ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مرحلة جديدة تحتاج إلى تغيير واعٍ
01/06/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : طلال عوكل

على الرغم من الحيوية والتنوّع الشديدين اللذين تتسم بهما الحياة السياسية الفلسطينية وطول عمل الأحزاب والفصائل، والأجسام التمثيلية الأخرى كالنقابات والاتحادات الشعبية، وعلى الرغم من غنى النضال الوطني الفلسطيني، وكثرة المنعرجات التي مرّ بها، وضخامة التحديات والتضحيات، فإن الساحة الفلسطينية لا تزال تفتقر إلى الحس النقدي والمراجعات النقدية الجماعية وبناء الخيارات الأساسية في كل مرحلة على أسس من المراجعة والدراسة المعمقة.
في كل عام، منذ بضعة أعوام، درجت إسرائيل على عقد مؤتمر سنوي في هرتسيليا، تجتمع فيه نخب المجتمع السياسية والعلمية والثقافية والعسكرية والأمنية والاجتماعية، لتحديد الخطوط العامة لحركة الدولة والمجتمع على أساس وانطلاقاً من مراجعة التجربة السابقة، ودراسة المتغيرات الداخلية والخارجية التي تحيط بإسرائيل. قبل ذلك كانت بعض مؤسسات الدراسات والأبحاث تقوم بالعمل، وتصدر في كل مرة تقارير إستراتيجية تكشف عن طريق المستقبل وترشد السياسيين والأحزاب إلى كيفية تلمّس خطواتهم اللاحقة.
في حالتنا الفلسطينية، مررنا بشيء من هذا، حيث نشطت المؤسسات البحثية والدراسية في سبعينيات القرن الماضي، وأنتجت العديد من الدراسات والتقارير، والدوريات، ولكنها في الأغلب كانت تقوم بدورها بمعزل عن المؤسسة السياسية والحزبية التي لم تكن لتستفيد من تلك المخرجات في رسم السياسات وصناعة القرار، فضلاً عن أن تلك المؤسسات لم تكن قادرةً على استيعاب الطاقات الفكرية الفلسطينية في مختلف أماكن وجودها.
منذ تلك المرحلة، مرّت الحركة الوطنية الفلسطينية بمراحل عديدة صعبة، ووقعت تحولات ضخمة، كالتي تشهدها المنطقة، وتشهدها الساحة الفلسطينية في هذه الأيام، لكن الاهتمام بالبحث العلمي، والدراسات النقدية والاستشرافية، تراجع باضطراد، وتراجعت معه الرغبة في الوقفات الجماعية العامة التي تستهدف المراجعة، وتباعدت اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، الذي كان يشكل ساحة لمثل هذه المراجعات على الطريقة الفلسطينية.
اليوم تدلف الساحة الفلسطينية مرحلة جديدة، إذ فشلت خيارات التسوية والتفاوض، ولم تنجح خيارات المقاومة، وأصبح لزاماً علينا مراجعة التجربة الطويلة السابقة، واستخلاص دروسها، لتحديد خيارات المستقبل.
وخلال هذه المرحلة، يعاد تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية، وينتهي استفراد واحتكار 'فتح'، ليتخذ طابعاً ثنائياً تنافسياً، وصراعياً إلى حدّ ما، ولا يزال المجال مفتوحاً على المزيد من المتغيرات، على الحركة الوطنية، وبالتالي على كيفية وجهة اتخاذ القرار، حيث من المحتمل أن تواصل الحركات الكبرى تراجعها بعد أن تربعت طويلاً، أو لبعض الوقت، على سدّة القرار الفلسطيني.
وإذ تعاني بقية فصائل العمل الوطني التقليدية عجزاً متواصلاً، على الرغم من توفر الفرص، فإن الحاضر والمستقبل يبشر بظهور حركات شبابية واعدة، أسوة بما تشهده الساحات العربية، ما يؤدي إلى تغييرات جذرية في المشهد السياسي.
وفي الجديد، أيضاً، المصالحة الفلسطينية، التي تشكل محطة مهمة لإعادة صياغة الوضع الفلسطيني برمته على أسس جديدة، من المرجح أن القوى لا تزال غير جاهزة لاستيعابها، والتعامل معها بكل الجدية المطلوبة، وبآفاق وطنية تجديدية.
تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية دونه عقبات كثيرة، لا تقف عند التهديدات والتحديات الإسرائيلية، وإنما تتجاوز ذلك إلى صعوبة الوقائع التي خلقتها مرحلة الانقسام الطويل والمرير، هذا فضلاً عن الحاجة لمصالحات في داخل كل حركة من الحركات الأساسية، إذ بات من المعروف أن ثمة مَن تتعارض مصالحه أو مصالحهم مع المصالحة واستعادة الوحدة.
والمصالحة تعني إعادة بناء السلطة الفلسطينية والمؤسسات والأطر الفلسطينية الوطنية العامة، وإعادة تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتغيير تراكيبها السياسية بما يستوعب الحركات الإسلامية، وربما إعادة النظر في ميثاقها وقوانينها الأساسية.
المصالحة إذاً تعني أن علينا أن نقوم بعمل كبير، من مستوى تاريخي وضخم، ما يتطلب الوعي، والمسؤولية، والحوار الجدي، والجرأة في الإقدام على التغيير المطلوب.
هذه العملية التجديدية الفلسطينية تتم في مرحلة ربيع الثورات العربية، التي تبشر بتغيير البيئة العربية المحيطة، واستعادة القضية الفلسطينية لمكانتها، ودخول العرب عصر العمل القومي المشترك، والتفاعل الحي مع الكتل السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
ودولياً، نتحدث عن تغيير كبير وجذري في طبيعة التناقضات العالمية وفي مواقع القوى الدولية الكبرى من الإنتاج العالمي ومن التأثير، ونتحدث عن آثار التطور الهائل في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وفي آثار العولمة، ونتحدث عن اعتراف العالم بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة على أرضه المحتلة، وعن اتساع نطاق ودائرة التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية.
أقل من هذا يستدعي من النخب السياسية والثقافية والفكرية الفلسطينية، إجراء مراجعات نقدية معمقة ومهمة، لاستخلاص العبر، وفي الأصل أيضاً، فإن الاتفاق على المصالحة، كان يستدعي أن يبنى على حوار شامل تحت عنوان المراجعة والتقييم.
وإذا كانت بعض بنود المصالحة لا تحتاج إلى مثل هذه المراجعة، فإننا على الأقل بحاجة إلى مثل هذه المراجعة، ونحن مقبلون على تنفيذ اتفاقية آذار في القاهرة بشأن منظمة التحرير. وعلى كل حال، ما لم تبن الفصائل الرئيسة هذا المنهج في عملها الداخلي، ولتطوير نفسها، فإن من الصعب أن نتوقع تبنيها منهج المراجعة النقدية على المستوى الوطني، ولكن رغم ذلك سيظل هناك مَن يطالب ويسعى إلى التغيير.
 
طلال عوكل

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع