ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
نتنياهو .. البلاغة كقوة ردع !
31/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني حبيب

عندما تتحدث إسرائيل عن قوة الردع لديها، لا تقصد فقط قدراتها العسكرية الضخمة، ومستوى تدريب قواتها، وعقيدتها العسكرية ـ الأمنية القائمة على نقل مسرح العمليات إلى أرض العدو، ولا اعتمادها على أعلى مستوى من التقنيات، بل، وربما أكثر من ذلك، تعتمد قوة الردع هذه، على القدرة البلاغية لرئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، خاصة عندما تتوجه هذه القدرات انطلاقاً من الولايات المتحدة، وتحديداً من مجلس الشيوخ في واشنطن، خطابه الأخير هناك، هو أكبر دليل وما لهذه القدرات من إمكانيات ردعية تضاهي الردع العسكري.
لا يقاس التجاوب والثناء والاصغاء الذي عبر عنه شيوخ أميركا، على ما جاء في خطاب نتنياهو، كان كافياً للتغطية على كثير من الحقائق والوقائع، فقد ظهرت إسرائيل، ليست فقط كقوة سلام في المنطقة، بل وأكثر من ذلك ظهرت إسرائيل وكأنها لا تخضع هذه الأيام لعملية نزع الشرعية عنها، بعد تدهور وضعها على النطاق الدولي، وحالة الحصار السياسي التي تخضع تحت ثقله مع تزايد اعترافات دول العالم بالدولة الفلسطينية التي أخذت مكانتها تتعزز أكثر مع اقتراب استحقاق أيلول الدولي، شحنات التصفيق أثناء خطاب نتنياهو، عززت قدرات رئيس الحكومة الإسرائيلية الخطابية، لكنها تعجز عن تزييف حقيقة الوضع الإسرائيلي المحاصر سياسياً على النطاق الدولي.
لقد فاز نتنياهو بالحملة الخطابية والمباراة الكلامية التي استمرت لثمانية أيام متواصلة، في النزال مع الرئيس الأميركي، مباراة تنقلت من وزارة الخارجية، إلى 'الكابيتول'، مقر الكونغرس الأميركي، مروراً بمؤتمر اللوبي الصهيوني، تعددت المباريات، وانتهت بفوز نتنياهو بالكأس، رغم أننا سبق وشاهدنا ذات المباريات وذات الخطابات والمواقف، من أوباما ومن نتنياهو، وإذا ما دخلنا في تفاصيل الخطابات، فإننا لن نلحظ أي جديد، سوى مهارة نتنياهو في استثمار بلاغته الخطابية، وابتزاز التصفيق عند توقفاته المدروسة بعناية أثناء حديثه، عدا ذلك، فالمواقف لم تتغير وليست بحاجة إلى التدقيق تكراراً لفحوصات سبق وأن تمت على مواقفه وخطاباته السابقة التي يمكن إجمالها بكلمات قليلة، ان إسرائيل ليست شريكاً في عملية سياسية هي ليست على جدول أعمالها من الناحية الواقعية.
لم ينشغل أحد ـ تقريباً ـ بتدقيق كلمات نتنياهو المدروسة، لكن الجميع ـ تقريباً ـ انشغل بعد تصفيق الحضور، فطوال 40 دقيقة استغرق الخطاب في 'الكابيتول'، بلغت مرات التصفيق 29 مرة، معظمها وقوفاً، وأطولها عندما تحدث قائلاً إنه لن يسمح بتقسيم مدينة القدس.. وللدقة، فإن هناك من لم يصفق لهذه العبارة، وهو نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، الأمر الذي لفت انتباه أعضاء الكونغرس، بل ونتنياهو نفسه.. ونحن أيضاً! إذاً الاهتمام ذهب إلى الشكل، وليس إلى مضمون ما يقوله نتنياهو، الذي لا جديد فيه.
الموقف المتكرر لرئيس الحكومة الإسرائيلية لم يعتمد فقط على ما لديه من مقدرة بلاغية، بل بقدراته الهائلة على الخداع والكذب والغش، صحيفة 'واشنطن بوست' الأميركية، وفي عددها الصادر مباشرة بعد إلقائه خطابه، أشارت بوضوح إلى جوانب هذا الخداع، لناحيتين،عدد المستوطنين الذين يستوطنون مناطق 1967، ومكانة 'عرب إسرائيل' كونهم العرب الوحيدين في المنطقة الذين يعيشون في ظل ديمقراطية عادلة تكفل لهم المساواة.. ولم تعرب الصحيفة عن دهشتها لهذه الدرجة من الخداع، باعتبار أن الأمر عادي عندما يكون المتحدث هو نتنياهو!
كرر رئيس الحكومة الإسرائيلية لاءاته، الواحدة تلو الأخرى عن ظهر قلب، فهي محفورة في ذاكرة كل رئيس حكومة إسرائيلية، مع أن بعضهم تحايل عليها من خلال إعادة صياغتها، لكنه كان أكثر وضوحاً، ليس لشيء، إلاّ لكي يجمع هذه اللاءات في لا واحد، لا لأوباما، وعندها عرف الجميع أن نتنياهو وضع أسلحته البلاغية لخدمة الكونغرس في مواجهته مع الرئيس الأميركي الذي كان قد بدأ حملته الانتخابية لولاية رئاسية ثانية قبل أيام قليلة من المباراة الخطابية، وهو ما أخذته وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية على نتنياهو الذي بات مع دولته طرفاً في الحرب الداخلية الأميركية بين الكونغرس ومؤسسة الرئاسة الأميركية، وبينما كانت إسرائيل تلعب بذكاء لحصد مواقف الجانبين إلى صالحها، فإنها الآن باتت طرفاً وفريقاً في التخندق لصالح طرف في مواجهة طرف آخر، ولعل هذا ما يفسر عدم حماسة نائب الرئيس الأميركي لما جاء في خطاب نتنياهو!
وقبل المباراة الخطابية بأسابيع قليلة، هدأت تصريحات أوروبية حول دعم التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة في أيلول القادم، وتبين أن هناك تفسيراً لهذا التراجع المؤقت، إذ إن الثلاثي الأوروبي: فرنسا وبريطانيا وألمانيا، راهن على أن يتخذ نتنياهو موقفاً إيجابياً مع الرؤية الأميركية التي سيقدمها أوباما في خطابه، ما يعزز فرص إطلاق العملية التفاوضية، وحينها لا حاجة لدعم التوجه الفلسطيني هذا. بعد المباراة الخطابية، وفشل أوباما في ضم نتنياهو إلى هذه الرؤية، لم يبق سوى خيار دعم أوروبي للتوجه الفلسطيني وهو الأمر الذي حاول أوباما في جولته الأوروبية بعد المباراة الخطابية أن يقنع الحلفاء الأوروبيين بعدم الإقدام عليه، وهذا ربما ما يفسر تمسك الجانب الفلسطيني، بعد حرب الخطابات في الولايات المتحدة بين أوباما ونتنياهو، بالرؤية الأميركية، فعلى الرغم من بعض الانتقادات الفلسطينية لما جاء في خطاب أوباما، إلاّ أن الموقف الرسمي كان التمسك بما جاء في الخطاب، الذي بات موحداً للرؤية الأوروبية مع الولايات المتحدة كأساس للحل ولإطلاق العملية التفاوضية، هذا التمسك يعني أن إسرائيل وحدها هي التي ترفض مثل هذه الرؤية، ويعزز تقارب أميركا مع أوروبا، وليس العكس، حول أسس الحل، ويسهم في تماسك جبهة دولية من خلف هذه الرؤية ليزيد من الحصار الإسرائيلي السياسي الدولي على دولة الاحتلال.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع