ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مصر التي في خاطري،..
02/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : سلام حمدان

حتى عند عودتي خائبة من مطار الملكة علياء في عمان، لم أكف عن ترداد أغنية أم كلثوم الشهيرة 'مصر التي في خاطري وفي فمي، أحبها من كل روحي ودمي'. هذا المقطع الذي أكاد اجزم انه أشبع ترداداً وابتهالاً، منذ لحظات الثورة المصرية الأولى وحتى اليوم، في كافة جنبات الوطن العربي، في ما يشبه النشيد الروحاني الجمعي، في شوق وتوق الى مصر الأمل، مصر أم الدنيا وأم العرب جميعا.
عودتي من المطار، بعد تحمل عناء السفر الإجباري عبر جسر اللنبي الى عمان، ورغما عن اضطراري للمبيت مجددا في عمان، حيث يغلق الجسر أبوابه مبكرا يوميّ الجمعة والسبت، واللذين تصادفا مع موعد رحلتي الى القاهرة، تلك العودة التي رافقها سوء التعامل، لم تثنني لحظة عن حب مصر ولا أفسدت بشائر الأمل لديّ التي تكمن في ثنايا وتفاصيل الثورة العظيمة التي تابعناها بشغف تمتد بتصميم وبفرح على ضفاف النيل.
لم يشهد التاريخ الانساني ثورة واحدة، أنجزت التغيير والاصلاح بين ليلة وضحاها. هناك ثورات هامة ومصيرية، كالثورة الفرنسية مثلا، احتاجت لعقود طويلة، بل لأكثر من قرن، حتى تنجز جزءا من اهدافها وتطلعاتها. ونحن لا نتحدث هنا عن انتفاضات أو انقلابات، تطيح بحاكم او حزب وتتوّج آخر، بل عن فعل ثوري تغييري طويل الأمد، تبدأ شرارته بالإزاحة والإطاحة والتنظيفات وتستمر بالعمل المنظم، التراكمي، الواعي والدؤوب لتصنع التغيير الجذري في كافة مناحي الحياة.
ومع ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بات من السهل والممكن اختصار الزمن وانجاز التغيير بمدة أقصر، وهذا ما يعمل اليوم في صالح تونس ومصر، ومن سيتبعهما.
وحتى تقوم الثورة بفعلها التغييري لا بد من التفاتة جادة الى عدد من العوامل الى جانب الإصلاح السياسي. وربما من أهمها كأولويات، البنود الخمسة التالية:
أولا: الإصلاح الجذري وليس التجميلي في الاقتصاد. لن تنهض مصر لتعود ام الدنيا والعرب اذا ما ظل اقتصادها مرهونا لصالح السوق الليبرالية الجديدة، بما تمليه الأخيرة من ترتيب للأولويات حسب مصالحها وتراكم أرباحها، والذي يأتي وسيظل يأتي على حساب الإنتاج المحلي وصلاح ورفاه القطاع العام، وقبل كل شيء على حساب التوزيع العادل، او حتى شبه العادل، على المستوى الوطني. سيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد انه يمكن المزاوجة بين الدعوة الى عدالة اجتماعية-اقتصادية وبين السوق المفتوحة على غاربها. فالعدالة الاجتماعية والربح غير المدجن والمسقوف نقيضين لا يمكن ان يلتقيا. وتبقى الخطورة كامنة من جديد لنمو حركات متشددة وغيبية تستفيد من إحباط متجدد لدى الناس.
ثانيا: الإصلاح الجذري في التعليم. لقد اعتمد منهج 'الكتاتيب' منذ قرون عدة في نظامنا التعليمي. وحتى منذ محاولات محمد علي (حاكم مصر والسودان في الزمن العثماني) بتجديد أساليب ومناهج التعليم والاستفادة من العلوم والأدوات الغربية، ظل منهج الكتاتيب يكمن في التفاصيل. فالتعليم في مصر وفي كل دول وممالك العرب تلقيني، يقوم على الحفظ والترداد ولا يفتح بابا ولا شباك للتفكير النقدي والتحليلي. وكنتاج لهذا الواقع لا مكان للأبداع والتجديد. لقد كان التعليم ، ولا يزال، دوما الوسيلة الأقوى والأكثر نجوعا في السيطرة على الشعوب وتسكينها وتسييرها بما يتوافق وإرادة الحاكم. ولقد تم توظيف الدين،في التعليم، للترويع وإمساك العقل عن التفكير وبالتالي عن أي فعل ايجابي. وفي مصر بالذات إصلاح التعليم سيشكل ضمانة أكيدة لانجاز الثورة وشعاراتها، وسيعمّ الخير علينا جميعا في الوطن العربي.
ثالثا: العمل الممنهج لاصلاح الثقافة الاجتماعية. وقبل كل شيء اصلاح القوانين كافة والسياسات لصالح المساواة بين النساء والرجال. والعمل اليوم على تطوير الدستور المصري يشكّل فرصة تاريخية للحركات النسوية التقدمية في مصر لتثبيت رؤى ومفاهيم جديدة. ولقد كانت تونس العظيمة سبّاقة الى ذلك، علّ مصر تمشي على خطاها. فالعدالة لا تجزّأ. ولا يمكن حتى الاقتراب من تحقيقها قبل السعي بجديّة الى مواطنة متساوية للنساء المصريات مع الرجال. ونحن لا نتحدث هنا عن فئة اجتماعية مضطهدة بعينها، بل عن نصف كامل للمجتمع، تتحقق مصالح الأخير الفعلية بإنصافه الحقيقي، لا الشكلي.
رابعا: الاهتمام الفعلي بالطفولة. وليس على طريقة الدكتورة سوزان مبارك.
من أشدّ المظاهر ألماً وإغهانة في مصر أطفال الشوارع الذين يسعون بين المارة والسيّاح بمئات الآلاف، بل بالملايين. يطردون ويضربون كالقطط الشاردة. وهم جزء لا يتجزأ من صورة مستقبل مصر. لا يمكن لأمة ان تنهض وتحقق إمكانياتها الهائلة في واقع طفولة مستلبة. وبطبيعة الحال لا تستطيع دولة مهما بلغ شأن تاريخها من العودة الى مسار العظمة اذا ظلت تزخر بمدن الصفيح وأطفال جياع. وبطبيعة الحال يرتبط هذا البند بالبند الأول بلا انفصام.
خامسا: الاهتمام الواعي والحذر باتجاهات ومخططات التمويل الأجنبي. فلدينا هنا في فلسطين تجربة سباقة مع التمويل الأجنبي، وما يسمى بصناعة وإعادة صياغة المجتمع المدني والتي انتهت الى الاختزال في تشكيلة من المؤسسات المدنية (أن جي أوز) تشبه فيما تشبه القطاع الخاص! لقد تم استلاب الفعل المدني –السياسي الذي كان قائما بالأساس على التطوّع مدفوعا بحرارة النضال والرغبة في التغيير على صعد شتى، ليصبح عبر عملية تراكمية طويلة مجتمعا نخبويّاً يشكل ويرعى شبكة من المصالح لا تدفع بالضرورة نحو فعل تحرري وتنموي.
مصر اليوم ساحة شهية للتمويل. ونشطاء الشباب الثوريون هم الاكثر جاذبية للاستقطاب. والمجتمع المدني – أحزاب سياسية، حركات اجتماعية، نقابات، اعلام، فن، مؤسسات،..- يشكل،عادة، القوة الأهم والأكثر فاعلية على تصويب وتوجيه العمل الحكومي والحفاظ فعلا على الحكم الرشيد بأسس ديمقراطية حقيقية. كل هذا يمكن له ان يستلب بين ليلة وضحاها ليصبح بالنتيجة دوامة متجددة من المشاريع الشكلية غير المترابطة وغير المنتجة، والتي تعمد بالأساس على دوام استقطاب نشطاء المجتمع وربطهم بمصالح وهمية مع إقناعهم بأنهم اللاعبون الأساسيون. وهو الشكل الجديد من الاستعمار، الأقل تكلفة، الأكثر ذكاء والأشد ضراوة وتدميراً، و'وين ذانك يا جحا'.
بطبيعة الحال لا يمكن البناء الجاد في بند –مما ذكر أعلاه- دون الأخذ بالبنود الأخرى، فالعدالة الاجتماعية مفهوم ومبدأ شمولي ولا يمكن تقطيعها وتجزيئها والتعامل معها كقضايا منفصلة (وهو مركز فكر وفعل المدرسة الليبرالي، بالمناسبة). هذا العمل الشمولي واقعي وقابل للتحقيق كجزء جوهري من فعل الثورة المستمرة، إذا ما صيغ في برامج وخطط واعية طويلة المدى.
ومصرنا التي في خاطرنا جميعا، قادمة بخطى ثابتة لا محالة. فهنيئا لنا جميعا في وطننا العربي، وعله خير.

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع