ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مصالحة ولكن...؟!
04/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. عبد المجيد سويلم

وحدهم أصحاب النظرة اليائسة ـ كي لا نقول، النظرة العدمية ـ لا يرون في شهر أيلول القادم موعداً مع حرية الشعب الفلسطيني ومحطة فاصلة في مسيرة الاستقلال الوطني.
وهؤلاء مع الأسف لا يثقون بأنفسهم أولاً، ولا يثقون بشعبهم ثانياً، ولا يثقون بحركة الواقع ومسار التطور التاريخي ثالثاً، وهم فوق هذا كله لا يثقون إلاّ بالقدرة الإسرائيلية على إدارة الصراع، وفق أهدافها ومصالحها، وهي مدججة بكل أسباب القوة التي تمكنها من فرض هذه الأهداف كما يرونها وكما توحي لهم.
هؤلاء (وجلّهم من الفصائل، ومن الفصائل ذات الهوى وأحياناً الهوس المليشيوي) ما زالوا يعتقدون أن استحقاق أيلول هو محاولة فلسطينية (يائسة) للهروب إلى الأمام، وأن 'العجز' عن شق طريق البديل 'الثوري' أو مجموعة البدائل العنترية هو الذي أدى بالقيادة الفلسطينية إلى اعتماد بديل التوجه إلى الأمم المتحدة، وهم لا يرون أن إنضاج هذا البديل قد جاء في سياق متصل بعملية سياسية ناجحة، وفي إطار عملية بناء جبّارة ومؤزّرة، وهم لا يرون حتى الآن أن إقحام المجتمع الدولي وتدخله ومساهمته المباشرة في معركة إنهاء الاحتلال كانت وما زالت الفكرة الأكثر جوهرية، وانها كانت وما زالت الفكرة الموجهة لكامل سياق الهجوم الدبلوماسي الفلسطيني الناجح ولكامل فكرة بناء المؤسسات وتجهيزها والحصول على الاعتراف الدولي بهذه الجاهزية تمهيداً للاعتراف بالدولة الوطنية المستقلة في أيلول القادم.
ووحدهم أصحاب المشاريع الزبائنية ومنظومات الاقتسام وإعادة الاقتسام بل والاستقسام، وربما الاتفاق على إعادة تنظيم الاقتسام هم من يعتقد أن المصالحة ربما ستخلصهم من ورطة البناء المؤسساتي ومن ورطة السياسة الفلسطينية المحنكة القائمة على أساس الالتزام بالشرعية الدولية ووسائل القانون الدولي في خنق السياسة الإسرائيلية، وتدمير كامل استراتيجيتها القائمة على أساس الدولة المؤقتة، وعلى أساس الأطماع التوسعية والتهام أكثر من نصف أراضي الضفة الفلسطينية وتحويل التجمعات السكانية إلى مناطق معزولة بعد تصفية قضية القدس وعدم الاستعداد حتى لمجرد مناقشة قضية اللاجئين.
إن تدمير هذه الاستراتيجية كان ممكناً فقط عبر سياسة فلسطينية تقود عملية سياسية ناجحة في إقحام المجتمع الدولي في أتون الصراع وتحميل المجتمع الدولي شيئاً فشيئاً المسؤولية المباشرة عن المساهمة المباشرة في معركة إنهاء الاحتلال.
والمصالحة بهذا المعنى إما أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه المعركة، وإما أن تكون سياسة معارضة ومعترضة ومناوئة لهذا النهج الذي حقق النجاح وأخرج الشعب والمنظمة والسلطة من دائرة الإرهاب والفساد ورفع على جدول أعمال العالم قضية الاستقلال الوطني.
ثم لنعد قليلاً إلى الوراء، لماذا بادر الرئيس وقبله الدكتور فياض إلى طرح موضوع المصالحة بهذه الإلحاحية وهذه الشجاعة والتسامي، إذا لم يكن هناك من رابط صميمي بين برنامج التوجه إلى الأمم المتحدة وبرنامج البناء المؤسسي وتجهيز مؤسسات الدولة وبين المصالحة..!!
أليست المصالحة في واحد من أهم مضامينها وفي واحدة من أهم ما تنطوي عليه من أبعاد هي المدخل الإجباري كي نفوّت على إسرائيل والولايات المتحدة، ربما فرصة التنصّل من استحقاق أيلول تحت ذريعة انقسام المؤسسة الوطنية الفلسطينية وتقاسم التمثيل السياسي؟
إذاً، ما المقصود بسياسات الاسترضاء التي تحاول بعض الفصائل وبعض قادتها أن تضعها كنهج سياسي في العلاقات الوطنية حتى لو كانت على حساب كل ما حققناه وحتى لو أدت إلى تدمير كل ما أنجزناه؟
ما فائدة المصالحة إذا لم تكن جزءاً أصيلاً، ومساهماً جوهرياً في مشروع الاعتراف الدولي بالاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني؟ وما فائدة المصالحة إذا كانت على حساب النهج الذي قاده الدكتور فياض في البناء المؤسسي المعترف به دولياً والمشجّع من قبل المجتمع الدولي والمدعوم بصورة مباشرة من هذا المجتمع؟
إذا كانت الفصائل الفلسطينية قد وقعت على حكومة من الكفاءات المهنية، وإذا كانت الحكومة القادمة مطالبة بالسير في طريق تعزيز البناء والتكامل الكامل مع الحركة السياسية الفلسطينية التي شرعت بتقويض كامل المشروع الإسرائيلي التوسعي والتصفوي للحقوق الوطنية الثابتة فهل من الحكمة والحنكة أن تستبدل كامل سياستنا وكل ما حققناه وأنجزناه (وهو بكل المقاييس يرقى إلى مستوى المعجزة) في سياق سياسات استرضاء واقتسام واستقسام؟
ثم إذا كانت المهمة الأولى للحكومة القادمة هي الإشراف والتحضير والتجهيز للانتخابات، فهل كانت حكومة بل وحكومات الدكتور فياض هي التي منعت الانتخابات؟
ألا تذكر الفصائل وبعض ممثليها أن الحكومة الفلسطينية بريئة من تأجيل الانتخابات براءة الذئب من دم 'يوسف'، وأن الحكومة ورئيسها تحمّلوا وزر التأجيل من أجل التغطية على فشل الفصائل وتقاسماتها ومراكز نفوذها وحصصها؟
ثم إذا كانت مهمة إعادة إعمار غزة هي من أهم واجبات الحكومة القادمة، فهل تحتاج الفصائل وبعض أصحاب المصالح الصغيرة إلى أن تذكرهم بأن مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد لإعادة إعمار قطاع غزة قد عقد بمبادرة من السلطة الوطنية، وبمباركة كاملة من سيادة الرئيس، وتحت الإشراف المباشر لرئيس الوزراء؟
هل تذكّر أصحاب سياسات الاسترضاء والاستقسام أن المشاريع التي قدّمت في ذلك المؤتمر أعدتها وزارات السلطة الوطنية وتمت بجهود استثنائية في وقت قياسي تحت إشراف ومشاركة رئيس الوزراء؟
وما هي الفائدة التي ستعمّ على الشعب الفلسطيني إذا ما تم استبعاد كامل هذه السياسة أو الالتفاف عليها أو التحايل للتخلص منها؟
هل سنشقّ يا ترى نهجاً أكثر أهمية وأكثر تأثيراً وفعلاً في الواقع الفلسطيني والإقليمي الدولي وفي الواقع الإسرائيلي نفسه من خلال عقلية الاقتسام والاستقسام؟
هل تريد بعض الفصائل أن نذكّرها بأن أكثر من 50% من الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة أجابوا بأنهم لا يثقون بأحد من الفصائل على مدى أكثر من أربعة أو خمسة استقصاءات للرأي في الفترة الأخيرة؟
المصالحة إنجاز عظيم لشعبنا، والمصالحة هي بالأساس مصلحة وطنية عليا وليست مصلحة مجموعة من الفصائل أو مجموعات من النخب داخل هذه الفصائل. ونحن نعرف أن التغيرات الإقليمية وحركة الشارع العربي والفلسطيني قد فعلت فعلها في التوصل إلى المصالحة. ونحن نعرف أن أزمة العمل الوطني إنما تكمن في حالة الانقسام، ولكننا يجب أن نعرف، أيضاً، أن الرغبة بالمصالحة أمر جيد ولكن الأهم أن نعرف ماذا نريد من هذه المصالحة، وأي سياسة ستخدم هذه المصالحة؟
ليس من مصلحتنا (كشعب وقضية وسلطة وطنية) أن نلبس عبارة أحد أو نُلبس عباءتنا لأحد، وليس المطلوب أن نضحي بإنجازاتنا الوطنية لأي كان، وإذا كان لنا أن نفعل شيئاً حقيقياً لشعبنا وقضيتنا فلتُقلع الفصائل عن عقلية الهيمنة والاستئثار والمحاصصة ولتضع نفسها في خدمة الشعب وقضيته، بدلاً من تسخير الشعب والقضية في خدمة الأهداف الخاصة بالفصائل، والشعب دائماً أذكى مما يتصور أهل الفصائل وبعض القائمين عليها وهو سيعرف كيف يحكم على هذه المعادلة، وسيعرف كيف يرد عليها وسيردّ عليها وإنّ غداً لناظره قريب. وشتّان بين مصالحة هدفها حل أزمة الفصائل ومصالحة هدفها تحقيق المصالح العليا للشعب والقضية.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع