ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - القاتل يعفو عن ضحاياه
01/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

لا تُخلع مُكرمة العفو، إلا على مذنبين. والقاتل حين يتمثل صفة العدالة، عند حاكم مؤتمن على أرواح الناس ومصائرها، فيتظاهر بالعفو؛ لا يقدم فصلاً مسرحياً محبباً، يحترمه المشاهدون والمستمعون، وإنما يعرض لقطة هزلية هابطة، يلعب خلالها ــ كالحاوي ــ بالبيضة والحجر. عندئذ، يمتعض الناظرون ويستهجنون، ويصبح المؤلفون والمخرجون والممثلون، في موضع الاحتقار، مثلما حدث في اليوم التالي لعفو بشار الأسد، عن “العُصاة” الذين افترضتهم رواية سمجة!
* * *
ربما يحتمل عفو الجلاد، أكثر من معنى، الأمر الذي أثار حفيظة إخوتنا السوريين وعزز شكوكهم. فمن يدري؟ لعل الحاكم الذي يقتل ثم يعفو، اقتنص من سورة “التوبة” آية كريمة هي: “إن نعفُ عن طائفة منكم، نُعذب طائفة، بأنهم كانوا مجرمين” ثم لسان حاله يقول ما ورد في آية أخرى من السورة: “ولئن سألتهم، ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون”؟!
ومثلما قيل في الأثر، إن العفو صفة المؤمن الليّن، المرهف، رقيق الحاشية والخواطر، الراجي لرحمة ربه وغفرانه، ويكون تخلى عن نزعة الهيمنة والإحساس بالغلبة والرغبة في البطش. لو أنه شاهد جثة الطفل المغدور حمزة، وعليها آثار نهش الكلاب، لأجهش بالبكاء، وهذه كلها سمات روح نظيفة، أبعد ما تكون عن خواطر وقناعات الحاكمين في سورية.
مَن يعفو عن مَن؟. للإنصاف، إن النظام الغارق في دم شعبه، ليس هو وحده الذي يرفض “العفو” عن الجماهير المذنبة في رأيه، وإنما هذه الأخيرة، كذلك، ليست مهيأة لأن تعفو عن جلاديها. الفارق بين الطرفين، أن الأول يمارس ألعاب الحواة الكاذبين، بينما الثاني يقدم ملحمة للتحدي الحقيقي، ويبذل دمه من أجل الحرية، ويتصدر الصفوف شُبان شُجعان، لم يشهدوا أيام الرعب، عندما كان الأسد الأب، يأمر بتطبيق كل فنون التعذيب والتدمير للمخالفين، أو للمعترضين، وللمناضلين الفلسطينيين الممتنعين عن الالتحاق الذيلي بمؤخرة النظام، ويزج بالرفاق والساسة والحالمين من الحزبيين والمثقفين من كل ألوان الطيف، في غياهب السجون لمدد لا نهائية، ويقتل في جنح الليل، أخياراً لم يرتكب واحدهم “ذنباً” سوى طرح جملة اعتراضية، في سياق حديث “القائد المُلهم” عن أمر فرعي!
عندما يلعب الحاوي بمعنى “العفو” يكون بصدد انتظار النطق الجوابي، من الضحايا، مرفقاً بملامح استبشار بالغفران، من شأنها أن تصبح دليل إدانة للمعذبين وبراءة للجلاد!
* * *
لم يعد لمثل هذا الهراء طريق. وأي إصلاح هذا الذي يعِدُ به نظام هذه العائلة المسكونة بهواجس أفاعيلها وبأصداء أنّات الضحايا؟ هل يمكن مثلاً، أن يُعاد تشكيل مؤسسات النظام، لكي يُتاح لمترشح من القرداحة نفسها، ومن خارج العائلة، أن يتبوأ سُدة الرئاسة؟ وهل يُطيق الحاكمون في سورية، الاستماع الى نُصح بأن يضعوا الخط الفاصل بين الانتماء الطائفي الطبيعي والمباح، والتمييز الطائفي الكارثي الذي يدمر معنى المواطنة؟ وهل سيُتاح للمظلومين، الذين لا يملكون سلطة ولا قوة ولا مالاً ولا صوتاً، أن ينفتحوا هم وأجيالهم على آفاق رحبة للمستقبل؟
نحن والسوريون جزء من شعب واحد. ومثلما كان كل ذي ضمير في العالم، يألم لسقوط شهيد من شعبنا ويحقد على القاتل، فالأجدر أن يألم العرب والمسلمون وكل ذوي الضمائر النظيفة في العالم، لسقوط كل شهيد سوري على طريق الحرية. محمد الدرة وحمزة الخطيب شقيقان. الأول قتله المحتلون الغاشمون مرة واحدة، والثاني قتله الغاشمون الطائفيون بالتدريج وبشكل بشع. كل من الفَتَييْن ترك لنا شريط موته المصوّر. ميتة الثاني أبشع من ميتة الأول. تلك كانت في سياق الصراع الطبيعي بين عدويْن، أما الثانية فهي خارج كل سياقات العقل والوطنية والشرف القومي!
لن تسعف النظام الدموي، تلك القوة المنفلتة الآن، في الحرب التي أشعلها ضد شعبه، خدمة لمصالح عائلة وفئة، عاثت فساداً. لذا فإن العفو المرتجى، هو الذي يتوسله الآثمون قُبيل السقوط، من ذوي الضحايا. أما عفو الحاوي، فهو بضاعة فائحة، تُحال الى وعاء القمامة!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع