ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - تعلية السقوف في الزمن الأصعب
31/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

شاركت يوم أمس الثلاثاء في لقاء عمالي حاشد عقد في فندق غزة الدولي، غالبيته الساحقة من النساء، نظمه مركز الموارد العمالية بالمشاركة مع اتحاد اللجان العمالية المستقلة، وبتمويل من النقابات الكاتالونية الاسبانية، حيث تركزت المداخلات على المطلوب من المصالحة، من حكومة المصالحة، أن تحققه للعمال؟ وساعد الله هذه الحكومة المنتظرة على ما سوف تحمله من هموم ومطالبات تميد تحتها الجبال الراسيات.
الموضوع مهم جداً، ومن وجهة نظري فان المصالحة لكي تنجح وتثبت في الأرض، فلا بد أن يتحقق الأمن الاجتماعي، الذي تتشكل قاعدته الرئيسية من الطبقة العاملة، خاصة في قطاع غزة، حيث تعرضت الطبقة العاملة في السنوات الأخيرة للاهمال، وجاء الانقسام فزادها بؤساً على بؤس، وتقافزت أرقام البطالة بشكل فلكي، وانتشرت عمالة الأطفال، كما خلقت ظاهرة جديدة وهي ظاهرة العاملين في الأنفاق في أوضاع مأساوية سقفها الموت اختناقاً تحت الرمال! وتدنت أوضاع الطبقة العاملة ما أدى الى تفسخ كبير في النسيج الاجتماعي وفي نسيج العائلة أيضاً، وأدرجت آلاف العائلات تحت بند الاغاثة الطارئة، من مساعدات عينية متقطعة وكوبونات بشروط مذلة أقرب للتسول، ثم جاءت الحرب الاسرائيلية التدميرية الأخيرة على قطاع غزة قبل سنتين ونصف تقريباً، لتضيف الى المأساة أبعادا جديدة.
اتفاق المصالحة، والحديث عن قرب اعلان الحكومة الجديدة، حكومة المصالحة، فتح شهية جميع الشرائح الاجتماعية للتحضير لعرض مطالبها وآمالها وأحلامها، وبما أن أجواء المصالحة جاءت في أجواء الربيع العربي الذي نعرف نحن في فلسطين عناوينه الرئيسية ولكننا لا نعرف تفاصيله وتداعياته الحقيقية. كما أن أجواء المصالحة تزامنت مع الأحداث التي جرت في الذكرى الثالثة والستين للنكبة الفلسطينية، وما تلا ذلك من قيام الشقيقة مصر بفتح معبر رفح وما رافق ذلك من ضجة اسرائيلية مبالغ فيها، فان الحديث في الساحة الفلسطينية أخذ يتفلت من كل المعايير الموضوعية السابقة، وبدأ الجميع تقريباً يتنافسون في تعلية السقوف، دون أن يتوقف أحد ليسأل ان كان رفع السقوف وتعليتها الى هذا الحد جاء كحالة انفعالية، أو نتيجة أمنيات مكبوتة، أو ردة فعل على انسداد الأفق السياسي بفعل التعنت الاسرائيلي والانحياز الأميركي، أو أن ذلك جاء نتيجة تفكير عميق وحسابات دقيقة ومعطيات حقيقية؟
الحكومة القادمة، حين يتم اعلانها، ونرجو أن يكون ذلك سريعاً، مطلوب منها أولاً وقبل كل شيء أن تمر وأن تلقى القبول، لكي تبحث بعد ذلك عن كل المستلزمات المطلوبة، سواء باعادة اعمار قطاع غزة، واستجلاب المبالغ التي كانت مرصودة لذلك، والمعايير المطلوبة للحصول فعلاً على هذه الأموال، فمن المعروف أنه ليس كل ما يرصد يصل فعلاً، والا لهان الأمر.
كما أن حكومة المصالحة – حين تتشكل وتعلن – سوف يلزمها وقت قبل أن تبدأ دورة عمل طبيعية، خاصة وأن لديها ما يستغرقها كلياً في تفاصيل تجليس المصالحة على الأرض، ثم تحديد الأولويات التي ستبدأ بتنفيذها، ثم توفير الامكانيات التي من خلالها سوف يتم تنفيذ هذه الأولويات.
ظاهرة تعلية ورفع السقوف أصبحت هي السائدة الآن في أي حديث فلسطيني الا من رحم ربي من العقلاء.
فعلى خلفية فعاليات يوم النكبة، هناك من يطلقون جموح الخيال النبيل المتفائل، بأن يتحول الزاحفون من الخارج والداخل الى ملايين وراء الملايين فكيف سيكون المشهد عند اذا؟
وعلى خلفية معبر رفح، هناك من يطرحون فكرة الخروج نهائياً من الدائرة القديمة ويقولون صراحة، لماذا نخاف من فك الارتباط الاسرائيلي مع قطاع غزة؟ حسناً، فليفكوا الارتباط، وليذهبوا الى الجحيم، ولنبدأ نحن فلسطينياً التركيز على تقوية السلطة المستقلة في غزة حيث لا احتلال، وتمتين عمقها العربي والاسلامي، ونعود في الضفة الى صيغة قيادة موحدة تشبه ما قبل قيام السلطة، تخوض الصراع المفتوح مع الاحتلال، ونحن من غزة المستقلة مدعومة بعمقها العربي والاسلامي، نبدأ وندير القضية بنمط جديد.
وعلى خلفية تشكيل الحكومة الجديدة، واعادة الاعمار، هناك أيضاً تعلية ورفع للسقوف، لحكومة يتم المبالغة في المواصفات المطلوبة لوزرائها بحيث لا نجد لهم مثيلاً حتى في صفوف الملائكة، وزراء يعملون ليل نهار، يعيدون الاعمار بشكل مثالي دون أية احتكارات، ودون خضوع لأية املاءات خارجية، يعيدون الأموال المطلوبة كما تفعل الشقيقة مصر، يبنون بيوت للأسر التي بلا بيوت، يقرون تشريعات للعمل والعمال، ويوفرون فرص عمل لجميع العاطلين بشروط تعاقدية راقية، وينشؤون صناديق ضمان اجتماعي، ومراكز تدريب لتأهيل العمال غير المدربين، ويعاقبون الآباء الفقراء كثيري العيال الذين يسمحون لأطفالهم في العمل. حكومة تكون في الوقت نفسه مقبولة من المجتمع الدولي، ولا تشوبها شائبة، وتمنع الطيران الاسرائيلي من التحليق في أجواء القطاع، حكومة لا تعتمد فقط نموذج الاقتصاد الحر بل نموذج الاقتصاد المختلط بحيث يكون لنا خبز مدعوم، وبترول مدعوم، ومواد ضرورية مدعومة!
هذه العينة بسيطة من ظاهرة تعلية ورفع السقوف المصاحبة هذه الأيام للمصالحة وتوقعات اعلان حكومة المصالحة، ومتابعة أخبار وقائع الربيع العربي، والمتوجة بقرحة فتح معبر رفح بين قطاع غزة والشقيقة مصر.
وهذه الظاهرة التي أرى أنها طبيعية ومفهومة بمعايير علم النفس لأن الاختناق يولد الانفجار، والاحباط يطلق خيال البحث عن أمل، فلولا ذلك لمات المخنوقين والمحبطين زرافات ووحداناً، ولكنني في الوقت نفسه أرجو أن لا تتسرب لصانعي القرار السياسي، فهؤلاء يجب عليهم الاحتفاظ بصبر وبطولة بأعصابهم هادئة وعقولهم باردة لكي يبحثوا عن الممكنات عبر حسابات دقيقة وحقيقية حتى ولو كانت قاسية.
في مفترق الطرق، نريد أن نرى أبرز ما يمكن أن يتمتع به القادة السياسيون، من القدرة على وضع الحلم العادل الجميل في خانات الممكن، في عملية التداول، والأخذ والرد، والبحث عن البدائل التي تبقيه حلماً حياً يحفر وجوده في الأرض، وليس بكاء على عتبات المستحيل.
انه حلم الدولة الفلسطينية، لأن الدولة هي قيامة فلسطين، كلما اقتربنا منها أكثر، أصبحنا نعرف كم هي خارقة الأهمية، ونعرف كم هي الانجاز الوحيد الذي لا يجب أن نشتت عيوننا بعيداً عنه.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع