ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الطريق العمودي
06/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : وليد ابو بكر

لا يكفي القول إنني استمتعت بحالة الانعتاق الشاملة، على الطريقة الصوفية، خلال خمس وسبعين دقيقة كاملة، شكلت زمن 'الطريق العمودي' على خشبة المسرح، في العرض الذي قدمّه مدرب الرقص الشهير أكرم خان من خلال فرقته، لجمهور أثبت أنه قادر على الاستمتاع، وعلى التقدير، وهو يتابع لحظات العرض بصمت واندهاش. مثل هذا القول، وأكثر منه، شعر به كلّ من حضر العرض الذي جاء به المجلس الثقافي البريطاني، وتعاونت سرية رام الله في استضافته، حتى أصبح بالإمكان القول إنه حين يكون العمل محترما، فإن الاحترام هو رد فعل الناس الطبيعي عليه، إلى درجة عدم اقتحامه بالتصفيق، غير ذلك الذي عبر عن الإعجاب الشديد، مع الحركة الأخيرة فيه.
أودّ أن أقول إن ما شاهدته ليس مجرّد عرض قائم على مقولة عميقة ومستوعَبة جيدا وحسب، ولكن صاحبه استقى من هذه المقولة سبيلا إلى التعبير، عن طريق تأمل صوفيّ لا يفقد بوصلته وهو يعرف أنه يقدّم على الأرض، رقصا معاصرا، حتى وإن استلهم التطلع إلى السماء، وهو يستقي من أفكار قديمة، وطقوس رقص قديمة أيضا. أودّ أن أقول، بمعنى آخر، إن التأمل، مع قدرة في الوصول إلى تفاصيل مبتكرة، هو الذي جعل إلى الصورة الشاملة للعرض، تدخل قلوب الجميع، لأنه كان قادرا على التوجه إلى الجميع، فتلقاه كلّ منهم كما تلقاه، ولكنه وصل.
ما السرّ ـ الموضوعي ـ الذي يجعل هذا 'الطريق العمودي' يصل إلى الجميع، فيحبه الجميع، ويحترمه الجميع، دون أن تكون لديهم أية دوافع أخرى معزّزة، سوى تفاصيل العرض نفسه.
أقول، تعوّدنا في كثير من عروض الرقص على أسهل لغة حركية متاحة، الكلمة فيها حركة راقصة، والجملة مجموعة من هذه الكلمات الحركية، تتوالى في ترتيب دائري، تعزّزها ألوان مبهرة، ومحسنات شكلية تتفاوت في القدرة على الجذب، بين ثقافة وأخرى.
في هذا العرض، لا نجد شيئا من ذلك. في هذا العرض هندسة مختلفة، تخرج عن الخطوط المتوازية والدوائر، لتدخل في عالم يتطلع إلى الفضاء، كما يفعل الصوفيّ، وهي بذلك تعتمد على هندسة الفضاء، الهندسة الفراغية، لترسم أشكالاً لا علاقة لها بالسيمترية التقليدية، التي تقسم الخشبة إلى أجزاء متشابهة في الشكل والفعل، لا يخرج راقص فيها عن خطوطه. الهندسة التي استخدمها العرض حديثة إلى درجة مدهشة، ومنضبطة كليا، وقائمة على منطق معقد، ولكنه مرسوم بدقة في ذهن من اختارها. وهي هندسة تضع في الذهن أمرين يمكن تلمسهما بالتأمل: أن تعبّر، وأن تدهش، لكنها في الوقت نفسه، لا تتهافت، وهي تقدّم، لمن يستطيع أن يصل، مستويات متدرجة العمق، تذكر بتدرّج التجليات الصوفية.
يكون ذلك بالموسيقى، ويكون بسكون الراقصين، ويكون بحركتهم، وهم يخلقون صورا تتوالد من صور، دون توقف أو فتور، لا في المشهد العام المترابط وحده، وإنما في جزئياته أيضا. نحن نرى المشهد العام ونحبّه، ونلهث معه وهو يتحرّك في تشكيلاته، حتى نرى المعيّن منها وشبه المنحرف، وحتى الإهليجيّ والحلزوني، أكثر مما نرى المربع والمستطيل. وحيث تبرز بؤرة في المشهد ـ أو أكثر ـ لها عالمها المستقل/المتصل، وهي تخرج من المشهد العام، ثم تعود لتدخل، لتظهر بؤرة أخرى، يحتاج المتلقي إلى كل التركيز الذي يستطيعه حتى يتابع، وهو ما يجعله يسلّم نفسه للعرض بشكل كليّ، لأن التفاصيل لا تسمح لانتباهه بالانقسام، حتى حين تركز على ست عشرة إصبعا، كل واحدة منها تحمل حركة مختلفة، ما يعني تعبيرا مختلفا في الجملة الكلية للمشهد، التي تعني خلية جميلة في كائن تجعله مجموعة خلاياه أكثر جمالا.
أقول: هو عرض موسيقيّ، لا بالموسيقى الرائعة الواعية التي ترافقه فقط، وإنما بالاستفادة المطلقة من الموسيقى السيمفونية أيضا، بحيث تكون الجملة الحركية جزءا من جملة موسيقية، في عمل متكامل. ما يثير الدهشة المتواصلة أن يستمرّ العزف الحركيّ الجماعيّ بانسجام، ليحدث ذات لحظة، ما يحدث في العزف، حين يخرج راقص في عزف حركيّ منفرد، تماما مثلما يمكن أن تخرج من فرقة سيمفونية مثلا، آلة نفخ، تدعم آلات معدنية، في فرادة تخصّها، وعلاقة مع بقية العزف في الوقت نفسه. مثل هذا التأثر ـ الذي يجعلني أتصور أن مدير الفرقة مدمن على الموسيقى السيمفونية ـ هو الذي يعطي الحركة قدرتها على التركيب، حتى ترتفع من مستوى الطقطوقة الحركية، أو حتى السولو حين تنجح، إلى المستوى السيمفوني المركب، وهو ما توصّل إليه هذا العرض.
حين استشرت، قبل أن يستقرّ العرض، حيث استقرّ، تمنيت على زائرتيّ من المجلس الثقافي البريطاني أمرين: الأول هو أن يكون البيت الحقيقيّ لهذا العرض الراقص، في سرية رام الله، لما لها من صلة، وخصوصا لأن موعد زيارته المخططة مسبقا، كان قريبا من موعد مهرجان الرقص المعاصر، أما الثاني، فكان أن يقدّم العرض في مكان أستطيع أن أشاهده فيه. وأنا سعيد بأن ذلك تحقّق، لأن العرض ذاته غمرني بالسعادة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع