ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - في أسبوع حزيران (يونيو) وذكراه
03/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

يُفترض أن تكون مقالات الصفحة الأخيرة، في كل يوم، خفيفة وحلوة المذاق، لا ثقيلة ولا مريرة. إن لم يكن ذلك، بسبب الاختناق المروري في نشرات الأخبار العربية وفي بطون الصحف، فليكن بسبب الحاجة الى محطة استراحة، عندما يُحاول الكُتّاب، جعل «الأخيرة» أخف وطأة، لا سيما في أيام الجُمع!
أقتنص في عطلة نهاية الأسبوع الحزيرانية الأولى، موضوعاً فرعياً، أخف وأبعد قليلاً عن السياق الثقيل، وإن كان غير منقطع الصلة به وبالسياسة. فقد بدا لافتاً أن شريحة من المشتغلين في الإعلام المصري، ممن ركبوا موجة الثورة الشبابية، بدأوا يحاولون بلغة تُضمر تلفيقاً، إيهام الرأي العام بأنهم حصيفون وعميقو دراية وشديدو فطنة، ويريدون إعادة فتح ملفات مهمة، من تاريخ مصر بعد ثورة 52 . وواضح أن غايتهم هي وصل مرحلة مبارك بما قبلها، وصولاً الى تأثيم تلك الثورة التي أطاحت بالملكية، وأسست لشرعية النظام الجمهوري، وراكمت التقاليد الوطنية نفسها، التي استأنست بها مؤسسة الجيش، عندما ساعدت في إنجاح الثورة الشبابية. وبالمحصلة، بدا أن هؤلاء يريدون تأثيم جمال عبد الناصر في موضوع حرب 67 (على طريقة القرضاوي في كتاب قديم، عندما قدّم عرضاً ساذجاً وغير منهجي، لمقدمات الحرب وأسبابها، يجعل إسرائيل مضطرة لأن تهجم، وإلا فإن عبد الناصر كان سيحرقها). وبات واضحاً، أن شريحة التفذلك، تفتش عن إدانة للزعيم الوطني والقومي الكبير، والمناضل الزاهد جمال عبد الناصر، في قضية انتحار صديقه الشخصي عبد الحكيم عامر!
هناك جريدة خاصة (لا أميل الى وصفها «مستقلة») نجحت خلال السنوات القليلة الماضية، في التحصل على موقع مهم في سوق الصحافة، بسبب شيخوخة الخط التحريري للصحف الرسمية، مع اعتماد نمط الإخراج والعنونة، المستلهم من «الغارديان» البريطانية، تكرارا لما فعلته صحف عربية عدة، مهاجرة ومقيمة. وقبل يومين، ظهر رئيس تحرير هذه الصحيفة، مستأنساً بنجاحه في السوق، فتقمص ملامح باحث التاريخ المطلع على وثائق الدنيا، ليستهجن فعلة السابقين الذين تعمدوا التضليل في كتابة رواية حرب 1967 بطريقة مشوهة. وصرح قائلاً ما معناه إن الرواية المشوهة والمنقوصة، غايتها تضليل الشباب والأجيال. وربما خجل أن يقول إن غايتها تضليل الجماهير التي احتشدت في ميادين الثورة الاخيرة. وألمح الشاب رئيس التحرير الى أنه سيفتح الملف من جديد، وأرفق بتلميحه ذاك، ملاحظة مفادها أن رواية انتحار المشير عامر مفتعلة، وهو يريد ــ بهمّة الشباب ــ كشف الحقيقة. وبالطبع سيقبض اليافعون كلام «الأستاذ» وربما يتهيأ بعضهم من ذوي الجَلد على القراءة، للانكباب على الوثائق والمؤلفات، لكي يتعرف على النواقص والألاعيب!
رئيس تحرير الجريدة الخاصة الرائجة، بحديثه ذاك، يتبدى كمثال لمحاولات تزييف الوعي باسم الثورة. ربما هو لا يعرف، أن الذين كتبوا عن حرب 67 استفادوا من وثائق إغراقية، نُشرت بعد استنفاد مدة السرية. وثائق من كل طرف وبلد، ومذكرات جنرالات شاركوا في ميادين الحرب، وساسة تراسلوا وتابعوا وأفصحوا عن المواقف والنوايا. وعلى الصعيد المصري، استفاد باحثون من إرشيف منشية البكري الرئاسي، الذي يضم أوراق جمال عبد الناصر ومراسلاته، وغير ذلك من شهادات الشهود ورواياتهم!
* * *
وربما لا يعرف رئيس تحرير الجريدة الخاصة الرائجة (وهي ذات جذر حزبي ذي شكاية من ثورة 52) أن الذين كتبوا وأدلوا بشهاداتهم حول انتحار المُشير عبد الحكيم عامر، من موقع المشاركة والاطلاع وحضور المقدمات، كثيرون. ولعل الشهادة الأهم، جاءت من رجل كان ــ لُحسن المصادفة ــ يهجو جمال عبد الناصر بعد رحيله، متأثراً بموجة طغت في السبعينيات. هو النائب العام للجمهورية المستشار محمد عبد السلام (أو المدعي العام الاشتراكي في يوم انتحار المُشير). فقد نشر عبد السلام، كتاباً حاول فيه تشويه تجربة عبد الناصر، لكنه قدم وصفاً دقيقاً، يؤكد على واقعة الانتحار التي عاينها بنفسه!
ومن المفارقات، أن العودة الى هذه التلميحات، تأتي في سياق يتسم بالجهل، وكأن نحر المشير عامر ــ لا انتحاره ــ جاء كمؤامرة لإيقاع الهزيمة بمصر، عن طريق حرمانها من مواهب القائد العسكري المصري المثيل للجنرال الروسي جوكوف، في الحرب العظمى الثانية!
إن هؤلاء لا يعرفون من تاريخ الحرب سوى أنها وقعت في العام 67 مع خطوط عامة واختزالات مُخلّة. ولا يعرف هؤلاء أيضاً، أن حزن جمال عبد الناصر الشخصي على رفيق الصبا، لازمه حتى موته!
* * *
أكاد أرى في مأمون فندي، قائداً لجوقة «الخربشة» على حقائق التاريخ المعاصر، وعلى تجارب قادة حركة التحرر العربي المعادية للاستعمار. هو يسوّق نفسه كأحد النجوم المصريين الذين بلغوا العالمية: عمر الشريف في السينما، وزويل في الكيمياء، ومحفوظ في الرواية، ومجدي يعقوب في جراحة القلب، ثم هو (فندي) في الصحافة والشطارة. قبل أيام أدان «الجزيرة» بغير حق لأنها كشفت عن جثة الطفل السوري الضحية حمزة الخطيب. تناول القناة لأنها انقلبت على نظام الاستقرار الذي تريده أميركا في الشرق الأوسط.
الطريف، إن فندي هذا، كلما طرح معلومة، فإنها تصبح جزءاً من ثقافة المعجبين به. هو يتشفى بزعماء حركة التحرر وفي القادة الذين ناصبوا أميركا العداء. ففي يوم إسقاط تمثال الشهيد صدام حسين، استعاد مرة أخرى، ما كتبه ــ مخالفاً للوقائع ــ عن شماتة أم كلثوم في جمال عبد الناصر، بعد حرب 67 وقال إنها غنت لتهجوه بقصيدة «الأطلال» التي كتبها ابراهيم ناجي وقالت «كان صرحاً من خيالٍ فهوى». الحكاية الكاذبة، كررها ـــ للغرابة والأسف ــ الناقد المصري جابر عصفور، في مقال لمجلة «العربي» الكويتية. يومها عرفت أن زميل الكتابة في «القدس العربي» قد تسمم بثقافة سطحية، ربما هي التي أوصلته الى الاستوزار، قُبيل سقوط مبارك بأيام فأضاع نفسه. وحتى الكاتب والناقد السوري الفذ صبحي حديدي، تعاطى مع المعلومة منوّها الى أن الشاعر كتب القصيدة في الربع الأول من القرن العشرين، ولم يكتبها بسبب هزيمة 67 بل إن الرجل نفسه توفي في العام 53 ولم يتنبه صبحي حديدي الى النقطة الأهم. ففي الواقع، إن أم كلثوم أنشدت «الأطلال» في كانون الثاني (يناير) 1966 أي قبل حرب حزيران بنحو ستة عشر شهراً، ولم تكن سيّدة الغناء، تقصد شيئاً عن حرب لم تقع بعد، وعن زعيم ملأ الدنيا وشغل الناس!
في المساء الأول للقصيدة، بصوت أم كلثوم ولحن السنباطي، تدرب الفتى الذي كُنت، على امتطاء أمرين بديعين: اللغة والرومانسية. أما ما فعلته أم كلثوم، فور وقوع الهزيمة، فقد كان في الاتجاه الآخر، منسجماً مع كل ما فعله الرافضون للهزيمة والمفعمون إيماناً بطاقات الأمة، وهو الحث على القتال، وشحذ الهمم، وتجديد الثقة بالنفس، وبوطنية جمال عبد الناصر، وبقدرته على التحدي، وعلى قيادة عملية بناء القوة وأخذ العبرة. وهذا ما سنبدأ به حديثنا في أسبوع حزيران (يونيو) وذكراه!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع