ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
ابن لادن: صنعوه فاستعملوه فقتلوه
03/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : علي جرادات

لم يكن أسامة بن لادن الشخص، حياة ومماتاً، ليثير كل هذا الضجيج، كما لم يكن ليكتسي كل هذه الأهمية، لو لم يكن تعبيراً عن ظاهرة تحيل إلى حقبة سياسية لم تبدأ بتفجيرات 11 أيلول 2001، وإن كانت بلغت ذروتها بهذه التفجيرات وتداعياتها، دوليا وإقليمياً، بل تعود إلى أواخر سبعينيات القرن المنصرم. حقبة أفرزت خطابين سياسيين مترابطين:
الأول دولي، وتمثل في سُعار الولايات المتحدة وطموحاتها الإمبراطورية، التي دشنها الرئيس ريغان إبان مرحلة 'الحرب 'الباردة'، وزادت وتيرتها في عهدي بوش الأب وكلينتون، وخاصة بعد انهيار القطب السوفييتي، فيما بلغ سُعارها ذروته في عهد بوش الابن.
والثاني إقليمي، وتمثل فيما أفرزته الطفرة النفطية الخليجية من 'صحوة إسلامية' جسدتها ظاهرة 'الأفغان العرب'، كبضاعة صنعتها أميركا بسند باكستاني، وجرى تنسيقها مع، وتمويلها من، محور الخليج العربي بقيادة سعودية، كمحور زاده التآلف السياسي مع نظامي السادات ومبارك المصريين نفوذاً على نفوذ في السياسة العربية.
حتى انقلاب 'البنلادية' كظاهرة سياسية على صانعها الدولي والإقليمي، ظلت واحدة من الأدوات الاستعمالية للسياسة الأميركية وحلفائها الإقليميين في مواجهة القطب السوفييتي منذ وصمه الرئيس ريغان بوصمة 'إمبراطورية الشر'، خاصة بعد تورط هذا القطب في المستنقع الأفغاني. لكن انهيار القطب السوفييتي، ورغم انقلاب سحر 'البنلادنية' الظاهرة على ساحرها الدولي والإقليمي، لم يلغِ القيمة الاستعمالية لـ'البنلادنية'، بل حوَّل شكل واتجاه استخدامها فقط. حيث جرى اتخاذها ذريعة، خاصة بعد تفجيرات 11 أيلول 2001 لتحقيق ذات الأحلام الإمبراطورية الأميركية، وعبر التنسيق مع ذات الحلفاء الإقليميين. وتجلى ذلك في الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق، وتدميرهما كدول، لا كنظام وسلطة فقط، تحت يافطة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وصون الشرعية الدولية، وفي مواجهة 'محور الشر' في المنطقة، كما وصم بوش الابن، (على ذات طريقة ريغان)، كل من هو ليس مع سياسته، المعبرة عن الطموحات الإمبراطورية للمحافظين الجدد، الذين اخترعوا بدعة 'الفوضى الخلاقة' لكل أشكال الفتن السياسية الطائفية والمذهبية والإثنية والجهوية، بكل ما يعنيه ذلك من تفتيت، استهدف أول ما استهدف الوطن العربي، دولاً وقضايا وجغرافيا وفكرا سياسيا واقتصاداً ومجتمعات. ولا عجب في ذلك، ففي هذه المنطقة كنز اقتصادي استراتيجي من الموارد والنفط، مطلوب إحكام تفرد السيطرة الأميركية عليه، وحليف سياسي إسرائيلي استراتيجي استثنائي، مطلوب تعزيز تفوقه على ما عداه من دول المنطقة وقواها.
هنا أيضاً لم يتغير خطاب 'البنلادنية' من حيث المضمون، بل تغير في الشكل والاتجاه فقط، حيث ظل يتغذى ويتعيَّش على 'محاربة الكفر'، الذي حمل في المرحلة الأولى صفة 'الكفر السوفييتي وتوابعه'، بينما حمل في المرحلة الثانية صفة 'الكفر الصليبي وملحقاته'. إنه الخطاب الذي يتعامل مع أميركا كـ'كافر'، لا كناهب ومستعمِر أو مُحتل، كما يتعامل بذات الطريقة مع حلفائها من الأنظمة المحلية، فهي أنظمة 'كفر صغيرة' تدور في فلك نظام 'كفر دولي كبير'، وليس أنظمة تابعة لناهب دولي كبير.
وهذا خطاب، وإن وُصف بالسياسي إلا أنه لا يحمل من السياسة سوى اسمها، فهو خطاب قرووسطي، كان من الطبيعي أن يتسلح بمقولة 'الفسطاطين' الإطلاقية، التي تجعل منه وجهاً لعملة يشكل الغلاف الأيديولوجي لخطاب 'المحافظين الجدد' وجهها الآخر، حين قسموا العالم أيضا إلى محورين: 'محور الخير' و'محور الشر'، وإن كانوا لم يستخدموا مقولة 'الفسطاطين' العصية على فهمهم دون الرجوع إلى معجم لسان العرب.
هذا على مستوى التحليل النظري لـ'البنلادية'، أما على المستوى السياسي، فإنه ومع أن هذه الظاهرة كانت صناعة أميركية بامتياز، وشكلت وجهاً آخر لعملة غلافها الأيديولوجي، فإن ما قامت به من تقتيل أعمى، دولياً وإقليمياً، كان بمثابة إجابتين خاطئتين على سؤالين صحيحين، هما:
سؤال غطرسة أميركا وما تقوم به من احتلال ونهب وتفتيت في الوطن العربي، ناهيك عن تحالفها الاستراتيجي الاستثنائي مع إسرائيل كقوة احتلال ترفض التسويات السياسية إلا إذا جاءت على مقاس شروطها التعجيزية، بما يبقيها 'الدولة القلعة' المفروضة على محيطها بقوة الحراب واحتراف الحروب، ويحافظ عليها كشريك حارس في نهب خيرات الوطن العربي، وكبحِ التغيير الوطني والديموقراطي فيه، الذي لن يكون فعليا إلا بفكاكه من التبعية.
وسؤال علاقة التبعية المُذلة القائمة بين الأنظمة الرسمية العربية وبين اتحاد الاحتكارات النهبية الغربية بقيادة أميركية، مع كل ما تفرزه هذه العلاقة من خراب سياسي وفكري واقتصادي واجتماعي، عانت الشعوب العربية ويلاته لعقود.
هذان السؤالان الواقعيان كانا، وما زالا، سؤالين صحيحين، وعلى نارهما جوهرا، ظل مرجل الغضب الشعبي العربي يغلي حتى انفجر على شكل انتفاضات شعبية عارمة، ما زال لهيبها يتسع ويتواصل، تحت ناظم شعار سياسي يقول: 'الشعب يريد إسقاط النظام'، ما أطلق صيرورة تغيير وطني وديمقراطي حقيقية، حققت ما حققت 'حتى الآن' من انجازات، فيما لا تزال نتائجها النهائية مجال صراع محتدم بين الحوامل السياسية والاجتماعية لهذه الانتفاضات، وبين الحوامل السياسية والاجتماعية المعادية لها، داخليا وخارجيا بقيادة أميركية لم تعد خافية حتى على رجل الشارع العادي.
ويتمثل أحد الإنجازات غير المنظورة للحراك الشعبي العربي في الكشف عن:
1: أن 'البنلادنية' كمضمون ليست مجرد إجابة خاطئة على أسئلة علاقة التبعية الرسمية العربية لأميركا فقط، بل، هي أيضاً ذريعة لتعميق هذه التبعية، وفزاعة لتشديد أواصرها.
2: أن 'البنلادنية' كشكل طريقة تقتيل جاهلة وعمياء تلفظها الشعوب العربية أكثر مِن وقبل مستخدميها الخارجيين والمحليين.
3: أن 'القاتل' السياسي لـ'البنلادنية' كظاهرة في الوطن العربي هو الحراك الشعبي العربي، الذي جاء بالإجابات الصحيحة على الأسئلة السياسية الواقعية العربية، فيما عملية الاصطياد الأميركي لبن لادن لم تفعل أكثر من إزالة الشخص، التي لا تعجز عن إنهاء فقط، بل، ربما تؤججها أيضا، ذلك أن إنهاء هذه الظاهرة المتسترة بالدين لن يكون بالمعالجات الأمنية القاصرة، فقد قيل: 'اضطهاد الدين يقويه'.
قصارى القول: بن لادن، حياً وميتاً، صنعوه فاستعملوه فقتلوه.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع