ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
شارعنا بغزة ديناصور تقتاده نمله يناديها "ماما" ويصيح: النجدة!/ جمال نزال
22/12/2012 [ 08:25 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. جمال نزال

في عام 1990 جعلت سلطات الإحتلال في بلدي قباطيا مقرا للإدارة المدنية في بيت لعائلة مغتربة. وكان مدير المكتب ضابط درزي يتكلم العربية ويسمونه "أبو راس". كان مولعا بالتفرج على محطة عمان التلفزيونية ولديه وقت فراغ كبير. وبسبب الإنتفاضة الأولى كانت الأحوال الأمنية صعبة في قباطية التي تصدرت رصيد كل القرى في عشق اهلها لضرب الحجارة على المحتل. المحتل كان ماكرا من صغره ويضرب مصالح الناس في مقتلها الأصلي. الحاجة للتنقل. وصعوبة الحصول على التصاريح. كان التوجيهي عندي قد انتهى للتو والجامعات بالضفة مغلقات بأمر من الحاكم العسكري. لم يكن من خيار للشباب سوى الإغتراب. لكن وصول الأردن يستلزم التصريح. والتصريح عند ابو راس. وابو راس لا يبالي بالناس. بتاتا.

إلى هنا تتحملون نأي هذه المقدمة عن الموضوع. وصبرا.. يتوافد الناس مخترقين منع التجول مغامرين بحياتهم وصولا إلى مقر الإدارة المدنية لطلب التصاريح. ويتوقف على لباقتك في شرح قضيتك إن كان اليهود سيلينون في تلبية الطلب أم لا. لا أحد يعرف أسبابهم في اللين المصطنع أو القسوة المدروسة أو التسالي العبثية في رفض الطلبات وقبولها. والتفسير المنطقي الأبسط عندي هو في طلمة واحدة: "إحتلال". وعند البعض: "يهود". وحظوظ الناس أي مصائرهم تتفاوت لدى الإحتلال. فبعض الناس يتكلم العبرية وبعضم يلاطش بالإنجليزية وبعضهم بشيئ من البرسيم وأخرون من ابسط البسطاء لا يمتلكون من وسائل الإقناع إلا النظرات. وهذه الفئة أيضا أقسام. أنت وخفة دمك. فقد تنجح في استدرار عطف ابو راس أو إقناعه. أو يرى فيك من يستحق الشفقة. أما إن كنت جلبوطا أصما لخبط الفقر معالمك وشرشح كيانك ظاهريا فأنت عند أبي راس بلا جوهروقد راحت عليك.

ترددت على المقر عدة ايام كأي طالب معني بالسفر لأن بلاده بلا جامعات. مواليد السبعين يذكرون. وتوافدت أشكال والوان من الناس حصل بعضهم على تصريح وضرب بعضهم كفا وطرد آخرون.

حضر أحد الشبان هو الأخ حكم الشافع وقد توفي والده في عمان.. ويتحتم عليه السفر إلى هناك لإحضار جثمانه. حاول وحاول وحال. وفقد أعصابه وهو ينتظر في الإدارة والنواح والعويل في بيت أهله الذين دك قلبهم وفاة والدهم مريضا. ودك قلبهم وفاته على سفر. ودك كبدهم تعذر إمكانية إحضار جثمانه. نشف ريق الشاب. وانقبضت أساريره ونظر إلى السماء حانقا وقد تبدل حزنه بالغيظ فكاد أن... ثم عاد في اليوم الثاني وشرح الموقف لأبو راس. وانتظر حتى الظهيرة. ثم أخذ التصريح بعد نشاف ريق وعناء جهنمي. وراح. وجاء عجوز من عشيرتي لقبه الطوس. زوجته في الأردن للقاء ولدهم المتبقي الوحيد جاء من السعودية في إجازة للأردن ولا يفوت على الضفة بسبب منع الإحتلال. الطوس فلاح فقير قصير القامة في عينيه حول ويداه أكثر سمكا من لوح الصبر واقسى ملمسا بسبب الشقاء في الفلاحة. عجوز فوق الخامسة والستين فقير وحيد معدم وكبير. يريد السفر قبل انتهاء إجازة ابنه. لكن الإحتلال يمانع لأن سفره خطر على إسرائيل. وقد تستغرب يا أيها القارئ الكريم لماذا يتضرر الإحتلال من سفر الطوس؟ سأقول لك بعدين. حاول الطوس (وعاقب وشقلب) أي حاول وكرر المحاولة بلغة جدي وعاد في اليوم التالي والذي يليه وأنا جالس أستنى قدري. ولم ينفع معه شيئ. أصدر أبو راس بعض التصارح للتجول خاصة بالتجار أو للسفر ومشت أمور البعض ولكن الطوس ينتظر. ثم قالوا له طعال بكغا (أي تعال بكرا). وجاء في الغد فعلا. فلطعوه في الشمس بضع ساعات وجاءت من جنين السيارة التي تحمل التصاريح كأنها في نظر الناس أسانسير (مصعد) تنزل من الجنة فيه عبق الخلاص. وخرج صاحب الجلالة أبو راس. وتحلق حوله العباد. عدد قليل ومن ضمنهم الطوس ابو حي. آخر المصطفين ومعه ورقة. رفعها لابو راس كي يوقعها. فهز رأسه ورفض. وفي مثل سني يتوقع المرئ أن يقدم الطوس مرافعة الأخيرة متطورة وبلغة رشيقة ونغمة منطقية ويحاول بحجج ومستندات قانونية واعتبارت انسانية وتخجيل والذي منه. لكن الرجل الفقير لا يملك ايا من هذا. فهو أمي لا يجيد التكلم واسناد حقه. ناداني أبو راس في تلك اللحظة واعطاني تصريح سفري. فرحت. ولكني نظرت للرجل العجوز في محاولته الأخيرة ينظر باستجداء وصوت مرتجف هو من طبعه اصلا: وحدق في الضابط صامتا يبحث في رأسه عن آخر كلمة يمكن أن تقنع الضابط: فلم يخرج من فمه شيئ ابلغ من: "طيب إمظيلي إياها"! لا..آسف. ثم قال بنفس النغمة: إمظيلي إياه!! واطرق بعينيه وتنهد وراح. لن يستطيع رؤية ابنه هذا العام.

دولة إسرائيل لم تستطع إعطاء الطوس تصريحا ليغادر للاردن. لماذا؟

هذا الرجل كان يتردد على جدي ويجالسه في الشتاء حول الكانون يحتسون الشاي ويتحدثون. كبير ابنائه قاتل في صفوف حركة فتح في بداية الستينيات. وفقد. وضاع. ولم يعثر عليه حيا أو ميتا. وقد قص والده على مسمعي ولجدي قصة بحثه عن اسم ابنه في عمان في كشوف منظمة التحرير.

يحق له الآن أن أسردها بقلب يبكي قلة حيتله حتى اليوم. لا شيئ البتة يمكن أن يصير أتعس من أن تكون فلسطيني. قال: وصلت إلى عمان يا أبو محمد ومعي 3 ليرات في عام 1968. ذهبت إلى مقر المنظمة. وأدخلوني على رجل يلبس حطة مثل هذه تسحل على رأسه وليست معمرة أو مطبوقة على رأسه. كان الرجل الذي دخلت عليه يفطر ومعه شخصان. كان يفطر زيتا مع زعتر وحبتين لبنه مع زيت. عزم علي. فترددت ثم مددت يدي واكلت. قالوا هذا ابو عمار. أفطرنا. وسألته عن ابني. وبحثوا ثم بحثوا ثم قالوا نعم ابنك كان معنا وذهب في عملية. ونفذت. ونجى بعض زملائه. لكنهم لم يؤكدوا استشهاده أو أسره. ولم يبلغنا الصليب الأحمر عن مصيره شيئا. وتابع: ثم "أنطاني" أعطاني ابو عمار مبلغا بسيطا من المال. وعدت للبلاد أواصل البحث. "وذهبت مع زوجتي إلى سجن ... قرب ... ودخلنا.. وسالنا عنه فقال اليهود غير موجود. ووقفنا في ساحة السجن الخارجية حائرين يغتصب الحزن حواسنا. ومن خلال زنزانة أطل شخص لم أتبين معالم وجهه ورفع يده لي ولزوجتي. ثم شوح وشوح وشوح لنا وتمنى (أي حيانا) ولم نعرف من هو. ولكن زوجتي قالت هذا ابننا. سألنا عنه في كل مكان. ولم نجده يا أبو محمد". ألله يرضى عليه". أنتهى الرجل من حديثة وسكت. لا دموع. فقد كان الجرح جف من بعد السنين الطوال. شهيد من شهداء فتح المجهولين. الفاتحة.

لا أعرف شيئا أقسى من الإحتلال ولا دماغا أنشف من دماغه ولا قلبا أحقد من قلبه. ينتقم من رجل فقير عاجز مسن لا حول له ولا قوة لأن ابنه البكر الذي اختطف وعذب ثم قتلوه قد نزل في عملية ضد احتلال جاء من قارة لا يعرف أبوه أن يلفظ اسمها. الطوس هو لقب اسماعيل ابو حي نزال. رحمه الله ورحم زوجته وابنهما. آمين. كل الإحترام.

كلنا يعرف أناسا دمر الحتلال بقسوته وتعسفه حياتهم وداس على مشاعرهم وأصم أذنيه عن اي منطق وحجج من طبع الإنسان. احتلال متغطرص عنيد لا يسمع نصحا ولا يلين له قلب. صفات قبيحة حقا.

إنتهت المقدمة

نستفيد من هذا أن لا شيئ أقسى علينا من الإحتلال. فيفترض بنا أن نكون مختلفين عنه مع بعضنا البعض. هل نحن كذلك؟

المهرجان والنملة والديناصور

من المنتظر أن يعلن في تمام الواحدة بعد ظهر غزة اليوم إن كانت سلطة حماس "ستوافق" على" منح" الشعب الفلسطيني في غزة "ترخيصا" للتواجد في ساحة الكتيبة. هي المحاولة الأخيرة بعد انتظار قرابة شهر.

منذ شهر يتم الحديث مع حماس في نقطة واحدة: نريد ساحة الكتيبة ليوم واحد. للعلم: حماس تستخدم منذ 2007 سيارات ومقرات واسلحة وأزياء وذخائر ومعسكرات بنتها حركة فتح والسلطة الفلسطينية. فتح تريد ساحة الكتيبة ليوم واحد يؤمها نصف مليون شخص إحياء لذكر الثورة التي فقد تحت علمها إبن الرجل الذي قصصنا من أمره ما تيسر أعلاه واستشهد عشرات الالوف من مقاتلينا بقتال الإحتلال رجل لرجل. لا رجل لباص أو رجل من وراء ماسورة لا تسقط حمامة. العالم في غزة ينتظر. والناس يستأذنون ويوسطون ويتوقعون ويتمنون ويستدعون. وحماس التي فتحت السلطة بوجهها كل ميدان في الضفة دون قيود تتردد في الإجابة. وتقول: في الكتيبة ذكريات أليمة لا يتوجب إحياؤها! هه!

الخيارات الأخرى صعبة لفتح. ملعب اليرموك ضيق وجهته الشرقية آيلة للسقوط. السرايا بحاجة لتجريف وتهيئة. ونتساريم خارج البلد في البراري وبعيدة عن الناس. لكن حماس تخشي فيضانا يوضح الفرق بين حجم الديناصور والنملة التي تقتاده. هذه هي الحقيقة العارية بوضوح صريح.

هذا البخل من جانب حماس غير مفهوم. ويفتح الباب لتفسيرات متعددة. والبعض يقول إنهم يريدون دفعنا لتجريف السرايا كي يبنوا عليها مولات ويوفروا على انفسهم تكاليف التجريف! وقد يكون ذلك تخريف ولكن صعوبة توفير سبب منطقي مقنع لرفض الكتيبة أمر يدفع للتكهنات.

الأكيد أن المماطلة من جانب حماس يضر بروح المصالحة. ويجرح كبرياء حركة قاتلت لأجل فلسطين قبل ميلاد حماس بثلاثين عام. لا يجب أن يكون التعامل على أساس إنكار الجميل. نحن سمحنا لحماس أن تحتفل لسببين: أولا هذا حقها ثانيا لا يخيفنا حجمها لأن حجمنا كبير جدا ولدينا ثقة بجمهورنا.

هناك اصوات تقول بأنه لا يجب انتظار تصريح حماس. وإذا لم تبدي حماس حسن نية فقد تخرج الأمور عن السيطرة ويتوجه الناس حيث يشاؤون من دون سابق ترتيب. قد لا يكون مجال للتعسف والصلح في نفس اليوم!

الأماكن العامة ملك للشعب كل الشعب وليس لطيور الجنة وباقي الفصائل باستثناء الاقدم والأكبر.

يجب على حماس أن تتحلى بروح رياضية وشجاعة في مواجهة الحقيقة ورجولة في قبول الأمر الواقع. إن كان حجم فتح كبير إلى هذا الحد فأولى بحماس أن تصغي لصوت الشارع الآن وهو تصالحي لا تنتظر إلى الغد.. لا يجب على حماس أن تتحدى الناس إلى هذا الحد. شعب غزة ديناصور مسالم ولكنه قادر على التحول إلى تنين. ليس هذا ما نريد. لتكن حماس أول المدعوين في اصطفاف وحدوي تصالحي. هذا أفضل. إقبلوا التحدي وقابلوا الخير بالخير كما أعطيناكم بالضفة. للمنطق نداء لا يجوز تفويت أذانه الحق.

ملاحظة: أحد أصدقائي قال لي أن أبنا له في الصف السادس الإبتدائي قد قرأ مقالتي السابقة وأنها قد أعجبته. أنا متأكد أنه سيتساءل اليوم: ما الذي يدفع الديناصور لاستئذان النملة في دخول الغابة؟ عزيزي سامي: والله ما بعرف...قسما عظما لا أعرف

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع