ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - كثيرة الأرجل.. أم أربع وأربعين
04/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

سَلَخَ عدوان 5 حزيران (يونيو) 1967 أربعاً وأربعين سنة من تاريخ المنطقة والأمة. فما زالت نتائجة ضاغطة بمفاعيلها الكارثية على كل صعيد، بل إن نتائجة لا تزال ماثلة في سيناء نفسها، بعد أن أدى الصلح الأول المنفرد، بين المحتلين وطرف عربي، الى إخلائها من قبل قوات الغزو الغاشم، باشتراطات سياسية، وبرتوكول عسكري، ومحطات إنذار مبكر أمريكية، في أراضي شبه جزيرة سيناء المصرية!
أربع وأربعون سنة، يوحي رقمها بكثيرة الأرجل، أم أربع وأربعين. فليس هناك شأن، في المنطقة وفي العالم، لم تمد نتائج غزو 67 ذراعاً أو رجلاً أو إصبعاً فيه. وقد أحدثت تلك النتائج، للمرة الأولى، فجوة سريعة بين خطاب أيديولوجي يتعلق بفلسطين، وخطاب سياسي كان يتطابق معه. فبدلاً من تحرير كامل التراب، تحولت الرسميات العربية، مضطرة، فيما هي تتعاطى سياسياً مع واقع مختلف؛ الى الحديث عن التسوية والانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة. وبدلاً من انقسام العالم العربي الى محورين، احدهما «تقدمي» أو «ثوري» والآخر «رجعي» أو «موالٍ للغرب» انتقل النظام الرسمي العربي الى حال التوافق على الحد الأدنى، على أن تكف أنظمة الفسطاط الأول عن محاولتها الإطاحة بأنظمة الفسطاط الثاني، وأن يتلقى «التقدميون» معونات «الرجعيين» فيما يشبه الانصراف عن هذه التصنيفات، وأن يساعد الأخيرون، في تقليع الأشواك العالقة بأقدام الأولين، بمجهودات السياسة وبالعلاقات مع معسكر الغرب، مع تقديم بعض مقومات الصمود الاقتصادي، والمتطلبات المالية لإعادة التسلح وبناء الجيوش. وفي ذلك السياق كان على الأولين، أن يثابروا من خلال علاقاتهم مع الشرق، على جلب السلاح بمستوى فني أعلى، ورفع مستويات التخطيط والتدريب والجاهزية، وتهيئة المجتمع واقتصاده وجيشه، لمعارك لا بد منها!
* * *
في ذكرى حزيران (يونيو) 1967 يصعب اختزال الرواية في مساحة كهذه وإن كان تكثيفها متاحاً، بلغة الاستخلاص التاريخي المستند الى كل حيثيات الحكاية الكاملة، ووثائقها، وشهاداتها. ومثلما كان عليه الأمر، حيال كل غزو بعد 67 أو قبله. فنحن ــ في ذلك الحدث ــ أمام مسألتي إسرائيل والبترول والأمن الإقليمي. ففي مصر، بعد العام 56 بدأت تتشكل نواة قوة ربما تكون بديلة للاستعمار القديم، في تغطية الأمن الإقليمي وتأمينه محلياً. وظهرت في منطقة وسط أو قلب العالم العربي، حركة جماهيرية حددت خيارها الاجتماعي والسياسي المناوئ للامبريالية. وفي أطراف الجزيرة العربية بدأ يظهر الحراك الشعبي المناوئ للاستعمار القديم، مستأنساً بالوضع في قلب الوطن الكبير (الشارقة، البحرين، عُمان وجنوبي اليمن) ووقعت الثورة في شمالي اليمن التي أطاحت بنظام الإمامة وانتصرت الثورة الجزائرية. كل تلك التطورات وغيرها، فاقمت قلقاً كبيراً لدى واشنطن، بأن الحركة الثورية العربية المتنامية، تتهدد منابع الطاقة، وتتهدد إسرائيل، وأوشكت على أن تفرض نفسها، كقوة تملأ الفراغ الأمني بعد أن كسرت احتكار الغرب، لتصدير السلاح الى أسواق المنطقة. فعندما يتولى الاستعمار القديم، التغطية الأمنية للمنطقة وأقطارها، من خلال قواعده العسكرية القريبة؛ تنعقد له، من بينها ولاءات يحتاجها لتطبيق سياساته ــ عمليا ــ في مسألتيْ البترول وإسرائيل!
هنا، كان لا بد من نقل مصر (بمشروعها النهضوي والوحدوي) ومعها الأنظمة «الثورية» من وضعية الهجوم الى وضعية الكساح وطلب الغيث، والتورط في تداعيات الهزيمة والاحتلال. كان ذلك ضرورياً بالنسبة للولايات المتحدة المعنية الأولى بهذة الرؤية، وكذلك بالنسبة لإسرائيل بالمحصلة!
تقول الوقائع، إن واشنطن هي التي رأت أولاً، أن غزواً كهذا، لا بد منه على وجه السرعة. وفي ذاك الإطار هيأت المقدمات والخطط والمحفّزات وصاغت الدسائس واشترت ذمماً، وأنشأت صندوقاً مالياً خاصاً لمصاريف المتابعة، في حوزة الرئاسة الاميركية نفسها. كان ذلك منذ العام 1964 وأعطت للعملية الكبرى تلك، اسما مشفّراً هو Catching up The Turkey أي «الإمساك بالديك الرومي» بمعنى اصطياده. وكان الديك الرومي، الذي تقصده أمريكا هو جمال عبد الناصر، ربما بسبب مشيته الواثقة التي يرونها متنافخة!
ومن المفارقات، أن من بين لوازم الاصطياد المترافقة مع فصول التحضير للعملية، ما تكرر في عملية أخرى بعد نحو 23 سنة، لاصطياد صدام حسين في العام 1990 بدفعه الى غزو الكويت: اختلاق وقائع وحيثيات، تبدو خطيرة وحقيقية ومستفزة، بينما هي وهمية ومفتعلة، لجر عبد الناصر الى الحرب، أو الى خطوة تجعل الحرب أمراً واقعاً ومفروغاً منه. الفارق بين تجربتي عبد الناصر وصدام حسين، أن الأول كان على علم بالتوجه العام للخطة، من خلال متابعات استخبارية بعضها بدأ بمحض المصادفة، فكان الرجل يُحاذر ويدحض الأقاويل عن نيته شن الحرب أو القضاء على إسرائيل (بخلاف ما تولى «الإخوان المسلمون» وطفيليون معادون لحركة التحرر العربي ترويجه، لكي يصبح عبد الناصر هو الذي يهدد وهو الذي أراد الحرب). أما صدام حسين (الشهيد لاحقاً) فقد كان أسهل اصطياداً!
وقع العدوان في مثل هذا اليوم، من العام 1967. لم تكن الأسباب الموضوعية للهزيمة غائبة، ثم استحضرتها عوامل مسلكية أو مصادفات واجراءات وسياسات داخلية عربية، مثلما تزعم حكايات وثرثرات سخيفة وسطحية، يسهل ترويجها في الأزمان الرديئة. كانت ثمة فجوة تقنية كبيرة. وكان التوقيت مهماً لكي لا يصل العرب الى سد جزء مهم من هذه الفجوة، فيصعب إلحاق الهزيمة بهم، لا سيما إن اتسع نفوذ الحركة المناوئة للاستعمار. وكان الثقل العسكري المتطور، الذي توافر لإسرائيل، كبيراً، والدعم اللوجستي مضبوطاً على نطاق واسع، أي في دائرة شاسعة، من قواعد عسكرية في البر العربي، ومن البحر، ومن جزيرة قبرص. وكانت سيناء ما تزال خالية تماماً حتى بدء رفع درجة الطوارىء وتسارع التوتر. وكانت أرتال القطعات العسكرية، ما تزال في طريقها الى مسرح العمليات، للتموضع فيه وفق خطة الانتشار، عندما هوجمت في مثل هذا اليوم. ومقابل علاقة عضوية بين إسرائيل وأمريكا، كانت علاقة العرب بالقطب الدولي الآخر (الاتحاد السوفياتي) حذرة وإن كانت في طور الصداقة. وهناك بعض العوامل الذاتية التي جعلت الهزيمة أفدح، من بينها الطابع التنظيمي للقوات المسلحة، وانحسار المعيار المهني لصالح معايير النفوذ والثقة، في المؤسسة العسكرية العربية. لكن تلك العوامل، لم تكن إطلاقاً بمستوى الأسباب الموضوعية بحيث لو أنها غابت فإن الهزيمة لم تكن ستقع. وكان يمكن لعوامل ذاتية افضل تزيد كثيراً من خسائر العدو، لا ان تمنع الهزيمة بل حتى تدمير الطائرات العربية على الأرض، فإن تقييمه العسكري المهني والموضوعي، جعله أفضل مما لو أن الطائرات أقلعت للاشتباك، إذ ستكون الخسارة في الطيارين مع الطائرات!
ولعل من أهم المفارقات، أنه عندما وقعت الهزيمة، التي سمّاها عبد الناصر نكسة (وهذه تسمية أشبعوها سخرية وتذاكياً، وكأن الرجل كان يتهرب من وصفها هزيمة، وليس يشحذ همماً أو يجعلها مجرد خسارة لمعركة، وانتكاسة لأمة تملك مقومات النصر؛ لم تكن أم أربع وأربعين، قادرة على أن تمد سريعاً، أرجلها في مؤخرات ومقدمات المنطقة وأنظمتها، مثلما بدأت تفعل منذ نحو ثلث القرن. نحن هنا لا نكتب شعراً ولا نتوهم. فعندما كانت الطريق من السويس الى القاهرة، خالية من دبابة أو من مدفع رشاش يحمي العاصمة؛ وقف جمال عبد الناصر، في قاعة جامعة القاهرة، مكرراً وقفته على منبر الأزهر في العام 1956 يعلن أننا لن نتخلى عن أهدافنا، وسنأخذ العبرة، وسنبني القوة، وسنقاتل ونتحدى، وقال ما معناه: لقد فعلوا ذلك لكي نخلع من التزامنا بأمتنا، وأقول لهم إننا «رغم النكسة، ورغم احتلال سيناء، لن تخلى عن حقوق شعب فلسطين، لأنها أساس القضية». لم تمض أسابيع، حتى توافرت لنواة القوة المعاد بناؤها، مقومات الاشتباك الناجح، فأغرقت المدمرة الإسرائيلية الوحيدة، واستبسلت في معركة رأس العش عند فم قناة السويس، ثم أصبح هناك في كل يوم، ما يبرهن على عجز أم أربعة وأربعين عن استكمال مهامها. كانت تلك سياسة ومنهجاً، على النقيض من مناهج وسياسات، أخذتنا، بعدئذٍ، الى ما نحن فيه. وللحديث صلة! 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع