ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
قبل وادي الذئاب
03/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : وليد أبو بكر

في زياراتي القديمة المتكررة لتركيا، بسيارة خاصة في الغالب، تعرّفت على الناس البسطاء، في بعض القرى التي كنت أحبّ أن أمكث فيها أياما. كنت أشعر بأن هؤلاء الناس، الذين دخلت كثيراً من بيوتهم، هم في واقعهم اليومي، الذي غيّب عنا طويلا، ما زالوا مرتبطين بنا، ويعتبرون قضايانا الأساسية جزءاً من قضاياهم، على الرغم من كلّ محاولات الفرقة والتغريب، منذ العقد الثاني من القرن الماضي.
وإذا كان الدين يشكل جزءاً من هذا الارتباط، باعتباره عنصرا أساسيا في مكونات الثقافة، فإن حياة مشتركة لقرون من الزمن، بالرغم من كلّ ما شابها من مظالم، ظلت تحافظ على رابطة ما، أو تقوّيها، أو تصبغها بعاطفة إنسانية، تظهر بشكل عفوي، حتى على المستوى الفرديّ، وكأنّها نوع من الحنين إلى هذه الأرض، المقدّسة من ناحية، والرائعة من ناحية أخرى، وربما الحنين المتوارث إلى ناسها أيضا.
بسبب هذه المعرفة، لم أفاجأ بالمواقف التركيّة الأخيرة من القضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، بعد أن تضاءل التأثير الغربيّ، أو موجة التهافت نحو الغرب، التي عرفتها الحياة السياسية التركية، تحت ظلّ العسكر، (كما تعرفها بعض دول أوروبا الشرقية الآن)، وهو تأثير يقيس درجات نجاح الدولة، أيّة دولة، بمدى ما تحققه من رضا إسرائيليّ عنها، أو من خلال علاقتها بالوجود الصهيونيّ على أرض فلسطين. لكنّ هذا القياس المؤقت لم يستطع أن يجتاز سطح الحياة، ليلامس أعماق الإنسان التركيّ، أو يصبح جزءا من ثقافته.
وربما بسبب هذه المعرفة، تابعت أسطول الحرية بشغف، ووجدت في سفينة مرمرة، التي اعتدى الاحتلال عليها وعلى من فيها، تجسيدا لهذه العلاقة المتأصلة لدى التركيّ البسيط، خصوصاً عندما يشعر بأن هناك من يحتاج إليه؛ ففي بلاده كان يسرع إلى نجدة السيّارة، إذا شعر بأنها توقفت بسبب عطل، ولا يتأخر في توفير حليب الأطفال، حتى ولو كان عزيزا.
كلّ ذلك كان حقيقيا قبل أن يأتي فريق من المغامرين للانتقام ممن قتلوا المتضامنين على سطح مرمرة، في فيلم (وادي الذئاب ـ فلسطين). وهذا الفيلم لم يستطيع أن يصوّر عمق العلاقة بين الفلسطيني والتركيّ، لأنه تعامل معها بسذاجة لا يقبلها الواقع، ولا ترضي الذوق الفني، حتى مع تصوّر أعلى درجات حسن النية لدى الذين وقفوا وراء عمله.
قادني إلى مشاهدة الفيلم، في عمّان، نوع من الشعور بالواجب تجاه عمل تركيّ يحمل اسم فلسطين، ويتحدّث (قليلاً جداً) عن عملية إنسانية أرادت فكّ الحصار عن أهل غزة، فارتكب الاحتلال في حقّّها جريمة ضدّ الإنسانية. كانت لدى الفيلم فرصة أن يركز على قضايا أكثر عمقا، وأن يعرض صورة لبشاعة الاحتلال، لكنه اختار دافع الانتقام كمحرّك للفريق المغامر، بدلا من الدافع الإنسانيّ الذي يهدف إلى الكشف عن جريمة. ولأن الدافع كذلك، فقد أصبحت المغامرة هي الهدف، وتحوّل الفيلم إلى مشاهد مليئة بالرصاص، تذكّر بأفلام البطولة الأمريكية الخارقة، إنما في تقليد لها.
طيلة الفيلم، وأنا أحاول أن ألتقط مشهدا يمكن أن يثير تعاطفا مع القضية التي أراد الفيلم أن يعرضها، لكن ذلك ظلّ عصيا، رغم حجم الابتزاز العاطفي الذي لجأ إليه. كان بعض ما عرض يصوّر جزءاً من الواقع الذي يفترض أن يثير الغيظ، مثل هدم البيوت وتشريد الناس وقتل الأطفال والاعتقالات الجمعية، ولكن وضعه وسط هذه البطولة غير الواقعية جرّده من القدرة على التأثير، واستثمر القضية كوسيلة للتسويق.
علاقة الفلسطينيّ بالتركيّ العاديّ، في قريته وفي مدينته، أقوى بكثير مما عرضه ضجيج الفيلم الذي يذكر بأفلام قزّمت القضية الكبيرة في خمسينيات القرن الماضي. وعلاقة القضايا العربية بالتحوّل الذي يستمرّ في تركيا، أعمق بكثير من محاولة فيلم عابر أن يقول فيها شيئا، فلا يكاد يقول.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع