ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - كيف نرى الواقع لنفهمه؟
08/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيي رباح

في فيلا صغيرة من طابق واحد في حي الرمال بمدينة غزة، يقع محترف (شبابيك) التابع لاتحاد المراكز الثقافية في قطاع غزة الذي يقوده الصديق العزيز يسري درويش، حيث أقام الاتحاد بالتعاون مع مركز غزة الثقافي معرضا للفنانة التشكيلية الشابة (رفيدة سحويل) التي اختارت لمعرضها موضوعا واحدا وهو الكهرباء، خاصة وأن الكهرباء، التيار الكهربائي، تحول في السنوات الأخيرة إلى ثقل رهيب وضاغط على حياتنا اليومية بكل تفاصيلها في قطاع غزة, أولا: بسبب الاحتلال الإسرائيلي الذي صمم شبكة توزيع الكهرباء التي يمدنا بها بطريقته الخاصة، ثم قام في الحرب الأخيرة على القطاع بتدمير جزء كبير من مولدات الكهرباء الضخمة التابعة لشركة إنتاج الكهرباء الفلسطينية التي أنشأتها السلطة الوطنية وبسبب هذا التدمير فقد انخفض إنتاجها من 174 ميجا وات إلى سبعة وعشرين ميجا وات فقط.
وثانيا: بسبب الانقسام الأسود الذي جاء ليلقي بظلال كئيبة فيزيد العتمة حلكة ويحقن الأعصاب بمزيد من التوتر، خلصنا الله منه ولا أعاده علينا، آمين يا رب العالمين.
الفنانة رفيدة سحويل قدمت لنا في معرضها المدهش أعمدة الكهرباء، وأبراج الضغط العالي وشبكة الأسلاك المتفرعة منها إلى الشوارع والبيوت، من خلال ذاكرة لونية مدهشة وموغلة في العمق، بحيث رأينا هذه الأعمدة والأبراج الحديدية، وهذه الأسلاك النحاسية، كأنها بشر، بشر حقيقيون، تمتد شرايينهم في انتظام وهدوء في معظم الوقت، وفي فوضى وتوتر أحيانا، لكي ينقلوا إلى البيوت وساكنيها والعمائر والأبراج السكنية العالية دفقة الضوء، ودفء التواصل الإنساني وذلك السر الخارق الذي اسمه إرادة الحياة !!!
رفيدة سحويل اختارت في لوحاتها اللونين الأخضر والأزرق حين يذوبان في بعضهما، أو يبتعدان أو يشع بينهما لون طفيف هو لون الأرجوان، بحيث تنقلنا الرؤيا البصرية واللونية إلى حالة أعمق، فتبدو أعمدة الكهرباء الممتدة في الشارع الطويل مثل طوابير جادة من البشر، ونوافذ البيوت البعيدة حين يصل إليها الضوء، تبدو كما لو أنها وصلها نصيبها من الطمأنينة، وهذا التيار الذي تنقله الأسلاك، الشرايين، يتحول إلى نور الأمل.
أعرف أن السياسة أولا وقبل كل شيء، ولكن السياسة يلزمها أن ترى ما هو أعمق من الظاهر على السطح، وأن تدرك ما هو أبعد من اللحظة الراهنة !!! وهذه هي أصلا رسالة الإبداع الإنساني بكل تنويعاته الأدبية شعرا ونثرا ونصوصا روائية أو مسرحية، والفنون بكل تجلياتها، خاصة هذه الذاكرة اللونية في الفن التشكيلي، أو هذا التدفق من المشاعر والإدراك الشفاف حين نرى الموسيقى ولا نسمعها فقط !!!
المشهد الفلسطيني في كل أطواره، بصفته صراعا محتدما بين الحق في أعلى وأجمل صوره والظلم في أحط وأبشع صوره، هو مشهد معقد ومتداخل العناصر ويستعصي في أحيان كثيرة على استيعاب التقارير والأرقام ويحتاج حتى نراه على حقيقته، وحتى نفهمه ونحيط بعمقه الشامل إلى الإبداع، إلى عبقرية الإبداع الإنساني التي تتجلى في الآداب والفنون، وحين نرى الواقع بهذا العمق وهذا الشمول، من خلال الإبداع الفني أو الأدبي فإننا حينئذ نستطيع فعلا أن نفهمه، أن نطمئن إليه حين ينال الرضى ، وأن نرفضه ونغيره حين ينال السخط، وتلك هي رسالة الإبداع الأولى الخالدة.
شكرا للفنانة الشابة (رفيدة سحويل) التي قدمت لنا في معرضها جرعة جمالية مكثفة أبدعتها ريشتها الحساسة والذكية، وألوانها المفعمة بصخب الحياة.
أتمنى أن نشاهدها أيضا وأيضا في معارض أخرى تقودنا للتعمق في موضوعات أخرى من صميم حياتنا، وأتمنى لها المزيد من النجاح.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع