ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - المصالحة والطريق الصعب
30/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

أريد أن أشكر بشكل خاص الأخ والصديق العزيز الدكتور نبيل شعت الذي حضر إلى غزة يوم الخميس الماضي بعد انقطاع دام خمسة عشر شهراً على زيارته الأخيرة، ومكث أربعة أيام، قام خلالها بفعاليات ولقاءات واسعة النطاق كان من بينها لقاءان مهمان مع اللجنة الاستشارية لمفوضية العلاقات الخارجية التي يرأسها الدكتور نبيل شعت في إطار مهمته في اللجنة المركزية لحركة فتح.
و كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الهدف الرئيسي لزيارة الدكتور نبيل هو بث رسالته التي جاء يحملها بقوة بأن المصالحة ممكنة فعلاً، وواقعة فعلاً، ولا رجعة عنها فعلاً، مهما تكتل ضدها الائتلاف الحاكم في إسرائيل الذي يقوده بنيامين نتنياهو، الذي رأيناه يتصرف بنوع من الهستيريا ضد المصالحة الفلسطينية، محاولاً أن ينقل عدوى كراهيته للمصالحة إلى كل مكان ذهب إليه في زيارته غير العادية للولايات المتحدة الأميركية.
و لكن حديث المصالحة ذو شجون، ليس له بعد واحد بل أبعاد كثيرة، وليس له عدو واحد متمثل في إسرائيل وحليفها الكونغرس الأميركي، بل له أعداء كثيرون، وهكذا فإن بشرى المصالحة، وبشرى الخلاص من الانقسام الأسود الذي هو نكبة بكل المعاني ووصمة بكل المعايير، هذه البشرى تكتنفها العديد من الصعوبات، وتحيط بها العديد من التأويلات، وتقف في طريقها العديد من العقبات، ولعلنا نبدأ في تنفس الصعداء إذا رأينا الحكومة العتيدة تتشكل، وتعلن فعلاً، ونطمئن أنها تشكلت من خلال المعايير والمستلزمات والضرورات التي تجعلها تمر بأقصى درجة من القبول الفلسطيني والعربي والدولي، لأن الحكومة هي القاطرة التي ستسحب عربتنا الغارزة في وحل الانقسام إلى أفق المصالحة، وبالتالي تجعلنا مؤهلين للتعاطي مع تفاصيل حياتنا اليومية في الضفة والقطاع، وتجعلنا مؤهلين لحمل الأعباء والذهاب إلى استحقاقاتنا الوطنية المعروفة.
الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، بمجمله مستعجل لإعلان الحكومة، ويريد أن يرى المصالحة تتحقق، والحكومة تعلن، والخطوات تتلاحق وصولاً إلى استحقاق أيلول أو إلى المفاوضات الجادة إذا تحققت شروطها، وإلى الانتخابات بكل أنواعها الثلاث، وصولاً بعد ذلك إلى قيام دولتنا المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.
الشعب مستعجل،
و لكن البعض غير مستعجل،
و هذا البعض تمثله جهات عديدة غير مستعجلة بالمرة، تريد أن يبقى الوضع على حاله، بعضها يتطلع إلى الخلف، ويدعو الله في سره ليل نهار أن تقع الواقعة، وأن يتمزق اتفاق المصالحة وأن تتأجج نار الانقسام من جديد، لأن هذا البعض لا يستطيع أن يتصور كيف يمكن أن يعيش دون الانقسام، فالانقسام في سنواته الأربع السوداء، لا أعادها الله أصبح عند البعض ثروة، ونفوذاً، ومجالا حيويا، وارتباطات وأجندات خارجية، وتجارة رابحة تدر فضة وذهباً، فمن ذا الذي يترك كل ذلك ويذهب إلى المصالحة إلا المجانين؟
المصالحة تعني اختفاء أدوار وصعود أدوار أخرى، وهنا وهناك من صعدوا مع الانقسام، وأصبحوا قادة يشار إليهم بالبنان، وأصبحت كلمتهم مسموعة بعد أن كانوا مهملين، ووظائفهم عديدة بعد أن كان ملقى بهم على قارعة الطريق.
وإذا كانت إسرائيل بقضها وقضيضها قد ارتجت وارتبكت وهاجت وماجت عن إعلان المصالحة، فما بالكم بمن يعيش في ظلها، ويرون الأشياء بعينيها، وكبروا وترعرعوا على أن إسرائيل سيدة نعمتهم الوحيدة؟
المشكلة أن إسرائيل تكره المصالحة الفلسطينية، وتقف ضدها، هكذا علناً وفي وضح النهار وبكل صراحة وعنجهية، ولكن البعض الذي له يتخذ الموقف العدائي نفسه ضد المصالحة، لا يقول ذلك صراحة، بل يرتدي ظل الحرص والحكمة والتفكير العميق، فيرى أن الاستعجال في المصالحة ضار جداً وكارثة كبرى، ويردد بصوت منغم، لماذا تريدون أن تسرقوا المصالحة بدل أن تتركوها تنضج على أقل من مهلها وعلى نار هادئة؟ هكذا يقول البعض ويزيدون: ولماذا لا نمهد الطريق أمام المصالحة أولاً؟ وتمهيد الطريق ما إن يطرح حتى يظهر له ألف بند وبند، كلما أنجزنا بنداً ظهرت لنا بنود أخرى، تماماً مثلما يروى في حكايات الجان والأساطير عن شجرة الشيطان التي كلما قطعنا منها فرعاً نبت بدلاً منه عشرة فروع، وهكذا دواليك.
الخوف من المصالحة ورفضها ووضع العصي في دواليبها لا يقتصر على شريحة سياسية غير الأخرى، ولا يقتصر على القطاع من دون الضفة، ولا ينحصر باتباع هذا القطب الإقليمي غير الآخر، فكثيراً من المختلفين والمتناقضين نراهم يعزفون اللحن نفسه، وأصعب تهمة يمكن أن توجه للإنسان هذه الأيام هي تهمة بعث الأمل، والتبشير بالأمل، وزرع بذور التفاؤل، والاحتفاظ بالابتسامة أطول مدة ممكنة.
و هكذا فإن الدكتور نبيل شعت يستحق الإعجاب لأنه طوال الفترة السابقة قبل التوقيع على اتفاق المصالحة وبعد التوقيع، في الضفة كما في غزة، واجه كل ذلك ولكن الابتسامة لم تفارق شفتيه، واستمع إلى كل المخاوف وظل رابط الجأش، ورأى أن الإحباط يتراكم طبقات فوق بعضها، ولكن استعاذ بالله من الشيطان وظل يعزف نشيد الأمل، حتى أن كل ما حدث معه سلبياً في زيارته الأخيرة لغزة فسره إيجابياً، وكل ما فوجئ به أرجعه على أصله العلمي، وكل من كشف له من عدم جهوزية اعتبره دافعاً لجهد إضافي يؤدي إلى النجاح.
الدكتور نبيل شعت أكد أنه عائد قريباً إلى غزة، أولا ً لإعادة إعمار بيته بعد كل ما حل بالبيت من دمار، وثانياً أنه عائد إلى غزة التي يحبها ويعشق نسائم بحرها بالصيف، وثالثاً فهو عائد لأن عودة الإنسان إلى بيته وأهله هي أصل الأشياء. فقد تمنى قبل أن يغادرنا بعد ظهر الأحد أن تشكل الحكومة الجديدة قبل الخامس من حزيران المقبل، لتكون مبلسمة لجرح عميق، آمين يا رب العالمين.
و لكن دعاة عدم الاستعجال وفلاسفة عدم سلق المصالحة سلقاً وإنضاجها حتى لو استغرقت دهراً، وتركها تنضج على نار هادئة حتى لو شاطت أو احترقت، قد يمطون الموعد لفترة أخرى كما يمطون شفاههم علامة على عمق التفكير عندما يتحدثون, ولكن في النهاية، لا بد مما ليس منه بد، لا بد للمصالحة أن تتحقق، وأن تكتمل، وأن تتفتت الصخور التي في طريقها، ويختفي الغول الخرافي الذي يلتهم المتفائلين.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع