ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - قدوة حسنة.. وعُليا
29/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

في يوم 28 أيلول (سبتمبر) 1961 نفّذ المقدم عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر في دمشق، انقلاباً عسكرياً أطاح بالوحدة بين مصر وسورية، وشطب الوجود الفعلي على الخارطة السياسية، للجمهورية العربية المتحدة، دولة الاتحادية العربية الأولى والأخيرة في التاريخ المعاصر!
كان انقلاب الضابط الدمشقي، الذي قيل أن وظيفته كمدير لمكتب المشير عامر، مثلت اختراقاً لتحالف «الإخوان المسلمين» مع قوى مناوئة لحركة التحرر العربي في المنطقة؛ بمثابة طعنة لحُلم جمال عبد الناصر الشخصي في الوحدة العربية. لكن ذلك الزعيم نفسه، لم يتقبل في يوم الطعنة، فكرة إلحاق الهزيمة بالانقلابيين بالوسائل العسكرية، على الرغم من صمود عدة حاميات يقودها ضباط وحدويون في وجه الانفصال. فاللجوء الى القوة، معناه الاقتتال، حتى وإن كان هذا الاقتتال سيقع في نطاق الوحدات العسكرية التي انقلبت على الدولة، والتي لم يكن جنودها سيقاومون محاولات استرجاع سلطة الحكم الوحدوي!
غير أن المشير عبد الحكيم عامر، الذي رفض تنبيهات عدة، بأن النحلاوي سيخونه وأنه يُنّجر له خازوقاً، وظل يؤكد على ثقته المطلقة به، رأى في الأمر استغفالاً لشخصه وخاتمة أو نتيجة قاسية، لمسلكه في سورية، ستلاحقه طوال حياته. لذا كان طبيعياً أن يسارع الى تحريك قوة عسكرية من مصر لسحق الانقلاب، لا سيما وأن الانقلابيين لم يكونوا قد سيطروا على كل سورية. وبدا أن هجمة عسكرية مضادة، يمكن لها تصفية التمرد العسكري، في حال إرسال ثلاث كتائب من سلاح المظلات، للتمركز على الساحل السوري والتواصل مع حلب وسواها، وحيثما كان الوحدويون يقاومون الانقلابيين. وما إن علم الزعيم جمال عبد الناصر بوصول «قوات الصاعقة» المصرية الى اللاذقية وبعض نقاط الارتكاز على الساحل، حتى أمرهم بإلقاء السلاح وتسليم أنفسهم لإخوانهم السوريين. كان أساس قراره ذاك، أن حُكم سورية، بل ومشروع الوحدة بينها وبين مصر، لا يبرر سفك قطرة دم واحدة، في اقتتال بين شقيق وشقيقه!
كان هذا هو المنطق الطبيعي لمن تشبع بالوطنية وتوسع في معناها، وملأت روحه مضامينها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وعرف كيف يتقي الله في مصير وطنه، وعرف من هم أعداؤه الحقيقيون، واستفظع إراقة دماء الناس بأيدي إخوتهم.
* * *
أما هؤلاء الذين يقتلون اليوم، لكي يتواصل حكمهم المديد، الى ما بعد موتهم، فإنهم يكشفون عن خواء روحي، وعن مضامين مضادة. ففي الاقتصاد هم الذين ينتهبون أرزاق خلق الله، من خلال أفانين فساد يدعمه الاستبداد، ويحيلون أوقات شعوبهم وبلدانهم الى جحيم. وفي الاجتماع هم مُنشئو الشرائح الباذخة حتى الكُفر، والمستعلية حتى الإلحاد، إذ أوشكت على إيهام الناس، بأنها ذات قداسة وأقرب الى الآلهة. وفي الأخلاق هم فائحون بوهيميون، لا يحللون ولا يُحرّمون. وبالطبع هم لا يتقون الله في أوطانهم، لأنهم غارقون في مخازي التواطؤ والخذلان والاستنكاف عن كل فضيلة وجهاد، ويصبرون على الاحتلال وإهاناته، لكنهم يتنافخون ويتعملقون على شعوبهم، ولا يطيقون فكرة التسليم لها بأي حق من حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذا تراهم يذبحون الناس أمام كاميرات تلتقط صور الجرائم دون أن يرف لهم جفن، ويتهمون الشعب بالإرهاب وبأنه مجموعة عصابات، متشبثين بالحكم الذي هو عندهم مغنم وصولجان، ومنظومة امتصاص والتهام، لمداخيل البلاد. تراهم يتذللون للمستعمر القديم ويستجدونه، وللمحتل العدو، لكي يمتد حكمهم. يقولون للأميركيين علناً إنهم جاهزون للعمل ضد أعدائهم وجاهزون للجوسسة وللطواعية السياسية. أبرع هؤلاء في الكذب، وهو النظام السوري، أبلغ الأميركيين في الأسبوع الماضي، أنه جاهز للعودة الى المفاوضات دون شروط، وأنه سيكون «إيجابياً» ولكن قبل ذلك يريد مساعدة الطرفين الأميركي والإسرائيلي، على استعادة «الاستقرار»!
في يوم 28 أيلول (سبتمبر) 1961 استوعب جمال عبد الناصر، الإطاحة بواحد من أعز أحلامه، وهو إنجاز قاعدة للوحدة العربية؛ لكي لا يضطر الى استيعاب وتبرير سفك دم جندي أو مواطن عربي سوري، علماً بأن التقديرات دلت أيامها على أن الأمر لم يكن سيصل الى سفك الدماء.
شاءت مقادير المولى، أن يموت جمال عبد الناصر، في ذات اليوم (28 أيلول) الذي أطيح فيه بالحُلم، بعد تسع سنين، فشيّعته جماهير الشعب بعشرة ملايين في القاهرة، وعشرات في جنازات رمزية. وظل الرجل حاضراً في كل ظلماء، كقدوة حسنة وعُليا!
أما هؤلاء، المستبدون الخائنون الفاسدون، فلن يظفروا حتى بالجنازات الطبيعية، التي يحظى بها المواطنون، وستلاحق اللعنات ذكراهم. وحسبهم أن يتحصلوا على قبور مهملة

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع