ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
فهمي هويدي ونظريّة “الفيل في المنديل”
02/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : فاروق وادي

قد تكون قضايا الفنّ والإبداع، من الشواغل الهامشيّة للكاتب الإسلامي التنويري، الغزير والنشط ودائم الحضور، الأستاذ فهمي هويدي. غير أن الكاتب أراد مقاربة الموضوع في تداخله مع الشقّ الذي يعنيه ويلامس اهتماماته، ونعني السياسة.
في بداية مقاله الذي حمل عنوان “نريدهم أبطالاً في الفن” (“الشروق” 16 أيار 2011)، خالف هويدي وصفنا له، أعلاه، بالتنويري، ليطرح نفسه كمفكِّر إسلاميّ لا يخفي انحيازه الأعمى للإخوان ولفكرة الدولة التي يمكن أن يقيموها بمواصفاتهم، ساخراً من رأي للمخرجة إيناس الدغيدي ترى فيه أن مهمتها هي محاربة الدولة الدينيّة.
ولا أدري كيف قفز مفكر، في حجم فهمي هويدي، إلى نتيجة بالغة الغرابة، ترى أن مثل هذا الرأي يمكن أن يشكِّل، وفق تعبيره “أول ضربة موجعة تتلقاها الدولة المدنيّة”. فهل في محاربة فكرة الدولة الدينيّة، والتصدي للقوّة الساعية إلى إقامتها (ونعني الإخوان المسلمين)، ما يمثِّل اعتداء سافراً على الدولة المدنيّة؟!
ويُبدي هويدي استغرابه، بل وسخريته، من قول الدغيدي من أنها ستترك مصر إذا ما تولّى الإخوان السلطة فيها. وهو حقّ من حقوق أيّ مواطن إذا ما شعر بأخطار تتهدده من السلطة الحاكمة، وهو أضعف الإيمان في تعبيره عن رفض تلك السُّلطة، وأقلها تأثيراً.
الأغرب أن هويدي، وفي مهرجان سخريته من المخرجة المتمردة على القوى والأيدولوجيا الدينيّة، يسخِّف قولها من أن “الإخوان استولوا على الثورة”. وإذا كان تعبير “الاستيلاء” قد خان السيدة الدغيدي، فإن واقع الأمر لا يُخفى على عينيّ ووعيْ من يريد أن يرى. فالإخوان، الذين طمحوا منذ انتصار ثورة 25 يناير لأن يحلّوا مكان الحزب الوطني الفارط، مع مواصلة رفع نسبة طموحاتهم بالسيطرة على مجلس الشعب القادم، وبالتالي على الحكم، والعمل على طرح أنفسهم على المجلس الأعلى للقوات المسلّحة بأنهم القوّة المهيّأة للإمساك بشؤون مصر (وقد تحالف الطرفان لإفشال جمعة الغضب 27/5، لكنهما باءا بفشل ذريع)، ناهيك عن إقامة مقرات تضاهي مقار الحزب الحاكم المندثر، والتصرف كما السلطة قبل أن يبلغوها، شكّلوا، بحكم تجربتهم التنظيميّة، وتغلغلهم في شارع متديِّن، القوّة الأولى على السّاحة التي “استثمرت” الثورة، ولا نبالغ إذ نقول إنها، بسلوكها وعنجهيّة قادتها، تكاد تنسبها إلى نفسها. كلّ ذلك لا يراه الأستاذ هويدي، ولا يريد أن يرى الخلل سوى في تعبير الدغيدي، وفي نيتها محاربة الدولة الدينيّة!؟
وأن يختار الأستاذ هويدي شخصيّة فنيّة معادية لأصحابه من الإخوان ولمشروعهم السياسي والأيدولوجي (وإن أحجمت عن دعم الثورة)، ويطرح الموضوع من خلالها، فهو حقّ من حقوقه، لكنه في الوقت نفسه يمثِّل إشارة إلى انتقائية تناهض الموضوعيّة، وتطمح إلى الهجوم على تلك الشخصيّة والدفاع عن الذين عادتهم، وليس لأنها عادت الثورة نفسها.
ومثل هذا الاختيار، فيه قفز عن نماذج أوْلى بالطّرح. فعادل إمام كان أجدر بذلك، فهو الفنان الأهم على الصعيد الإبداعي. وهو الفنان الذي كان خطابه الفني يوحي بالتمرُّد والثورة. وقد واجهت أفلامه طيور الظلام من قوى التطرف الديني، وإن تجنّب التطرُّق إلى الإخوان المسلمين أنفسهم على وجه التحديد، أو نقدهم. وهو على الصعيد السياسي لم يخف انحيازه إلى الأسرة الفاسدة التي أسقطتها الثورة، وتبنّى عار التوريث في عائلة مبارك، وصادقها. بمعنى آخر، فهو الفنان الذي يشكّل النموذج الأبرز للحديث عن الفنان والثورة وسقوط السياسي فيه، ويتجاوز في أهميته وسطوعه النموذج الذي اختاره هويدي.
وإذا أردنا أن نتناول نماذج فنيّة أقل قيمة، ولكن أكثر سطوعاً في عدائها السياسي، وأكثر ولوغاً في الخطاب المعادي للثورة، المغرق في انحطاطه (وهو انحطاط لا ينبع من معاداة الثورة في الأساس، وإنما من أسلوب الخطاب العدائي نفسه)، فإن إمامنا الكوميدي البائس طلعت زكريا، الذي شاء أن يكون وفياً لمن أمر بعلاجه من أموال شعب اتهمه زكريا بالزِّنى، وكان سيِّده شرّفه بلقاء خاص بعد أدائه دور “طبّاخ الرئيس”. وكنّا سنتفهّم موقفه المنحاز، لولا بلوغه درجة “رمي المحصنات الغافلات”، والادعاء بأنه تسلّل إلى ميدان التحرير، فرأى أوكاراً يمارس فيها الجنس وتُستهلك المخدرات. وهنا نتجرأ على طرح السؤال وفق الشريعة الإسلاميّة: هل شهد الممثِّل البائس اللقاءات الحميمة، يرافقه ثلاثة شهود آخرين، فعاينوا الأمر، ورأوه كما المرود في المكحلة، أو كالرشا في البئر؟!
أما النموذج الآخر، الذي لا يقل تهاوياً، فهو سماح أنور، التي لا ندري إن كانت قد حظيت بمنحة علاجيّة “مباركة” من أموال الشعب أيضاً. وبصرف النظر عن الإجابة، فقد طالبت أنور بإحراق ميدان التحرير، بمن فيه من شباب مصر الثائرين؟!
لم يُدِن فهمي هويدي مثل هؤلاء الفنانين، أو هذا التيار، بل عبّر عن عدم استساغته إدانتهم، لأن من يُدان، في عرفه، هو من يمسّ الإخوان. فمثل أولئك الذين أشرنا إليهم “لا ينبغي أن يوجّه إليهم اللوم إذا تبيّن أنهم وقعوا في خطأ سياسي، بما يؤدي إلى اغتيالهم أدبياً وفنياً”. فاللوم والنقد لا يليقان سوى بأمثال إيناس الدغيدي، وبأخطائها غير المغفورة!
أمّا آخر الإفتاءات الفنيّة للمفكر الإسلامي فهمي هويدي، فهي التوجه إلى الفنانين للكف عن الإفتاء في السياسة، وأن يذهبوا ليلعبوا بعيداً من أجل أن يقدِّموا “فناً نظيفاً”.. “راقياً”.. و”ممتعاً”، وبذلك “يؤدون ما عليهم وزيادة”!
يُدرك المفكِّر السياسي فهمي هويدي أن كلّ دعوة للابتعاد عن السياسة، هي نفسها دعوة سياسيّة، إقصائيّة، تستفيد منها أطراف سياسيّة معيّنة. ثم إن بلوغ الفنّ الراقي والنظيف والممتع، لا يمكن أن يتمّ دون توافر فنان قادر على امتلاك رؤية فنيّة سياسيّة متقدِّمة، تقف مع حرية الإنسان وكرامته وحقوقه وتوقه إلى التغيير، وقادرة أيضاً على أن تخلق المعادلة الصعبة بين الفن والسياسة، وأن تدافع عن قيم الحق والخير والجمال.
أمّا الرهان على من يدّعي الرؤية، دون أن يكون شاهداً حقيقياً، ومن غير أن تتسنّى له رؤية مرود أو مكحلة، فإنه لن يكون قادراً على إنتاج فنّ راقٍ ونظيف. إلاّ إذا آمن السيد هويدي بنظريّة في علم الجمال، تنهض على مقولة “الفيل في المنديل”!؟

فاروق وادي

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع