ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - ذاكرة حزيران الغاضبة
01/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

ذاكرة الخامس من حزيران، حرب الأيام الستة كما يسميها جنرالات إسرائيل! حرب النصف ساعة التي قام فيها الطيران الإسرائيلي بقصف المطارات والمدارج والطائرات العربية وهي في مهاجعها! ذاكرة حزيران المرسومة بهزيمة قاسية أطلق عليها كذباً اسم نكسة، والتي احتلت فيها لؤلؤة عصورنا القدس، فقيل زيفاً أن الهدف إسقاط الأنظمة! ذاكرة حزيران تشبه مهرة النار الأسطورية، تتوالى الأيام والسنون والعقود لترويضها، ولكن في كل مرة، وبعد كل محاولة، يكتشف المروضون الإسرائيليون وحلفاؤهم في قوة المسيحية المتصهينة وتابعوهم في بلاد العرب والمسلمين، أن ذاكرة حزيران، مهرة النار، تتخطى الحواجز، تحضر في لحظات خارقة خارج التوقعات، تحل مثل روح الله، تتجسد في نفي النسيان، وتطرح كل الأسئلة من جديد.
لا أعرف على وجه التحديد ما الذي سيجري يوم الأحد المقبل، في الذكرى الرابعة والأربعين للخامس من حزيران! وبالنسبة إلي، فإن الأفعال الإنسانية الشاملة لا يمكن قياسها بالجداول الرقمية، ولا يمكن تحديدها عبر التخرصات، ولا يمكن ضبطها على مقاسات الحد الأدنى.
ذاكرة الخامس من حزيران، هي رياح آخر الربيع الحزينة، هي دموع الفاجعة والقهر، هي نبيذ الغضب المعتق الذي تتوارثه الأجيال في عروقها لتسقط في ذروة نشوته الحاسمة معادلات الحد الأدنى!
أنظروا، منذ لحظة الخامس من حزيران ما الذي جرى؟ هياكلنا السياسية والحزبية والثقافية، حفلات أعراسنا وزفاف أولادنا، طقوس دفن موتانا، معايير الصواب والخطأ، حدود الفضيلة والرذيلة، كلها أقيمت على قاعدة تملق الحد الأدنى، والتكيف مع الحد الأدنى، إزالة آثار العدوان، الصمود والتصدي، هياكل التضامن العربي، مفردات الشرعية الدولية، مفاوضات السلام العربي الإسرائيلي، أراضي المحتلة أو الأراضي المحتلة، وأين هي أل التعريف، في النص العربي أم الفرنسي أم الإنجليزي؟
أنظروا ماذا فعلت بنا معادلات الحد الأدنى؟ جعلتنا مقعدين كسيحين، نتسول مجرد استمرار الحياة.
أنظروا بإمعان ماذا يقول اعداؤنا عنا، نقبل بترتيب الأوراق التي رتبوها كيفما ما يشاءون، ونصطف حسب الأولويات التي وضعوها كيفما يريدون، وننحني تحت السقوف الهابطة التي جعلوها تهبط باستمرار.
كم سنة مرت منذ لحظة الخامس من حزيران؟
أربع وأربعون سنة مرت الآن، وحين تخطت مهرة النار ذاكرة الخامس من حزيران معادلات وهياكل الحد الأدنى، وحين سقطت أنظمة الخوف، اكتشفنا أن من حقنا ومن واجبنا أيضاً أن نقلب كل الأوراق، وأن نعيد طرح الأسئلة، وأن نرسم خرائط الحدود بطريقة جديدة.
لماذا يعلنون الاستنفار في إسرائيل لمجرد أننا سنذهب للأم المتحدة؟ ولماذا يتصايحون في أميركا مثل رعاة البقر وهم يلوحون في وجوهنا بالمسدسات والرايات الحمراء رايات الفيتو.
لأن قواعد اللعبة القديمة سقطت، وهم يعرفون أنهم ماداموا متواطئين وعاجزين حتى عن تأمين الحد الأدنى، فسوف تطرح عليهم رغماً عنهم معادلة الحد الأقصى،
يا لقداسة الغضب، لا تستطيع إسرائيل أن تعيش مع دولة فلسطينية في حدود عام 1967، يعني سقوط معادلة الحد الأدنى، حدود عام 1967 أيها الإسرائيليون ملفوفة بقبول فلسطيني، واعتراف عربي شامل، وإنهاء للصراع، وطي لصفحة الجرح القديم، فيقول الإسرائيليون رداً على كل ذلك بلسان نتنياهو السجين داخل قمم ائتلافه الغبي، أنهم لا يستطيعون الحياة وتحقيق الأمن مع معادلة الحد الأدنى بكل توابعها، وحين تسقط معادلة الحد الأدنى تنهض تلقائياً معادلة الحد الأقصى، لأن السياسة تأبى الفراغ، ولأن الحياة تأبى الفراغ، ولأن الصراع لا يمكن احتواؤه داخل لحظة العجز والسكون!!!
تعالوا إذن إلى حدود التقسيم، هل الفكرة مجنونة؟ حسناً، العقلاء الذين تعودتم عليهم ذهبوا، لم يعودوا هنا، غادروا ساحة الاحتفال، وحلت بدلاً منهم ذاكرة حزيران الغاضبة، وافترش الساحات جرح النكبة، وابتسامتكم الغامضة المتذاكية بأنكم أول الأشياء وآخر الأشياء ليست سوى مجرد أوهام باهتة ومهزومة.
فهذا الربيع العربي موروث في الجينات، وموجود في رحم الأشياء، ومزروع في ذاكرة حزيران الغاضبة.
لا أعرف كيف سيكون المشهد يوم الأحد المقبل، فليس للغضب الساطع جداول رماية محددة سلفاً، وليس لأمواج الطوفان من قياسات نعرفها، وكل زلزال يملك سره الذي يفصح عنه حين تتشقق الأرض وتميد الجبال، وكل إعصار لا يفصح عن خط سيره حتى ينهي جولته الكاسحة!!!
هل رأيتم من قبل بركان له ناطق رسمي يتحدث باسمه أو مفاوض يحوله إلى أوراق يضعها في حقيبة جلدية صغيرة، أو زعيم يقول لا تخافوا فأنا أضمن لكم الا يغرقكم البركان في أنهار الحمم الجارفة؟
كواحد من شهود الخامس من حزيران ومن ضحاياه أيضاً أنا الفلسطيني، أنظر في بلورة الغيب من خلال دموعي، فأرى المدى مفتوحاً بلا حدود وأرى أن المؤمنين حقاً هم الغاضبون.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع