ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - حبا في سوريا... واستلهاما بعبقرية المكان
28/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

حتى الذين يختلفون كثيرا مع النظام السوري، ويرون أن الرئيس الشاب بشار الأسد خيب الآمال، وأضاع فرصا ثمينة، واعتدى على مكانة الدور السوري بأنه أخرجه من عمقه العربي، وجعله الدور المتلقي بدل أن يكون الدور المبادر القائد، حتى هؤلاء في سوريا وفي أرجاء الوطن العربي وفي أطراف العالم، يدفعهم حبهم لسوريا إلى الخوف عليها في ظل الأوضاع القائمة فيها منذ شهور، ومضاعفة أعداد الشهداء إلى ما فوق الألف شهيد من المدنيين الذين يسقطون برصاص أجهزة الأمن ووحدات الجيش السوري، أو عشرات الآلاف الذين يزجون في السجون، مع أن الوعد كان مختلفا، بأن يتم تبييض السجون السورية من المعارضين، أصحاب الرأي، الذين يحلمون بسوريا أفضل، والذين يؤمنون أن هذا ممكن لو خرج النظام السوري من حظيرته الحالية وانفتح إلى المصالحة مع شعبه، وانخرط جديا في حل المشاكل الداخلية السورية بدل أن يستهلك الجهد والإمكانيات ويتورط في اللعب في حقول الآخرين لمصلحة آخرين في معظم الأحيان.
مشكلة النظام السوري بتركيبته وعقليته الحالية، وآليات العمل المتبعة لديه، وسطوة العصا الأمنية ضد كل من يخالفه الرأي حتى لو كان من ( عظم رقبة ) النظام مثل الدكتور رفعت الأسد، هذه المشكلة قديمة يزيد عمرها عن خمس وثلاثين سنة، وتحديدا منذ عام 76، حين بدأ الحوار داخل أروقة النظام نفسه حول العديد من النقاط الجوهرية وأبرزها على ما أذكر، وكنت وقتها أسكن في ضواحي دمشق، مسألة الحريات العامة وكف يد الأمن الغليظة، ودمقرطة النظام وتبادل السلطة والخروج من نظرية حكم الفرد الواحد، ناهيكم عن التوريث، وإحداث انفتاح اقتصادي بدل الانغلاق على بقايا النظام الاشتراكي الذي بدأ يتعثر ويفقد صلاحيته حتى في بلد المنشأ في موسكو، وإعادة تطبيع العلاقة مع القضايا العربية انطلاقا من تطبيع العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، في ظل قيادة الرئيس عرفات لها آنذاك، حيث الكراهية له تحولت إلى ما يشبه المرض الشخصي عند رأس النظام السوري في ذلك الوقت.
في تلك الفترة، لم تكن الأجواء مهيأة للاستماع بعمق لهذا المنطق، حيث العنجهية، والمبالغة في الثقة بالنفس، والانكفاء داخل الستار الحديدي الأمني، أدى إلى أن النظام السوري لم يستجب إلى أي بوادر تغيير، برغم أن عدم الاستجابة جرت على سوريا ويلات كثيرة مثل الغرق في مستنقع التدخل السوري في لبنان الذي انتهى نهاية مأساوية في عام 2005، واستمراء تدمير منظمة التحرير الفلسطينية عبر العداء غير المبرر لها، استجابة للمخططات الإسرائيلية والاميركية والجشع قصير النظر في الاستفادة من إخراج المنظمة من لبنان بعد حرب صيف عام 82 والغزو الإسرائيلي الواسع النطاق في لبنان، الذي واصله النظام السوري بتنفيذ سلسلة انشقاقات داخل حركة فتح وداخل منظمة التحرير، وملاحقتها في المحافل العربية والدولية، واللعب في ساحتها الداخلية، ومحاولات إضعاف صفتها التمثيلية.
ولكن كل ذلك، كان بالنسبة للكثيرين وأنا واحد منهم يبدو مفهوما بالنسبة لشخص مثل الرئيس حافظ الأسد يرحمه الله، حيث الإنسان يعجز عن تغيير نفسه بعد أن يكون قد أخذ شكله النهائي، وبعد أن يكون قد بنى البناء على قواعد أيديولوجية وعقلية وسياسية ونفسية معينة، وبالتالي يصعب خروجه من القمقم الذي سجن نفسه داخله !!! ولكن الأمل تجدد بعد مجيء الابن الشاب الذي كان يدرس طب العيون في بريطانيا، والذي لم يكن قد سجل له أدنى اهتمام بالسياسة، وجاء الشاب، وتم التوريث، وعدل له الدستور، وقال الكثيرون إن الرئيس الشاب ليس سجينا في القمقم أصلا حتى يطلب منه الخروج منه، وأنه حر في النظر إلى الأشياء بطريقة جديدة، وخاصة أن الرئيس الشاب أطلق الوعود، وظهر كما لو أنه قريب من روح الأجيال الشابة وروح العصر، وأنه على مستوى السلوك الشخصي لا يتحمل وزر أي حالة ثأرية مع الشعب، وأن الفرصة أمامه للتغيير واسعة جدا ومتاحة على كافة الأصعدة.
ولكن مع الأسف الشديد فإن التجربة بدأت تسجل فشلا ملحوظا منذ أيامها الأولى، حيث عادت العصا الأمنية الغليظة فتسلطوا على رؤوس الناس وكسروا عظامهم، وجاء مؤتمر القمة العربية في عام 2002 حين كانت بيروت ورئيسها آنذاك إميل لحود تحت الوصاية السورية المطلقة وجزءا من النظام الأمني السوري، لتعامل منظمة التحرير ورئيسها الصامد المحاصر في رام الله والمعاقب إسرائيليا واميركيا على مواقفه البطولية الخارقة الرئيس ياسر عرفات معاملة أقل ما يقال فيها أنها حاقدة وشائنة، فقد منع بث الخطاب المتلفز الذي كان من المفترض أن تستمع إليه القمة، وعومل الوفد الفلسطيني ورئيسه الأخ أبو اللطف معاملة رديئة جدا، ولا أعرف بعد مضي كل هذه السنوات كيف تحملها الأخ أبو اللطف وبقي في القمة ولم ينسحب منها ؟؟؟ ثم تضاعفت مساحة التدخل السلبي بالشأن الفلسطيني، والأخطر من ذلك والأسوأ أن التوغل في المحور مع إيران ضد النظام الإقليمي العربي، فاق مئات المرات ذلك التحالف السوري الإيراني بعهد الرئيس حافظ الأسد الذي كان يجيد ببراعة مشهود لها لعبة التوازن، وكان قارئا بامتياز للخصوصيات التي تفرضها عبقرية المكان السوري.
لا أريد أن أفصل كيف خرجت سوريا من لبنان، وكيف كان السلوك السوري أثناء الغزو الأميركي للعراق، وكيف تعامل النظام السوري مع الانقسام الفلسطيني، وكيف أجج النظام السوري معدل الخلافات العربية !!! ولكن كل ذلك لم يؤخر قدوم الربيع العربي، والربيع السوري على وجه الخصوص، وقد عادت النصائح القديمة التي أهملها النظام السوري لتكون هي نفسها المطالب الجديدة، رؤية الواقع كما هو، وعدم الاختباء وراء دخان القنابل المسيلة للدموع، أو دوي الرصاص الذي يطلق على صدور المتظاهرين من درعا في أقصى الجنوب إلى الحسكة والقامشلي وحلب ودير الزور في أقصى الشمال والشمال الشرقي، وهو المشهد الذي خلاصته أن الجرح يتضاعف وأن المشكلة تتعقد وأن النظام تتفاقم عدم صلاحيته !!! فهل يملك الرئيس الدكتور بشار الأسد الرغبة والقناعة أولا بأنه يمكن أن يكون هو نفسه برنامجا واسعا وشاملا للإصلاح والتغيير؟
الوقت ليس مفتوحا بلا نهاية، وتبريرات الإحجام عن البدء بالتغييرات لم تعد مقنعة ولا يصدقها أحد، وسقط حاجز الرعب مع اصطدام أول طلقة أطلقها الأمن السوري على صدر أول المتظاهرين في مدينة درعا الباسلة عاصمة حوران، لتشتعل الدماء ويصتبغ الأفق بلون الأرجوان، لون الحرية.
حبا في سوريا، واستلهاما بعبقرية المكان السوري، الذي يشع عبر التاريخ إيجابا أو سلبا حسب موازين الصراع، نطلب من الرئيس الدكتور بشار الأسد سرعة اتخاذ القرار الشجاع، وأن يغلق أذنيه أمام وسوسات الشياطين في الداخل والخارج، وأن يكون هو المبادر، ولما لا، فإن سوريا أحد أبرز أعمدة البيت العربي، تستحق اشتراح الرؤية المطلوبة، وتستحق شجاعة المبادرة، وعاشت سوريا قلب العروبة النابض بالأمل.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع