ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
موت ابن لادن: أميركا تقتل دميتها
03/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : أشرف العجرمي

يستطيع الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يسجل لنفسه إنجازاً مهماً، قد يساعده في الانتخابات القادمة، بتصفية أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي اعتبر المطلوب رقم واحد على مستوى العالم. خاصة وأن أوباما لم يسجل أي انتصار يذكر في أي مجال خارجي، وقد خسر حزبه الأغلبية في الكونغرس خلال الانتخابات التكميلية، وأصبح في وضع صعب على مستوى البرلمان.
هذا الإنجاز يثلج صدر الشعب الأميركي الذي طالما تمنى هذه اللحظة والانتقام من بن لادن الذي تسبب في قتل آلاف الأميركيين في الولايات المتحدة وخارجها، على الرغم من أن الشعور بالارتياح وإشفاء الغليل في اطار الانتقام يتناقض مع المشاعر الإنسانية التي ترفض مبدأ القتل حتى لو كان في اطار ما يسمى تحقيق العدالة. ولكن لطبيعة النفخ الإعلامي على مدار سنوات طويلة في قصة بن لادن ومدى خطورته ودمويته، يصبح شعور الأميركيين العاديين مفهوماً.
لكن لا بد من عود على بدء في موضوع بن لادن والحركات الإسلامية المتطرفة. فأصل القصة يرجع إلى الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة مع جهات دولية لتحقيق مصالحها على المستوى الكوني. فواشنطن هي التي سعت إلى خلق ظاهرة المسلمين المجاهدين في اطار محاربتها غير المباشرة للاتحاد السوفياتي، خاصة بعد اجتياح القوات السوفياتية لأفغانستان.
الولايات المتحدة أرادت إظهار الموضوع وكأنه حرب بين الشيوعية والإسلام فجندت مجموعات كبيرة من المسلمين ودرّبتهم وزوّدتهم بأسلحة متطورة وفتّاكة لمحاربة الجيش السوفياتي، وظهرت ظاهرة بن لادن والقاعدة وطالبان والمجموعات الأخرى المثيلة لها في اطار الدعم الأميركي والاحتضان لهذه الحركات على أمل التخلص من الوجود السوفياتي في أفغانستان. ويمكن القول إن هذه الحرب نجحت في تحقيق أهدافها وخرجت روسيا من أفغانستان، وقام نظام حكم إسلامي متطرف بقيادة طالبان في هذا البلد، حورب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها حتى أطيح به والنتيجة الوحيدة لهذه الحروب هي وضع بائس ومأساوي وغير مستقر في أفغانستان، وأيضاً، في الباكستان التي رعت تفريخ الجماعات الإسلامية ضمن الجهود الأميركية التي ساهمت فيها دول عربية وإسلامية في اطار محاربة الشيوعية.
بعد خروج الروس من أفغانستان تحولت الحركات الإسلامية التي تربت في كنف الرعاية الأميركية إلى بلدانها لتعيث فيها الخراب والدمار باسم الإسلام. وهي لم تفقد دورها المطلوب أميركياً، خاصة إبقاء المنطقة في اطار صراعات ونزاعات وشقاق يبرر التواجد العسكري الأميركي في منطقة حقول النفط ذات البعد الاستراتيجي للمصالح الأميركية. وجرى تغيير في طبيعة المعادلات في منطقة الشرق الأوسط إذ ظهر ما يسمى 'الإرهاب الإسلامي' الذي يهدد الأنظمة التي تدور في فلك واشنطن، والتي تسعى لنيل الحماية الأميركية من أجل البقاء.
وقد لعب بن لادن وجماعته دوراً مهماً في تبرير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، فالعمليات التي نفذتها القاعدة والتي قتل خلالها عدد كبير من المواطنين: أميركيين وأوروبيين ولكن عدد العرب والمسلمين الذين قتلوا على يد القاعدة كان أكبر من الجنسيات الأجنبية والغربية عموماً. حتى أن بن لادن استغل في عملية غزو العراق حينها لم يقتصر الادعاء الأميركي على وجود أسلحة غير تقليدية في هذا البلد، بل اتهم نظام صدام حسين بعلاقات مع القاعدة.
مع ذلك قصة بن لادن مع الأميركان تشبه القصص التي بنيت عليها أفلام هوليوود حول الرجل الآلي 'الروبوت' الذي يصنع لخدمة هدف معين، كرجل الشرطة الآلي، ولكن في بعض الأحيان يكون هناك خلل في برمجته فيقوم بالانقلاب على صانعيه، ولكنه مع ذلك يبقى ضمن اطار السيطرة والهدف المنوط به. وبن لادن هو 'روبوت' أو دمية صنعوها.
بن لادن عملياً لا يقود القاعدة منذ فترة طويلة، لأن القاعدة تشعّبت وأصبحت تنظيماً لا مركزياً، وكل مجموعة تتبنى فكر بن لادن يمكنها أن تعمل تحت اسم القاعدة أو تفريخاتها المختلفة، وتثبت عملية تصفية بن لادن أنه لم يكن على اتصال مباشر مع كل خلايا وتنظيمات القاعدة المختلفة حتى أنه كان في عمارة لا توجد بها وسائل اتصال حديثة تمكنه من إدارة التنظيم. ولكن هذا لا يلغي إمكانية إيصال رسائل لبعض أتباعه المقربين.
وبالتالي لا يشكل قتل بن لادن في حد ذاته تغييراً استراتيجياً في بنية وعمل القاعدة في المستقبل، ولا يعد حسماً أو اختراقاً جوهرياً في موضوع مكافحة 'الإرهاب' الذي شكل عنوان التحركات الأميركية في المنطقة وحتى في تصنيفها للأنظمة القائمة فيها، حيث تعتبر بعض الأنظمة مؤيدة للإرهاب وعلى قائمة الدول المنبوذة، ودول أخرى حليفة للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، ودول محايدة نسبياً.
إرهاب المجموعات الإسلامية انكفأ وتراجع بصورة كبيرة بسبب التغيرات التي تشهدها المنطقة والتي أثبتت بشكل قاطع أن طريق الكفاح السلمي والشعبي، خصوصاً، هو الكفيل بتغيير الأنظمة وتغيير واقع الشعوب، وليس ما تقوم به القاعدة والحركات الإسلامية المتطرفة. مع أن الحقيقة التي لا ينبغي إغفالها في هذا المقام هي أن الحركات الإسلامية لا تقاتل من أجل واقع أفضل لشعوبها بل فقط من أجل الاسيتلاء على السلطة وفرض أجندتها على الشعوب المغلوبة على أمرها، وهي لا تقدم بديلاً أفضل من الأنظمة الفاسدة التعيسة.
التحول المرتقب في الفكر السياسي في المنطقة العربية والذي هو نتاج للحراك الشعبي المبارك الذي لن يتوقف إلاّ بإزالة كل أشكال الظلم والاستبداد والفساد وسوء الإدارة ونهب مقدرات الشعوب داخلياً وخارجياً، هو الذي سيعيد للحركة الشعبية دورها وأهميتها في تصميم واقع الدول والأنظمة، وأيضاً، المعادلات الإقليمية والدولية.
وهذا التحول الذي لا يمكن أن يكون بفعل ما تقوم به الولايات المتحدة والدول الغربية في اطار ما تسميه 'الحرب على الإرهاب'، هو مناقض في جوهره للفكر الأصولي المنغلق الذي يقود إلى التخلف، وأيضاً، لكل أشكال الاستعمار القديم والجديد الذي يحرم الشعوب من التطور ومن الانتفاع بمقدراتها وثرواتها، والحصول على حريتها في تقرير مصيرها بنفسها دون تسلط أو ظلم. نعم هذا إيذان بعهد جديد مختلف.
 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع