ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
إسرائيل 'الدولة القلعة' إلى أين؟؟!!
31/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : علي جرادات

قيل الكثير في توصيف خطاب نتنياهو ولاءاته أمام الكونغرس الأميركي، لكن، وحتى يكون للتوصيف طابع التفسير الذي يشكل نصف المعالجة، فإن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تطرف نتنياهو ليس نبتا سياسيا شيطانيا، ولا هو مجرد تطرف لشخص أو لائتلاف حكومي، بل هو تطرف ذو جذر مجتمعي عميق، إذ خلافاً لمنطق تاريخ المجتمعات البشرية الطبيعية التي تمخض تطورها عن نشوء الدولة كشكل لإدارتها، فإن الكيانات الاستيطانية الاستعمارية قامت على تصميم مبرمج لفكرة دولة أنشأت مجتمعا تم جلب جسمه البشري بشكل مفتعل، ما يقود إلى ربط وجود هذا المجتمع بالدولة وليس العكس، وبالتالي إلى تماهيه مع الدولة، بل، ومع مؤسسات الجيش والأمن فيها تحديداً، مع ما يتطلبه ذلك من لجوء للخرافة وتضخيم للايدولوجيا العنصرية والاستعلاء وتقديس القوة، كعوامل لازمة للدفاع عن الشرعية وتبرير للذات وحماية للوجود.
وبالنتيجة يصبح هنالك تعلق للمجتمع بالقيادات الأكثر احترافاً للحروب، ما يمحو الفواصل بين هذه القيادات والمجتمع الاستيطاني، الذي يرى فيها حامية لوجوده وشرعيته، وليس فقط لحمايته في فترات الخطر كما هي الحال في المجتمعات الطبيعية.
هذا هو القانون العام الناظم لعلاقة الدولة ومؤسستها العسكرية والأمنية بالمجتمعات الاستيطانية الاستعمارية، التي تعد إسرائيل أكثر نماذجها بشاعة، ارتباطاً بما تحمله من خصوصية قياساً بحالات استيطانية استعمارية أخرى.
وعلى سبيل المثال، فإن حالتي الاستيطان الاستعماري في جنوب أفريقيا وفلسطين، وإن جمعهما استيطان إقليم مأهول بسكان أصليين، إلا أن المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا اكتفوا بإخضاع الأغلبية السوداء لنظام تمييز عنصري بعد الاستيلاء على الأرض، في حين أضاف المستوطنون اليهود في فلسطين اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، التي لم يكتفوا بابتلاعها فقط. لكن، ورغم ذلك، وربما بسببه، فإن المستوطنين اليهود في فلسطين، ورغم فظاعة ما ارتكبوه من عمليات تطهير عرقي مبيتة ومخططة، لم يتمكنوا من تحويل الفلسطينيين إلى “هنود حمر”، أي لم يتمكنوا من طي صفحتهم من التاريخ والجغرافيا والسياسة، حيث ظل سؤال تشريد نصف الشعب الفلسطيني ويزيد من أرضه بعد ابتلاعها سؤال الإسرائيليين المفتوح، كسؤال حارق يستدعي إجابات سياسية، ولم يحله الهروب منه، ولم تقوَ المعالجات العسكرية والأمنية على إلغائه من التاريخ والسياسة.
وأكثر من ذلك، فإن هذا السؤال أصبح بمثابة عامل أزمة بنيوية مستعصية للإسرائيليين ومشروعهم، ما يفسر تعامل المجتمع الإسرائيلي مع دولته باعتبارها “الدولة القلعة” المفروضة في/ وعلى محيطها، كخيار زاد سعاراً في السنوات الأخيرة، وأنتج ائتلافا حكوميا “فوق متطرف”، لم يجد حتى بعض الإسرائيليين حرجاً في وصفه بالفاشي، وتأكيد خلو برنامجه من خطة سياسية للتعامل مع الصراع، اللهم إلا خطة فرض الشروط والإملاءات التعجيزية، وقد جاء خطاب نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي تعبيراً مكثفا عن حالة التطرف العنصري الجنوني المرعب التي تتنامى تنامياً بكتيرياً، لا في السياسة الإسرائيلية فقط، بل، وفي المجتمع الإسرائيلي قبل ذلك أيضاً.
والغريب أنه، وبرغم هذه الحقائق الدامغة في تشخيص الحالة المجتمعية والسياسية والقيادية الإسرائيلية، فإن هنالك من راهن على أن تفضي التحولات في المحيط الشعبي العربي إلى تغيرات في سياسة تعامل القادة الإسرائيليين مع الصراع، متناسياً أن هذه التحولات ستزيدهم تطرفاً، ولن تدفعهم إلا إلى المزيد من التشبث بخيار “الدولة القلعة”، وذلك لسببين متداخلين:
الأول: ما تنطوي عليه هذه التحولات من تأثيرات إيجابية على القضية الفلسطينية كجوهر للصراع، التأثيرات التي تبدت بشكل أولي في اتفاق المصالحة الوطنية بين حركتي “فتح” و”حماس”، وفي هبة الذكرى 63 للنكبة، مع كل ما يحمله هذا وذاك من دلالات سياسية بعيدة المدى.
الثاني: ما تنطوي عليه هذه التحولات من تصادم موضوعي مع المشروع الإسرائيلي، الرامي بدعم أميركي إلى تصفية القضية الفلسطينية، عبر اختزال الحقوق الفلسطينية في إقامة دولة، هي عملياً وجوهراً، ورغم محسنات المسَمّى لأغراض التضليل والتسويق، مجرد حكم إداري ذاتي لفلسطينيي غزة والضفة ومن دون القدس عملياً، مقابل الاعتراف بإسرائيل “دولة لليهود”، ما يعني تصفية جوهر القضية الفلسطينية، أي حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها.
عليه، يخطئ كل من لا يرى أن لاءات خطاب نتنياهو التي حظيت بتصفيق “فوق استثنائي” من الكونغرس الأميركي، إنما كانت رداً سياسيا استراتيجيا على التحولات الإستراتيجية الجارية في الوطن العربي، وتحديداً على التحولات الجارية في مصر بعد الإطاحة بنظام مبارك، الذي لم يتحرج أحد قادة إسرائيل، بنيامين بن اليعيزر، عن وصفه بـ”الذخر الاستراتيجي لدولة إسرائيل”، فيما لم يتردد ثعلب السياسة الإسرائيلية، شمعون بيرس، عن مقارنة خدمات نظام مبارك لدولة إسرائيل بما قدمه بن غوريون لها.
مع هذا، وبرغمه، فإن لاءات نتنياهو، وبمقدار ما تكشف عن صلف مجتمعي وسياسي وقيادي إسرائيلي يزداد سعاراً وعنجهية يوماً بعد يوم، فإنها، وبذات الوقت، إنما تنم عن أزمة الإسرائيليين البنيوية المستعصية، المتمثلة في سؤالهم المفتوح: ما العمل مع الفلسطينيين الذين لم تستطع 63 عاماً من عمليات التطهير العرقي إخراجهم من الجغرافية والتاريخ والسياسة؟؟!!
في كل الأحوال والظروف، فإن لاءات نتنياهو السياسية المتماهية مع تطرف مجتمعي إسرائيلي يزداد سعاراً، إنما تحمل في جوفها استبعاداً للتسوية السياسية للصراع، وبالنتيجة تفتح الباب على مصراعيه على الحروب والمزيد من الحروب التي احترفها كافة قادة إسرائيل، الذين لم يكتفوا بإقامة دولة ربطوا بمؤسساتها العسكرية والأمنية مجتمعا، بل، وأوغلوا كثيراً في الظن بأن قوة “الدولة القلعة” بلا حدود، وأن لديها طاقة مطلقة على الصمود أمام تحولات الواقع مهما تعاظمت، متناسين أن هذا النموذج لم يعد هنالك إمكانية لاستمراره، لا داخليا، ولا إقليميا، ولا دولياً، ما يسمح بالاستنتاج أن نتنياهو لا يتمتع بحكمة تجعله يفكر بمصير إسرائيل استراتيجيا، بل، ينحصر تفكيره بتكتيكات بقائه رئيساً لوزراء إسرائيل أطول فترة ممكنة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع