ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
ما بعد اتفاق المصالحة
08/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د.عاطف أبو سيف

سيظلّ الفلسطينيون يضعون أيديهم على قلوبهم؛ خشية أن ينهار كل شيء فجأةً، وخشية أن تنتهي الفرحة الكبرى التي سرت في جميع أنحاء البلاد وفي الخارج في المخيمات. لقد شكّل الاتفاق طاقةً في جدار اليأس الذي عزل الفلسطينيين في (غيتو) بعيداً عن أحلامهم وتطلعاتهم، وألهاهم عن غاياتهم ومشروعهم الوطني. لذا فإن الاتفاق الذي ليس إلا الخطوة الأولى في طريق المصالحة بحاجة لإجراءات كثيرة. وهو ليس إلا خطوة في طريق الألف ميل.
وربما كانت أولى هذه الخطوات الابتعاد عن التراشق الإعلامي في القضايا الخلافية مهما كبر حجمها أو صغر. وبدا واضحاً أن ثمة شيئاً من الماضي مازال في النفوس، ويكفي المرء متابعة مواقع (النت) وخاصةً الملتقيات حتى يرى ذلك ويستدل عليه. فالأمر قد يتطلب مكابدةً وتعالياً على الجراح، لكنه يتطلب، أيضاً، حكمةً في التعبير والنطق والانتباه عند صوغ الخطابات والآراء، خاصةً من قبل المسؤولين الذين قد يصدر عنهم ما يوتر الأجواء. حتى في الجلسات الخاصة الضيقة؛ لأن عصر الإنترنت والفيس بوك لم يترك للسر مكاناً، بل إن نقل المعلومة صار أسرع من الخيال. وعليه، فليحذر المسؤولون وهم يتحدثون عن المصالحة؛ حتى لا يفسدوا سمعتها بكثرة حديثهم واجتهاداتهم وآرائهم.
وهذا يرتبط أكثر بالسياسات الإعلامية للتنظيمات المختلفة التي يجب أن تتأسس على مرحلة المصالحة وأجواء الوفاق وتبتعد عن كل ما قد يثير الفرقة والاختلاف. لا أحد يطلب من تنظيم ما أن يتنازل عن خطابه السياسي، لكن المطلوب أن يتمحور هذا الخطاب الإعلامي على الوحدة التي هي انتصار للجميع، وهي هزيمة فقط لإسرائيل، التي أعلنت رغبتها في إعاقة المصالحة. وبهذا فإن التنظيمات الفلسطينية مدعوة إلى العودة إلى الخطاب الوطني الخالص الذي يركز على ما يوحد لا على ما يفرق؛ لأن حيز الاتفاق أكبر من مساحة الاختلاف. يسعد المواطنون كثيراً حين يرون قيادتهم موحدةً وهي سعادة عرّت عن نفسها بفطرة ودون تخطيط عبر المسيرات العارمة التي خرجت في مدينة غزة لحظة توقيع الاتفاق في القاهرة، كما يسعدهم أن يروا خطابهم السياسي موحداً يعلي من قيم التسامح والإخاء والعوامل المشتركة. بالتالي فإن التركيز على هذه الجوانب سيشكل حزام أمان يحمي المصالحة من الانزلاق في متاهات اللغط والعبارات الكبيرة الاستعراضية التي تمس هيبة الوطن والوحدة ولا تخدم إلا مواقف حزبيةً ضيقةً.
لقد شهد الماضي فترةً سوداءَ لعب فيها الإعلام الدور الأكبر في تعميق الانقسام، وكان أشد وطأةً من السلاح والقتل، بل كان هو موجهاً لعمليات القتل والتدمير، وكان السبب الرئيس وراء تمزيق النسيج الاجتماعي. وهو دور مخالف لأخلاق المهنة والغايات النبيلة التي يجب أن يخدمها إعلام شعب تحت الاحتلال. وهو على العكس قام بكل شيء مخالف لطبيعته ووظيفته المفترضة ورضي بدور أسود. هل يكون الإعلام الفلسطيني الآن على مستوى التحدي ويقوم بدور مناقض لما قام به في المرحلة السابقة. على الأقل يكفر عن أخطائه وسيئاته، ويساهم في إعادة اللحمة إلى الشعب، ويعزز من ثقة الناس بالمصالحة ويؤكد لهم أنه ليس مجرد حلم وينتهي بل إنه حقيقة يجب حمايتها والدفاع عنها. من هنا فإن المطلوب من الإعلام الفلسطيني أن يسخر نفسه لخدمة هذه الغاية النبيلة ويعمل على بث الأمل في نفوس الناس وعدم الحديث عن الماضي إلا بقدر ما يكون تذكر هذا الماضي مدعاة للحقد عليه والبحث عن يوم أفضل. عندها يعود الإعلام إلى واجهته الحقيقية ويؤدي دوره الحقيقي في إنجاح المصالحة والدفع باتجاه تنفيذ الاتفاق.
النقطة الأخرى في هذا النقاش هي بناء شبكة تضامن اجتماعية حامية للاتفاق من أي اجتهادات أو من عشاق الانقسام والمستفيدين منه وممن قد يحاولون أن يعيدوا الكرة للوراء وعجلة الزمن للخلف ربما. هذه الشبكة يجب أن تعمل على حماية المصالحة والتبشير بها والدعاية لها والقيام بنشاطات جماهيرية معززة لها. وربما يمكن لنا الجزم أن الشباب أفضل من يقومون بذلك خاصة المجموعات الشبابية المختلفة التي عملت على إنهاء الانقسام في مسيرات 15 و30 آذار وما تبعها بعد ذلك من فعاليات. بمعنى أن دور 'ائتلاف شباب 15 آذار' و'كفى' و'5 حزيران' من تحالفات شبابية يجب ألا ينتهي عند توقيع المصالحة، بل إن على الشباب الفاعلين الذين حملوا همَّ المصالحة أن يفكروا في نشاطات تحمي المصالحة، فتوقيع الاتفاق مرة أخرى ليس إلا خطوة واحدة في طريق طويل. إن العمل الجماهيري اليومي والنزول إلى الشارع في كل يوم يشكلان تذكيراً بالوعي الشعبي الحاد بضرورة تطبيق الاتفاق وأن الشعب لن يتراجع عن قراره في الدفاع عن وحدته. وهذا بدوره يشجع المترددين الذين ينظرون إلى المصالحة بريبة وخوف من أن تتضرر مصالحهم لأن ثمة خاسرين دائماً، فقط وحده التضامن الاجتماعي والعمل الشبابي المتواصل والتشبيك مع كل فئات المجتمع وشرائحه ومؤسساته يمكن أن يشكل عازلاً إلكترونياً حول المصالحة ويحميها.
النقطة الأخيرة في هذا النقاش تتعلق بمستقبل القضايا قيد النقاش. فالاتفاق كان بالخطوط العريضة ولم يتم التوقف أمام التفاصيل لكن ثمة لحظة سيكون عندها الوقوف أمام التفاصيل حازماً ومهماً. إن حماية الاتفاق تتطلب من الجميع التعامل بتسامح وسعة صدر مع هذه التفاصيل وعدم التمسك الحنبلي بالرأي. فالمتربصون بالاتفاق كثر وأولهم إسرائيل التي تحاول كي الوعي الفلسطيني في قضية الرواتب بحيث تصبح الوحدة نقيض انتظام الحياة الكريمة بالنسبة للموظف. وربما علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نتقاتل عمن يرئس الحكومة ومن يكون وزيرها الفلاني والعلاني؟ ومن أخذ ماذا؟ عن قيمة كل صراعنا حين لا تستطيع الحكومة توفير الرواتب أمام استحقاق وطني.
إن المؤكد أن ثمة استحقاقات وطنية كبرى في انتظارنا تستحق منا الانتباه أكثر، وتشمل هذه ضمن أشياء كثيرة استحقاق أيلول المقبل في الدولة واستحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية واستحقاق تطوير منظمة التحرير، وهي مهام كبيرة ومقدسة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع