ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
لماذا ترك الله حماس؟/ كتب د. جمال نزال
30/05/2013 [ 06:27 ]
تاريخ اضافة الخبر:

فلسطين برس,

في عام أيلول 1994 حطت الطائرة بمطار كورك الإيرلندي ليلا وأنا قادم على متنها من ألمانيا عبر دبلن في إطار بعثة من الجامعة لإمضاء عام دراسي في إيرلندا الخضراء. حلم صار. كان منظر خلجان إيرلندا الرصاصي بساعات الغروب بلحظة الهبوط خلاب يبعث إحساسا أخاذا. ومرآه يخطف البصر من لين وداعة تضاريس تلك البلاد العذراء. تذكرت الشاعر الإيرلندي الذ فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1995 شيموس هيني. وهو من شدة ولعه بالأرض أول من جعل من غزله فيها شيئا ذا بعد جنسي وشبه الحراثة والزراعة والإخصاب والإيناع والقطاف والحصاد بعملية ممارسة الحب أي المباشرة الجنسية بين الإنسان والأرض كما بين الذكر والأنثي! كنت على موعد مع إقامتي الأولى في بلد لا يوجد به فلسطيني سواي!! وذلك إحساس ماجلان الفاتح. هكذا أحلام المراهق يكتشف بلدا جديدة. ومن المثير أن تحلق فوق مدنة لم ترها من قبل. وهو في شعر هيني لو قيل فسيشبه الليلة الأولى. لكني لم أكن الفلسطيني الأول. فسرعان ما تعرفت على خباز فلسطيني في منتصف عمره وإسمه يوسف قندلفت. من حيفا. تبا! خربت! لست الأول هنا. ولكنه أكد لي أن محاولة اصطيادي رقما قياسيا لم تفشل بشكل كلي. فلا ثالث لكلينا من فلسطين في مدينة كورك- بعد. تبين أن هذا أيضا غير صحيح بحمد الله. (إن كان حيا أو ثمة من يعرفه فأرجو الإتصال!)

نزلت في المطار ليلا ولم أكن أعرف في كورك أحدا وليس في جيبي سوى قليل من الجنيهات الإيرلندية هي ثمن جهاز التلفزيون الذي بعته لكي أجمع كل مع عندي في هذا الحج الأكاديمي المروم.

العاشرة صباحا كورس للأدب الإنجليزي عن آباء الكنيسة الأولين وواضعي تعاليم الديانة المسيحية بالمذهب الكاثوليكي. (الإيرلنديون يعتبرون حب الوطن جزءا من الإيمان بالله ويعتقدون بأحقيتهم في الدفاع عنه بالقوة المسلحة كحق يقين). يوهانس كالفين هو أول آباء الكنيسة الكبار الذين درست. المذهب الكالفيني (كالفنزم) يقوم على مبدأ نفي أي دور للمصادفات بوقائع الكون وتقلبات الدهور. كل شيئ مرتب وفق إرادة الله. لا صدف. لا فراغ. لا عبث في نواميس الكون. وهذا الطائر على قمة الشجرة حط للتو في تلك الحظة بالذات لكي تخرج من (قبيل التوليف الإلهي) دودة من جحرها في نفس اللحظة يترصدها بعينه فيطير صوبها وتكون غداه! إرادة الله. أذهلني ذلك التقاطع المتين مع عقيدة المسلمين الذين يقولون: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانانا وعليه فليتوكل المتوكلون. ويعتقدون باللوح المحفوظ.

خرجت من المطار ووصلت وسط المدينة إلى بيت مبني للتو وطور التشطيب في 4 عمارات طلابية صغيرة متجاورة بينها ساحة وبيوتها بلا أرقام. لم أعرف اين تقع ابارتمنت رقم 7! ومن الساحة طلبت من التاكسي الذي اوصلني من المطار بظلام الليل أن ينتظر.. رأيت ضوءا وفي شقة أرضية يطبخ فيها طلاب.. سألتهم من وراء الزجاج: هذا المنزل هو دينس هول؟ لم يسمعوا. وخرجت فتاة قادمة من إيطاليا قالت أنها وصلت كورك بالامس فقط من أجل البعثة. وسالتها كيف الطريق مشيا من هنا إلى الجامعة. أول شخص تحدثت إليه في كورك بأيلول 1994. وأشارت لي بيدها إلى حيث تقع تلك العمارة وعادت تكمل سهرتها مع زميلاتها.

منذ 1994 اجتزت من حياتي سبع بحور كما أي إنسان. ولكل بحر قعر. وجاء العام الأصعب. 2006. وقعت السماء على الأرض. فازت حماس (التي لم تكن لحقت أن تنطلق) على فتح التي كانت قطعت كل الصحاري والأودية والبحور والقارات والفصول وقمم الجبال طالعة من حرب داخلة في حرب أعتى في طريقها لتخليص الأميرة..وصلت فتح من تونس وقتلت التنين ثم دخلت المغارة لتقبل الأميرة العذراء. طرق راسها بباب المغارة ودخلت عند الأميرة فوجدتها في الفراش مع الفارس المخلص اسقطته "قناة الجزيرة" على مخدع الأميرة النائمة إسقاطا بالمظلة! فارس غير جدير لا فروسية فيه خلقا ولا خلقة. ولكنه وصل أولا رغم أنه انطلق في مسيره بعد انطلاقنا بثلاثين عام.

كانت ليلة طويلة بانتظار النتائج عام 2006.. سهرت حتى الثالثة صباحا لوحدي والفتحاويون يحسبون مئوي! وبعضهم يعرف ما سيجيئ. وكان في حدود التاسعة مساء قد أطل احد متحدثي حماس لاحقا من الضفة الغربية بالجزيرة للمرة التسعين خلال اسبوع واسمه فرحات ياسر أو شيء كهذا وكنت استلطف طلته وقال: صحيح أن النتائج الأولية لم تظهر ولكن لدينا معلومات ونرجوا ألا "يتفاجأ" أحد بحجم فوز حركة حماس. الدوائر قاتلة. ولو كانت نسبية لفازت فتح!! خطأ تقني اذا!!

بل هو الترتيب الإلهي كما سيقولون.

كنت أبعد ما أكون عن الترحم على يوهانس كالفين..أي عبقرية في ترتيبات القدر هذه؟ أيكون القدر هكذا نصف حمار؟؟ يجلب تطورا يدمر البلد ويشق صفوف الناس في أرض الرباط؟ أي رباط بعد الآن. يا فرحة شارون! وكيف وقع الناس في ذلك؟ أين ذاكرتهم؟؟ أيقتل من فتح في عام 1982 أكثر من 5000 مقاتل ثلثهم أولاد عمي لتفوز حماس الصغيرة بالإنتخابات؟

لقد وجدت فتح في بحثها عن الأسباب ستمائة وخمسة وسبعين سببا ذاتيا لتلك الخسارة. لكن عاملين خارجيين لعبا دورا كبيرا في "تفويز" حماس الكارثي. وهذان هما إسرائيل وتغطية قناة الجزيرة. وشيئ آخر...صحافيون من أمثال مها الرمحي.. نعم هذا ليس خطأ مطبعي. في ندوة للعربية من رام الله عاتبتها في استراحة منتصف الندوة التفزيونية.. لماذا تمالئين حماس هكذا؟؟ ولم أعطيتها فرصة كبيرة؟؟ فقالت وحمرة شفاهها تسيل على أسنانها وشعرها "منكوش" وكحل عينيها يجعلها نصف كليوبترا علمانية عصرية متلفزة كأنها في منهاتن "ب دكولتيه" مفتوح: مزبوط بس أنا بدي حماس!!

والله كذلك يريد حماس. فقد أعلنت حماس أن فوزها هو إرادة الله. وأنها ستشكل حكومة ربانية لا تخطئ وكل من عارضها عاص. اعتاص أمر فلسطين وانقطعت الأرزاق.

قبل الإنتخابات بأسبوع شاركت في 2006 بمناظرة ببرنامج الإتجاه المعاكس للمرة الثانية. وكانت مع المحرض السفيه إبراهيم حمامي. قال لي نبيل شعث قبل سفري إلى الدوحة وكنت مستشار الحملة الإنتخابية يا تعسي وبؤس الحال: "إوعى تنتقد حماس!!". من ينتقد حماس ينتقد المقاومة. وكانت هذه بالفعل نظرة الناس لحماس..لا تخلو من تأليه صنعته الفضايات. حركة مقاومة متقشفة. لا سلطة ولا سيارات ولا مفاوضات ولا مهادنة ولا سياسة ولا مصالح. بل حركة مستهدفة ومستضعفه تتألف من لفيف من الهبلان السياسيين لا راحوا ولا جاؤوا ولا تلوثت أيديهم بالدماء بل صبروا على ظلم الغير. طوابير من الإستشهاديين وهم في طريقهم السرمدي إلى للحواري العذراوات الجاهزات لا يلوون. على شيئ وهم صعود بأشلائهم إلى سلم طويل يوصلهم أعالي السماء لا يهبطون إلا على بساط أحمر وفي استقبالهم الصديقون والأنبياء. وقد يسمح لياسر عرفات أن يسترق النظر إليهم من وراء الأكمة وهم ضيوف الشرف على ملك السماء. هكذا كانت صورة حماس قبل الإنتخابات.

كانت تلك نظرة الناس لحماس التي لم يسمح لي بانتقادها في مناظرة تلفزيونية حاسمة ظل طعمها المرير يحوس في حلقي حتى لفظته حمما في وجه نفس الشخص في 25 كانون ثاني 2011 أي سيئ الصيت إبراهيم حمامي. لم يكن مسموحا لي في 2011 أن أنتقد حماس. بل واجب علي. بل غني أحسست أن تعريتهم تقربني إلى الله ولي المؤمنين. وفعلت. لم يكن ثأري الشخصي بأي حال. لكن الحصون المعنوية لمواقف حماس كانت مستباحة في عيني بعد أن فارقت حماس كل ثوابتها. واستبدلت ثوب القديس الطهور الوضيئ المتجرد المصداق العابد الساجد المتوحد المعتكف المتهجد الوقور الصبور المتقشف المتصدق المغوار المتلهف الواعظ المقل من الكلام المقدام الودود اللطيف المؤمن الطهور ... ألخ و(غير ذلك من مرادفات أسماء الله الحسنى) بأشياء أخر.

دخلت حماس في صراع مع السلطة الوطنية تقطع عليها سبل التسلح! وتختطف ميليشياتها شرطة فلسطين وتغتال من رجال الأمن الوطني وتذبح من متدربي حرس الرئيس في معسكر قريش في طريقها إلى الإنقلاب الدموي الذي قتل فيه 700 رجل من فتح 63 منهم يحملون أحد أسماء الرسول محمد ص. سيطرت حماس بالقوة على قطاع غزة ونهبت أبواب وشبابيك ومكاتب وأسلحة ومركبات وذخائر وأزياء وأختام وأوراق وحبر وماء وشاي وقهوة وكراسي السلطة الوطنية التي هي مال الشعب. أوقفت حماس المقاومة كليا وانخرطت في هدنة مستمرة لا تخترق إلا عندما يروق لإسرائيل. تركت حماس المقاومة ودخلت في هدنة لمدة 199 عام. بدون مقابل إلا سكوت الإحتلال عن بقائها في الحكم تحمي الحدود. دخلت حماس ومن مصر وتركيا وقطر بمفاوضات سرية مع إسرائيل سقفها دويلة غير مستقلة في مساحة 42% من أرضينا المحتلة منذ عام 1967 باستثناء القدس ومع بقاء الإستيطان. تراجعت حماس في ساحل غزة بموجب اتفاق الهدنة الأخير مع إسرائيل ستة أميال بعد أن كانت السلطة وسعت هامش حركة الصيادين إلى مدى 12 ميل.

وتقف حماس المهادنة منذ 5 سنوات بلا مقاومة وبلا تنمية وبلا مطار وبلا معابر مفتوحة وبلا أفق سياسي ترتعد فرائصها من المصالحة التي تمر عبر الإنتخابات. قل كحولا سيشربون وقل دماءا سيريقون وقل كذبا سيفترون وقل تهريبا سيهربون وقل هدنة سيقعدون ولكن لا تقل انتخابات! سيرفضون. منذ الإنقلاب خسرت حماس 126 جولة انتخابية في النقابات والجامعات وحظرت الإنتخابات في غزة!

حتى اليسار فهم حماس. بعد أن كتبت قصائد جورها على قفاه البليد. لن ينس أحد أن كتاب اليسار في عام 2006 ومعهم بعض كتاب فتح قد صعدو إلى قمة الجبل وصارو "يشوبشون" ويشعوذون تهليلا لقافلة حماس القادمة من العصر الحجري بحلة الطالبان. أشعلوا الدخان ورقصوا ونادوا حماس حماس.. فنجحت وسكروا ثلاث ليال فرحين. ثم وصل موكب حماس وهم يرقصون باسطين اذرعهم لعبطة العمر مع حماس. فترجلت حماس وتوجهت إلى عرش الحكم مترفعة عن مصافحة من تسميهم الفصائل المجهرية من باب الإحتقار. وقبل اسبوعين أوسعت ميليشات حماس جماعة من الشعبية ضربا ورفسا ومنعتهم من الإحتجاج على الهجوم الإسرائيلي على سوريا! لم يصدر حتى ربع شجب من اليسار بل تمتموا بعبارات خاتمتها شيئ ك "ستين ألف..". حتى اليسار بدأ يعي حماس كما هي لولا أن بعضه يود التحالف معها في الجامعات ضد منظمة التحرير. لكن يا حسرة.. فإن علو الأرقام التي تحققها فتح تحرم اليسار الفقير حتى من ثلث فرحة يتمرجح بأهدابها ويلعب لعبة الحبلين هنا وهنا.

وفي هذا العام أيضا خسرت حماس كل الإنتخابات التي تجري. في حماس يعتقدون أن برشلونا قد وشى لفتح بالمشروب السحري للفوز الدائم. الللللعنه! وآخرهزائمها في الجامعة العربية الأأمريكية. صفر صوت لحماس. كل صوت لفتح! أقصد 22 مقعد لفتح. 8 مقاعد ل... ح..م..ا......س! إنهيار القواعد الشعبية لحماس مردود إلى أن حماس لا تملك طريقا في الحكم ولا في المقاومة ولا في خلق التعامل. حماس في زاوية الخاسر. وهنا نعود إلى الله تعالي.

إن كان المولى وفق تفسير حماس هو الذي أراد نجاحها في 2006 فلماذا أراد تحطيمها بهذا الشكل في ما بين 2006 و2013 من أعوام؟ لماذا يخسرون كل يوم ؟ أهم مصلوبون وقد هجرتهم رحمة الله والطير يتخطفهم ويأكل من رؤوسهم مقمحين؟ إلهوي إلوهي.. ليما هاغرتاني؟

لمذا هجر الله حماس؟؟ أهو القدر؟؟ أهو الترتيب الرحماني؟ باللوح المحفوظ؟ كموعد الطير مع الدودة وصاحب النصيب؟ لماذا يرا الشعب أن الطريق مع فتح؟ لماذا نفوز في كل انتخاب؟ نحن أيضا نقول: تكبير!

حماس ضلت الطريق. أبو مازن يعرف الطريق. وفتح نصف الطريق..

خسارة حماس المتتالية في رأيي ليست بمعزل عن أرادة ربانية لمعاقبتها على شيئ ما. لا أستحي بأني مسلم من عائلة سنية تعرف الله والصلاة. لا عيب في الإيمان ولا نقص في مواطنة من لا يؤمن. وهناك طريق كالفين. هم أيضا مثلنا في أشياء. وهم نحن كما نحن هم.

القدر يرتب كل شيئ في ميعاد. ابنتي جوليا في التاسعة والنصف من عمرها تستعد اليوم لامتحان الرياضيات يوم الإثنين. التفتت جوليا قبل قليل إلى تلك الفتاة الإيطالية التي دلتني على الطريق في عام 1994 وقالت لها: "ماما.. حصالتي شبه ممتلئة الآن.. هل تسمحان لي بشراء تلفون غالاكسي 3 للصغار"؟

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع