ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - الدكتور جمال حرز الله وأنا وجرثومة Otitis
27/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

استثارتني منغصات المصالحة الوطنية التي تظهر بوجهها البشع في مقالات بعض الكتاب الحاقدين ذوي الأفق المغلق, وفي تقارير بعض الصحف الفلسطينية الموتورة, وكشوف الأسماء, عشرات الأسماء التي تنشرها بعض الصحف ومواقع الإنترنت, لمرشحين مزعومين للحكومة الجديدة ورئاستها, مع أن اتفاق الشرف الذي تعاهدت عليه جميع الأطراف, يقضي بعدم نشر أي أسماء حتى لو كان جرى الاتفاق عليها, إلى أن تعلن جميعها دفعة واحدة حين الإعلان النهائي عن تشكيل الحكومة.
كما استثارني الوضع السياسي والمعقد وطريقة الحديث عن هذا الوضع من قبل بعض السياسيين, وهؤلاء يعودون ويستعيرون اللغة الشيطانية, لغة الانقسام الأسود, الذي أتضح للقاصي والداني وللكبير والصغير أنه كان الأداة الرئيسية المعتمدة في يد نتنياهو, ولذلك أصيب الرجل بفقدان الاتزان, وما يشبه الجنون, عندما فقد هذه الأداة بعد الاتفاق النهائي على المصالحة في القاهرة, ويبدو أن هذا الجنون يصيب بعض الفلسطينيين أيضا.
ولذلك أريد أن أتحدث لكم اليوم عن معركة قاسية جدا خضتها شخصيا على امتداد الشهرين الأخيرين, مع جرثومة صغيرة تافهة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة, اسمها external Otitis, وهذه المعركة القاسية والدقيقة قادها بامتياز وجدارة وانتصار باهر الأخ والصديق العزيز الدكتور جمال حرز الله, الاختصاصي والخبير ورئيس قسم جراحة الفم والأذن والحنجرة في مستشفى الشفاء في مدينة غزة, ومدير أول مركز تخصصي في قطاع غزة في هذا الموضوع, حيث ذهبت إليه في المركز الكائن في عمارة الهندي شارع فهمي بيك على بعد أمتار قليلة من ساحة فلسطين, وكنت قد وصلت عنده في وضع طارئ جدا, تنتابني فيه المخاوف, حيث الجرثومة كانت قد استوطنت في أذني اليمنى, في بداية الربيع, وتحديدا في اليوم الأول من نيسان الماضي, حيث تنتعش هذه الجرثومة من كمونها في هذا الفصل لأسباب عديدة, وكنت قد قاومتها بمضادات حيوية قوية للغاية مثل أقراص zinnat500, وحقن في العضل من نوع rocophin, ولكن الالتهاب استمر في تصاعده, وفقدت قدرتي على النوم من شدة الألم الذي أصبح لا يطاق, وأخذت أتناول ستة أقراص يوميا من المسكن القوي ibofen600 بالإضافة إلى حقنة في العضل يوميا من نوع declofen, ولكن بعد عشرين يوما, ثبت أنه لا جدوى من وراء كل ذلك, وأن الخطر يتزايد, وأن هذه الجرثومة الضعيفة التافهة, تتحول إلى وحش مفترس يفتك بالمريض و خاصة إذا كان من عداد مرضى السكر, وإذا لم يتم بالسرعة الممكنة تحديد مجموعة المضاد الحيوي التي تتناسب مع هذه الحالة, لأن وجود السكر في الدم بنسبة عالية يشكل بيئة حاضنة لنشاط هذه الجرثومة اللعينة, التي يقال انها هي التي قضت على الملك النمرود أحد أبطال قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
في العشرين من نيسان الماضي زرت الدكتور جمال حرز الله لأول مرة في مركزه الطبي المتخصص, وبدأ معي مشوار العلاج بأخذ عينة لزراعتها وتحديد نوع العلاج المناسب, وبعد ثلاثة أيام سلمني مركز pio-lap للتحاليل الطبية النتيجة التي تقول ان هذه الجرثومة, ومن مجموع أحد عشر نوعا من مجموعات المضادات الحيوية فإنها تقاوم عشر مجموعات وتستجيب فقط لمجموعة واحدة من نوع ciprofloxacin, وهكذا أصبح طريق العلاج الطويل واضحا, فقد بدأت التعاطي مع أقراص tavanic 750, و بعد الأسبوع الأول تم تخفيض الجرعة إلى tavanic 500, بالإضافة إلى نقط الأذن من نفس المجموعة وهي نقط floxin hc .
يجدر بالذكر أنه خاض المعركة إلى جانبنا مشكورا أحد أبرز الأطباء المتخصصين في أمراض السكر والغدد الصماء وهو الأخ والصديق العزيز الدكتور سامي العيسوي المعروف بشغفه في متابعة التطورات العلمية في مجال تخصصه, وحرصه على المشاركة في الندوات والمؤتمرات الطبية التي تعقد في الخارج لهذا الغرض, وهو بطبيعة الحال رئيس قسم أمراض السكر والغدد الصماء في مستشفى الشفاء في مدينة غزة, وكانت مهمته ضمان السيطرة وضبط معدل السكر في الدم, وقد وصف لي gelimazil 4 مع نظام غذائي, مع استمرار التأكد من عدم ارتفاع معدلات السكر والاطمئنان على التحاليل المستمرة في مركز غزة التشخيصي.
المعركة التي خضتها بقيادة الدكتور جمال حرز الله ضد جرثومة qotitis استغرقت خمسة أسابيع, شارك فيها إلى جانب الدكتور سامي العيسوي, صديقي العزيز الطبيب الصيدلي أحمد أبو شعبان مدير صيدلية راغب في شارع بيروت, وعائلتي التي وقفت معي بقوة وخاصة في برنامج الحمية, لأن ضبط معدل السكر في الدم يحتاج إلى نظام غذائي دقيق وملتزم و يصعب التكيف معه, وليتخيل أحدكم كم سيصمد إذا طلب منه أن يعيش لفترة طويلة على طعام مكون من الخضار المسلوق أو الخضار المشوي, وبدون حتى ولو شرائح قليلة من الخبز؟ وليتخيل أحدكم كيف ستكون الحياة بدون هذا المسحوق الأبيض و الساحر الذي أسمه السكر؟ إن الحياة بدون طعم السكر تشبه إلى حد بعيد حياة الشخص المصاب بعمى الألوان حيث كل هذه الدنيا بألوانها الصاخبة والناعمة والجميلة والمثيرة والمتداخلة والذائبة في بعضها، تختفي من أمامه ومن حياته ومن أحاسيسه, فلا يرى سوى ذلك اللون الرمادي المتكرر الممل القاسي الذي هو لون الموت نفسه.
في الخامس والعشرين من هذا الشهر, وبعد إجراء الفحص اللازم بواسطة الأجهزة الحديثة الموجودة بالمركز, أعلن الدكتور جمال حرز الله بثقة أن جرثومة Otitis قد هزمت تماما, وأن أذني اليمنى قد تحررت نهائيا من هذا المستوطن اللعين الذي لا يضاهيه سوى الاستيطان الإسرائيلي وأنه في إمكاني التوقف عن تناول الأدوية جميعا, مع استمرار الحرص الشديد على عدم تسرب الماء, أو استخدام الأدوات التي قد تؤدي إلى جرح مهما كان صغير في الأذن, والاستمرار في ضبط معدلات السكر وعم ارتفاعها من جديد .
معركة طويلة وقاسية خضتها تحت قيادة الدكتور جمال حرز الله, وشكرا له كطبيب فلسطيني في غزة متخصص ويتابع ما يجري حوله في العالم في مجال نخصصه, وشكرا له كإنسان ثانيا يؤمن بالمساحة اللامتناهية بمهنته العظيمة, ويكفي أن أذكر لكم أن الدكتور جمال حرز الله كان يتابعني بالتلفون حتى لا أنسى مواعيدي العلاجية, وكان يتأكد أنني أخذ العلاج الصحيح في مواعيده, وهذه هي الروح الحقيقية للطبيب الإنسان العالم الذي يحب أن ينجح في عمله ليكون مفيدا للناس, فإن ما ينفع الناس يبقى في الأرض, أما الزبد فيذهب جفاء, فشكرا له من الأعماق.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع