ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - أسئلة الفراغ
29/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

قرار لجنة المتابعة العربية بالتأكيد على الذهاب للأمم المتحدة للحصول على اعتراف كامل بحدود الدولة الفلسطينية، هذا القرار الذي برره عمرو موسى بأن المفاوضات أصبحت عبثية، هو قرار صائب، وكان يمكن أن يكون له وزن أكبر، ويثير تداعيات أكثر أهمية، لو أنه جاء قبل الإعصار الحالي الذي مازال يتجول في المنطقة بلا توقف، فتنهار الهياكل القديمة، ولكن البدائل لا تتشكل بعد، فتسقط هذه المنطقة من أولها إلى آخرها في الفراغ.
وحين يحدث الفراغ، يتسابق اللاعبون والمتنافسون الرئيسيون الى ملئه كل بطريقته الخاصة، أو عن طريق المقايضات بين القوى الدولية المؤثرة كما يجري الآن أمام أعيننا.
وهذا الفراغ العربي الذي نتمنى ألا يطول، كما نتمنى ألا ينام العرب على وسادة الطمأنينة والأحلام المخادعة، هو الذي تنظر إليه إسرائيل باهتمام وتفحص شديدين، وتتابع مجرياته بكل دقة، لأن إسرائيل بحكم وضعها الدقيق، تتعامل مع العالم كما هو، على حقيقته، وليس بناء على تصريحاته أو وعوده الجميلة أو الصيغ الغامضة التي لا يمكن الاعتداد بها، والتي تقبل ألف تفسير.
وقد رأينا كيف تجري المقايضات الدولية الكبرى في قمة الثمانية الكبار G8 التي عقدت منذ أيام، ورأينا كيف تنقلب المواقف، فيضيق الخناق على العقيد القذافي ونظامه، ليس حباً في «الثوار» الذين لم يتمكنوا حتى الآن من بلورة أية ملامح لهم، بل لأن تقاسم المغانم الكبرى هو أساس هذه المقايضات، أما الشعوب التي تقتتل مع بعضها، فعليها أن تنتظر حتى يصل أولئك الكبار إلى الصيغة النهائية التي يتوافقون عليها.
حدث كبير مثل هذا الإعصار العربي أو الربيع العربي، أو الحراك العربي، لابد أن يترك فراغاً وخاصة في المرحلة الانتقالية، ويختلف الأمر بين دولة وأخرى حسب نوعية الجهة التي تتولى الآن أمانة المسؤولية في هذه المرحلة الانتقالية، فالوضع في ليبيا على سبيل المثال آخذ في التدهور بشكل سريع وكارثي لأن النظام الليبي وقع مثل ذبيحة بين الأسود المفترسة، والجيش الليبي هو الذي يتعرض للتدمير المنهجي من قبل حلف الناتو الآن، والمجلس الانتقالي تتم صناعته لحظة بلحظة لأنه قبل ذلك لم يكن موجوداً، بل يتم خلقه تدريجياً حسب تطور الأحداث، ولذلك فإن الخسائر في ليبيا تفوق الحدود وتشمل كل شيء تقريباً البشر والشجر والحجر، وقد لا تكفي موارد ليبيا ولسنوات طويلة من تغطية فواتير إعادة الإعمار بعد أن ينتهي اللاعبون الكبار.
الوضع في مصر مختلف حتى الآن، لأنه منذ اللحظة الأولى، وضعت العهدة في يد الجيش، وهو جيش قوي، ومنظم، ولديه كفاءات عالية في كل الاختصاصات، وله قواعد ذاتية راسخة، ويحظى باحترام كبير جداً من الشعب المصري، ولكنه بدأ في الفترة الأخيرة يتعرض لتحرشات واسعة، ولإحداث شقوق بينه وبين الشعب، سواء من خلال الطموح المتسرع لبعض القوى والاتجاهات السياسية الطامعة في وراثة الهيكل كله، أو بسبب تداعيات الفتنة الطائفية التي انتعشت في ظل الثورة أضعاف مضاعفة عن الستين سنة الماضية، وهي فتنة يتفق جميع اللاعبين المحليين على وصفها بأنها إحدى فزاعات النظام السابق، مع أنهم جميعاً يعلمون أن الموضوع أخطر من ذلك ألف مرة، وهكذا فإن وضع الشقيقة مصر بين حلم الثورة وقلق الاستقرار يطرح أسئلة عديدة قد تتعذر الإجابة عنها في هذه الأثناء.
باختصار، ودون إغراق في التفاصيل عن الأوضاع في تونس أو اليمن أو سوريا أو البحرين أو العراق، أو في بقية الدول في المنطقة المتأثرة موضوعياً بتداعيات الإعصار حتى لو لم يمر بها هذا الإعصار حتى الآن، مثل بقية المنطقة العربية أو غلافها القريب في تركيا وإيران والأطراف القريبة للقارة الأفريقية، فإن المنطقة تعاني من الفراغ، فراغ على مستوى القرار، وفراغ على مستوى رؤية محددة وناضجة، وفراغ على مستوى آليات فاعلة يمكن اتخاذها، ونحن مازلنا في المنطقة في مرحلة المفاجأة وردة الفعل، حيث التداعيات تجرنا رغما عنا إلى تداعيات أخرى وهكذا دواليك.
ومن الطبيعي في حالة من هذا النوع، وأمام هذا الفراغ الكبير أن يأتي اللاعبون وخاصة الأكبر والأقوى وأصحاب الاستراتيجيات المسومة مسبقاً، لكي يملأوا هذا الفراغ، كل حسب قوته أو حسب نتائج المقايضات التي يجريها مع الأطراف الأخرى.
هناك فرضيات متعددة بشأن إسرائيل، هل هي متضررة فعلاً من الإعصار، هل هي خائفة من نتائجه النهائية، هل هي تتدخل بتعمد في اندفاعاته ورسم نتائجه؟ أم أنها مطمئنة؟ وقد انفتح أمامها أفق جديد وإمكانيات جديدة في أن تكون هي النواة الصلبة والحاكمة وسط هذا الفوران الذي يحمل في طياته كل المفردات السياسة والاقتصادية والأمنية والعرقية والدينية والمذهبية.
شخصياً، لم أنبهر كثيراً بالمشاهد المسرحية الهزلية التي أداها الكونغرس الأميركي ترحيباً برئيس الوزراء الإسرائيلي! وأتذكر وأذكر أن هذا الكونغرس نفسه قدم نفس هذه المشاهد المسرحية الهزلية في نهاية التسعينيات عندما زاره نتنياهو وهو في منصب رئيس الوزراء في إدارة الرئيس بل كلينتون، ولكن لم تمض سوى أسابيع قليلة حتى رأينا انتخابات مبكرة في إسرائيل بسبب الإيحاء الأميركي، مني فيها هذا الطاووس نتنياهو بهزيمة قاسية جداً بل مذلة، وعلى إثرها غادر مقعد رئيس الوزراء.
ما يعنيني بالدرجة الأولى في مرحلة الفراغ الكبير القائمة الآن – برغم كل الادعاءات الأخرى – كيف نقلل الخسائر ما أمكن؟ وكيف نفتح الأبواب أمام احتمالات وخيارات متعددة وليس الانكفاء على احتمال أو خيار وحيد؟ وكيف لنا فلسطينيا أن نتفق على ما يمكن حمايته، وترتيب أولوياتنا حول ما يمكن حمايته؟ فهناك خمسة ملايين فلسطيني فوق أرض فلسطين التاريخية وفي صراعنا المديد نحو المستقبل هؤلاء هم البنية التحتية الحقيقية والمضمونة لهذا الصراع، ويجب الحفاظ عليهم وعلى حياتهم ومكتسب ونموهم بأكبر قدر من الحكمة والتبصر.
وهناك السلطة الوطنية الفلسطينية، وبرغم ضعفها الشديد بحكم أنها تحت الاحتلال، يجب ألا نتعامل معها برعونة، مثلما نسمع بين وقت وآخر صيحات التطوع المجاني بحلها كما يحلو للبعض أن يردد بنوع من الهوس؟ لماذا، ماذا نكسب، ما هو البديل؟
وفي سياق هذه الأولويات تأتي المصالحة أولاً لأنها تسحب هذه الأداة الشيطانية من يد الاحتلال الإسرائيلي، واعني بها أداة الانقسام الملعون، وثانياً لأن المصالحة هي الرافعة الوطنية الوحيدة لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني – منظمة التحرير الفلسطينية – ليكون النظام مؤهلاً لحمل وتحقيق مشروعنا الوطني!!! ويجب التركيز هنا على عدم تصغير المصالحة لكي تقبع تحت سقف المحاصصة والابتزازات الصغيرة التافهة، مثلما يجري حتى الآن.
المشكلة التي عانينا منها كفلسطينيين، كجماعة وطنية فلسطينية كشعب فلسطيني، منذ نشوء الحركة الصهيونية، ونشوء السؤال الفلسطيني أننا كطرف فلسطيني لم نكن موجودين بالمعنى السياسي عند وقوع التحولات الكبرى في المنطقة، لا في الحرب العالمية الأولى ونتائجها وخرائطها، ولا في الحرب العالمية الثانية ونتائجها وخرائطه، وبما أننا لم نكن موجودين فقد كان من الطبيعي ألا يكون لنا حصة وأن نكون نحن أكبر الخاسرين.
الآن، والإعصار مازال يتجول، والخرائط عرضة لأن تتبدل وتتغير، والصفقات الكبرى والصغرى تعقد علناً وفي الخفاء، لدينا فلسطينياً ركائز حضور، حضور كشعب فوق الأرض، حضور في مرجعية فلسطينية ونظام سياسي فلسطيني، حضور في مشروع وطني خلاصته انبعاث كيانه ولملمة هوية وقيام دولة، وهذا ما يستحق الحفاظ عليه بماء العيون.
يجب ألا نترك كل ذلك، ونلحق بالوعود الغامضة التي تطلقها أصوات لا نعرف أنسابها على وجه التحديد، ويجب ألا ننزلق إلى سهولة التفاصيل التي قد تقودنا إلى نهايات مجهولة.
جميل ما جرى في مارون الرأس ومجدل شمس، ولكن بصراحة الفعل لم يكن فعلنا، ويجب ألا نترك مشروع الدولة تحت عنوان مشروع العودة، وكأنهما نقيضان لا يتحقق أحدهما إلا على أنقاض الآخر!!!
وجميل أن يفتح معبر رفح بشكل طبيعي، وأن يسافر الفلسطيني من القطاع إلى العالم في أي وقت يشاء، ياله من فرح جميل، ولكن لنا حقوق منصوص عليها في الاتفاقات التي شهد عليها العالم للتواصل مع الضفة، ويجب أن نحافظ على هذه الحقوق حتى لا ننزلق ونريح إسرائيل من أعبائنا ومن تحمل مسئولياتها تجاه حقوقنا، فهذا ما تخطط له إسرائيل منذ سنوات.
للفراغ أسئلة:
والإجابات عن هذه الأسئلة يجب أن تكون دقيقة وأمينة وبأعلى معايير المسؤولية.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع