) في القدس. مجموعة ج. إريك وإديث ماتسن، قسم المطبوعات والصور الفوتوغرافية، مكتبة الكونغرس، 15372 ـ Big – Marpc – Lc . (تبدو البناية حديثة. تبدو المدينة مزدهرة. من أنشأ المبنى؟ من أقام سكة قطار حديد الحجاز. هل المبنى؛ هذا المبنى، هو المبنى الذي رأى محمود درويش أطلاله فكتب، بمناسبة الذكرى الستين للنكبة، قصيدته: 'على محطة قطار سقط عن الخريطة؟' إن كان هو فسيكون هناك نقض لفكرة الصهيونية: أرض خَرِبَة سيجففها المستوطنون الروّاد، فما كان مزدهراً غدا أطلالاً. غدا بقايا. (أتذكّر قصة الزميل أكرم هنية 'دروب جميلة' عن يافا قبل أن تغدو بقايا مدينة. أتذكّر قصيدة راشد حسين عنها أيضاً).
بعد أن أنتهي من قراءة الرواية، في أيار المنصرم، أضعها جانباً، وسأعود إليها لأنظر في ملاحظاتي، وسألتفت إلى ما لم أكن ألتفت إليه جيداً: لوحة الغلاف الأخيرة. هناك عنوانان رئيسيان، واحد عن الرواية، وآخر عن مؤلف الرواية. سأنقلهما، على طول الأول، فلعلّ هذا مهم للقارئ.

العشيق الفلسطيني:
لم يسمع ولدا غولدا مائير، ولا كاتب سيرتها قط عن علاقة سرّية لها مع فلسطيني دامت من العام 1929 حتى العام 1933 ـ أي في الفترة عينها التي تركت فيها كل شيء لتكرّس حياتها لالتزامها الصهيوني، ولم ترد عائلة عشيقها الفلسطيني أن تسمع شيئاً عن علاقة سرّية له مع إحدى أبرز الشخصيات السياسية في كيان العدو. إلاّ أن صاحب البيت الزهري في حيفا كان يحكي قصته لابنة أخته وكاتمة أسراره التي أقصاها أهلها إلى القاهرة في زواج مدبّر، فشاركت خالها غربته عن العائلة الفلسطينية البيروتية التي كانا ينتسبان إليها.
هل هذه القصة واقعية؟ إنها قصة 'شبه مستحيلة'، يقول الكاتب مدركاً أن جوهر الواقع ومكان الرواية يكمنان في كلمة 'شبه' التي تمثل المساحة الصغيرة حيث يحدث ما لا يجب أن يحدث'. إنها قصة حب ممنوع، يسردها لنا الكاتب في إطارها التاريخي، مستعيداً الأحداث والمأساة التي طبعت أرض فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى نكبة 1948'.
سليم نصيب:
ولد في بيروت العام 1946، وانتقل ليعيش في باريس منذ 1969. عمل في الصحافة، وبخاصة في صحف أوروبية كـ 'ليبراسيون' الفرنسية و 'إلْ باييس' الإسبانية. أخرج فيلماً وثائقياً عن المساجين الفلسطينيين والإسرائيليين لـ 'القناة الفرنسية الثانية'، وفيلماً آخر عن إيران لقناة 'آر تي' الأوروبية، وهو يهودي عربي، ما يضعه في موضع نادر للتكلّم عن الشرق الأوسط ومأساة فلسطين. صدرت له بالفرنسية مجموعة قصصية وعدد من الروايات'.
حسب معيار اللغة، الرواية فرنسية، وحسب معيار مكان ولادة المؤلف فهي لبنانية عربية، وحسب الموضوع فهي فلسطينية ـ إسرائيلية. وقليلة هي الأعمال التي قرأتها ليهود عرب على أي حال، وواحدة منها ما زالت تنتظر أن أكتب عنها منذ العام 2008، وهي رواية العربي السوري/ اليهودي ابراهيم الجبين 'يوميات يهودي من دمشق'، وقد صدرت في العام 2007.
هل نحن مُقصّرون بحق روايات وقصص اليهود العرب المكتوبة بالعربية والمترجمة إليها؟ ربما. حقاً إننا نعرف شمعون بلاّص وشموئيل موريه وساسون سوميخ وديفيد تسميح من دراساتهم، لكننا لا نعرف روايات لهم إلاّ ما ندر.
إننا نعرف عن يهود البلدان العربية في الروايات من خلال الروايات التي كتبها أُدباء عرب: إلياس خوري 'مملكة الغرباء'، وممدوح عدوان 'أعدائي'، وأمين معلوف 'موانئ المشرق'، وجاسم المطير 'عاشقان من بلاد الرافدين'، وبعض روايات إحسان عبد القدوس، عدا رواية نبيل خوري 'حارة النصارى'. كتب خوري ومعلوف ونبيل خوري عن يهود لبنانيين تركوا لبنان إلى باريس أو فلسطين/ إسرائيل، وكتب المطير عن يهود العراق، ومثله علي بدر في 'يابا سارتر' وكتب عبد القدوس عن يهود مصر. وقد التفت الدّارسون إلى هذا، لكن ماذا كتب يهود العراق ولبنان ومصر عن حياتهم ولبنان ومصر عن حياتهم في بلدانهم تلك؟ هذا ما لم نلامسه. لعلّه خطؤنا.
ولو لم ألتفت إلى حياة سليم نصيب، وأنا أقرأ الرواية، لقلت: قد تكون محض خيال، ومحاولة لتشويه صورة (غولدا مائير)، أما وأن كاتبها لبناني/ يهودي ويقيم في باريس، فإن الأمر قد يبدو مختلفاً، وقد يتقبّل المرء ما ورد في الرواية. (لا أتذكّر الكثير عن السيدة غولدا. أتذكّر أنها قالت ذات مرة عبارة تتساءل فيها إن كان هناك شعب اسمه الشعب الفلسطيني. أتذكّر أن السيدة كادت تنهار في حرب تشرين 1973. أتذكّر أن لي عمّة كانت تقيم في غزة، كان أبي وإخوانه ـ وربما نحن ـ يمزحون معها وينادونها: السيدة غولدا مائير. وكلما أمعنت النظر في وجه حاكم عربي معين رأيت ملامحه تشبه ملامحها، فأكاد أصدق ما يتداوله الناس من أن جدته لأمّه يهودية/ وما زالت تقيم في تل أبيب).
من هو عشيق السيدة غولدا؟ يرد في التمهيد الذي كتب للرواية ما يلي: 'في نهاية العشرينيات من ق20، كان ألبير فرعون يعيش في لبنان. كان متحدراً من عائلة ثرية فلسطينية، وكان شبه مصرفي، ولكنه في بيروت وجد نفسه في غير مكانه. كانت النشاطات الاجتماعية تضجره، وكانت الأحصنة عشقه الوحيد، كان يعود أحياناً كثيرة إلى حيفا مسقط رأسه التي كانت تبعد مسافة ثلاث ساعات بالسيارة، إلى أن عاد واستقرّ فيها ذات يوم، متخلّياً عن زوجته وولديه. وانتشرت، بعدها، الإشاعة الفاضحة بأن لألبير فرعون عشيقة يهودية في فلسطين تُدعى غولدا مائير'.(ص8)
تقول الرواية إن غولدا مائير كانت متزوجة من السيد موريس مايرسون، ولهما ولدان هما: حاييم وسارة، ولم ترق له حياة 'الكيبوتز'، فهاجر إلى تل أبيب. وعلى الرغم من أن السيدة متزوجة إلاّ أنها كانت تميل إلى الرجال الآخرين، بخاصة قادة الحركة الصهيونية. لماذا إذاً غدا لها عشيق فلسطيني هو السيد الثري ألبير فرعون؟
لا يُخفي راوي الرواية السرّ، فمع تتابع الصفحات يكشفه لنا. في حيفا تلتقي غولدا بألبير، فالأخير كان صديقاً لرئيس البلدية حسن سكري، ورئيس البلدية كان له أصدقاء يهود هم دافيد رِمز وغولدا مائير/ مايرسون. وما إن ترى غولدا ألبير حتى تتذكّر (نوعم بنسكي) اليهودي الأوكراني الذي التقته في بلدتها (ميلودكي) الذي كان في الثالثة والعشرين من عمره فيما كانت هي في الرابعة عشرة، وقد وقعت في حبّه. إن ألبير يشبه نوعم بنسكي.
(... كان اسمه نوعم بنسكي. قامتك وحركاتك نفسها.. والآن، ها هي الابتسامة نفسها. إنه لأمر رهيب) (ص94).
وألبير فرعون مثل رشيد بك في رواية (ثيودور هرتسل) 'أرض قديمة ـ جديدة (1902) يكون مسروراً لمجيء اليهود إلى فلسطين، وهكذا لم يُمانع في إقامة علاقة معهم، بل إنه يفتح لهم في حيفا بيته. وتدعوه (غولدا) إلى بيتها، بالسرّ، في تل أبيب. وهكذا تنشأ العلاقة، وتستسلم له (كالسدّ الذي يتحطّم تحت الضغط. يرتميان الواحد على الآخر، يفقدان أرضيتهما، ويضيعان السيطرة على جسديهما، فلا يعرف أي منهما ماذا يفعل. يتصادم جسداهما ويتمازقان دون تحفّظ'(ص104).
لكن العلاقة بينهما لا تستمر، فمجازر الخليل تبدأ والصراع يحتدم ويشتد، ثم إن أمر عشيقها الفلسطيني لو اكتشف، لأطاحَ ذلك بمبدأ التزامها نفسه، وهكذا تنتهي العلاقة.
هل كان لغولدا حقاً عشيق فلسطيني؟ يقول الراوي: إن مدينة حيفا كانت تعجّ بقصص الحب والغرام بين اليهود والفلسطينيين، وكانت هذه تشيع، فلماذا لم تظهر قصة حب ألبير وغولدا؟ وربما السؤال الأهمّ هو: لماذا كانت هي نفسها تنكر وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني؟!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع