ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - الحلم الكبير والثمن الفادح
04/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

كثيرا ما أعود الى ذلك الفيلسوف الكبير ذي العقل الخارق مؤسس علم الاجتماع بلا منازع وهو ( ابن خلدون )، خاصة في مقدمته الشهيرة التي ما زالت بحرا زاخرا ينهل منه الجميع منذ أكثر من ألف سنة.
لقد حدثنا ابن خلدون عن ( الدهماء ) الذين يدمرون العمران أي الحضارة، وها أنا ذا أتابع مشاهد الربيع العربي، الحلم العربي، وأصاب بالصدمة حين أرى هؤلاء الدهماء (البلطجية ) يوشكون أن يدمروا هذا الحلم، ويحولوا هذا الربيع الى خرائب تتوهج فيها لجج النيران.
والمثير للريبة، أن الحديث عن بعض هذه المشاهد يتم من قبل ملايين البسطاء، وسكان العشوائيات، والشعب الحقيقي، بدرجة عالية من الشجاعة والتوصيف الدقيق بينما يتم الحديث عن المشاهد نفسها من قبل بعض المثقفين، والكتاب، والاعلاميين، وبعض النخب السياسية أيضا بحذر شديد، وبدرجة عالية من النفاق أحيانا، وبنوع من تزوير الحقائق، ولي عنق الأوصاف التي تطلق على الأشياء والأفعال الشائنة.
وكأمثلة على ذلك:
فقد كنت أشاهد بعض الفضائيات المصرية يوم أمس الأول الجمعة، وهي تصف محاولة اقتحام مركز شرطة الأزبكية في شارع الجلاء، حين تحدث أحدهم بمكبر الصوت أمام (شباب الثورة) الموجودين في ميدان التحرير عن وجود قتيل في مركز شرطة الأزبكية، فتجمع عدد كبير من (شباب الثورة ) ودخلوا مركز الشرطة، ورغم أنهم لم يجدوا فيه قتيلا ولا جريحا، فانهم حاولوا احراق المركز بعد أن كانوا أحرقوا شاحنة لقوات الأمن المركزي، وأصابوا عددا من عناصر الشرطة على رأسهم مأمور المركز وهو برتبة لواء!
لا تعليق لي على الحادث نفسه، فكل شيء يخلق نقيضه، وحتى الثورة يمكن أن يولد من رحمها نقيضها الذي يقتلها، ولكن اعتراضي هو كيف تطلق الفضائيات لقبا مفخما على هؤلاء الدهماء، البلطجية، وهو لقب شباب الثورة؟
ونفس اللقب أطلق أيضا في اليوم نفسه على ذلك العدد الكبير من الدهماء الذين أحاطوا بإحدى الصحفيات في ميدان التحرير، والذين اعتدوا عليها أمام الكاميرات بأبشع طرق الاعتداء، ولم يخلصها من بين أيديهم سوى الاغماء وفقدان الوعي، والهمة العالية لذلك الضابط الشاب برتبة ملازم من ضباط الشرطة الذي كاد أن يدفع حياته ثمنا، حين تمكن من انقاذ تلك الفتاة وهي في حالة الاغماء، ووضعها في سيارة أجرة هربت بها من المكان بعيدا.
اعتراضي الأساسي هو كيف تطلق وسائل الاعلام لقب شباب الثورة على أولئك الغوغاء الدهماء، وهي مصطلحات ابن خلدون، التي يقابلها في المصطلحات الحديثة في مصر البلطجية، كيف يطلق عليهم لقب شباب الثورة.
ولكن النفاق المنظم المتعمد يشطح الى ما هو أكثر من ذلك، فقد كنت أتابع أحد البرامج الحوارية على احدى الفضائيات المصرية وسمعت أحدهم يقول دون أن يرف له جفن ودون أن ينتابه أي نوع من الاحراج أو الخجل، أن مصر استردت آخر شبر من أرضها في سيناء (طابا) في عهد الدكتور عاطف عبيد.
اعتقد أن الدكتور عاطف عبيد لو سمع هذا الكلام المنافق فسوف يصاب بالصدمة، فهل يوجد في مصر منذ بدايات استقلالها الحديث في عهد محمد علي الى يومنا هذا عهود باسم رؤساء الوزارات؟
هل هذا نفاق أم غش متعمد، أم انقلاب على الذات يصل الى الحد الخوف والاحتقار والتآمر على الذات.
وسمعت قبل أيام أحدهم يتحدث على احدى الفضائيات العربية عن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وكيف أنه ليس في تاريخه ( ثلاثة وثلاثون عاما من الحكم ) ولو حسنة واحدة صغيرة، مع أن أطفال اليمن الصغار في القرى الجبلية النائية، يعلمهم آباؤهم، أنه في عهد الرئيس علي عبد الله صالح وعلى يديه تحقق قيام أول دولة مركزية في اليمن على امتداد مساحة 657 كم مربعا وهي مساحة اليمن من الحدود السعودية في صعدة الى الحدود العمانية في المهرة، ومن أطراف الربع الخالي حتى شواطئ البحر الأحمر، وأن هذه الثلاث والثلاثين سنة – رغم ما لها وما عليها – هي أطول فترة استقرار في تاريخ اليمن منذ بضعة آلاف من السنين!
وسط كل هذا الصراخ والضجيج، فانني لم أسمع أحدا يجرؤ على القول إن الزعيم الليبي معمر القذافي حذر الملوك والرؤساء العرب في القمة العربية 2008 وهو يعلق على قيام الأميركيين باعدام صدام حسين بيد عملائهم، أن هذا المصير سيواجههم جميعا! وهو ما يتحقق الآن وينطبق أيضا على الزعيم معمر القذافي نفسه.
هناك حلم كبير:
و الأحلام الكبيرة لها ثمن كبير وفادح أحيانا، ولكن المهم أن يستمر الحلم وأن ينجح الحلم، وألا يأتي الدهماء والغوغاء المعاصرين، البلطجية، كنبارس امبراطورية الفوضى البناءة لكي يدمروا كل شيء، كل شيء بلا استثناء، بما في ذلك الحد الأدنى من القدرة على قبول بعضنا والتعايش مع بعضنا.
أنا أيضا:
من الذين لا يحبون الحديث كثيرا عن نظرية المؤامرة واقحام هذه النظرية في كل شيء ولكن محاولة احياء الذاكرة الغائبة الآن، لا أعتبره من قبل الحديث عن المؤامرة.
فالسيد صمويل هننجتون هو الذي تحدث عن صراع الحضارات وليس احدا من العرب أو المسلمين، وصنف الاسلام بصفته الخطر الأول الملح، وأعتقد أن ما جرى في السنوات العشر الأخيرة يحمل على نحو ما بصمة واضحة من صراع الحضارات، ولا أريد التحدث عن الآخرين ابتداء من برنار لويس وصولا الى آخر عضو في الكونغرس الأميركي الذين رأيناهم قبل أيام في مشهد مسرحي مثير للسخرية، وهم ينهضون عشرات المرات من مقعدهم لكي يصفقوا لبنيامين نتنياهو وهو يخبرهم بأنه لن يعترف بقرارات الشرعية الدولية، ولا بالقانون الدولي، ولا بحقوق الانسان، ولا بحق تقرير المصير ولا بأي شيء أخر، ولكنهم كانوا يقفون ويصفقون كأنهم مربوطون بأسلاك صلبة مضغوطة (زنبركات) تجعلهم يقومون بحركاتهم لا اراديا.
الحلم العربي يحتاج الى حماية، وحماية الحلم العربي لا تأتي عبر الاندياح الكامل والاستسلام الكامل أمام هذه الأمواج المتلاطمة من النفاق، لدرجة أننا نوشك أن نتحول في الشوارع والساحات والحواري والأزقة في المدن العربية الى كائنات غريبة لا نعرف بعضنا، ولا نعرف من نحن على وجه التحديد. سمعت أحدهم يقول متفذلكا ومتفاخرا، نحن أمام ثورة بلا قيادات، وآخر أكثر تفاهة منه يقول إن هذه الثورات العربية أعظم ما فيها أنها بلا برامج محددة، وسمعت آخرين يقولون إن الثورة الفرنسية استمرت سبع سنين فيرد عليه آخر بل أربعة عشر عاما فلماذا نستعجل الأمور، يا سلام؟ وهل علينا أن نواصل ما يجري دون أفق حتى يأتي يوم يقايضنا فيه أعداؤنا ان كانت سفينة الدقيق تصل الى موانئنا أم لا.
يا أيها الحلم العربي الجميل ما أكثر أعداءك، ما أبشع أعداءك وخاصة أولئك الذين اندسوا وسط الصفوف من الدهماء المعاصرين، خلعوا فراء الذئاب ولبسوا فراء الحملان.
نعم يجب أن ندفع ثمن حلمنا الجميل المقدس، هذا شيء بديهي، ولكن علينا أن نتأكد ألا يتوه حلمنا الجميل في دروب الفوضى وقطاع الطرق الدوليين وعملائهم من الدهماء المحليين.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع