ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
صورة جانبية لرجل اسمه أسامة بن لادن..!!
02/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : حسن خضر

إذا كنتَ صاحب ذاكرة قوية ستذكر رسالة بن لادن الصوتية إلى مقاتلي القاعدة والطلبان، مع بدء الغزو الأميركي لأفغانستان. قال لهم: احفروا نطاقين دفاعيين حول كابول، فإذا سقط الأوّل، تراجعوا إلى الثاني وتحصنوا هناك.
وإذا كنتَ مواظباً على قراءة الصحف، والقليل من كتب السياسة والحرب والتاريخ، لن تجد صعوبةً في إدراك حقيقة أن صاحب هذه 'الخطة' قليل الدراية في شؤون الحرب والإستراتيجية. وإذا عدتَ بالذاكرة، قليلاً، إلى الوراء سيتجلى أمام ناظريك مشهد الرجل الملتحي، الذي أعلن على شاشة التلفزيون تقسيم العالم إلى 'فسطاطين' للكفر والإيمان. وقد عاد بعض العرب في حينها إلى 'لسان العرب' للبحث عن المعنى الدقيق لكلمة الفسطاط.
ومع ذلك، ولذلك، أصبح الرجل الملتحي، الذي يتكلّم بنبرة هادئة، ويستخدم لغة من القرون الوسطى، من أكثر الرجال شهرةً في الكون، على مدار عقد من الزمن. أنفق الأميركيون ملايين الدولارات للقبض عليه حياً أو ميتاً. وأنفق ما لا يحصى من الأشخاص الكثير من الجهد والوقت في كتابة مقالات وكتب عنه. وأنفقت الجزيرة القطرية ما لا يحصى (إلا بقرار من محكمة أخلاقية) من الوقت في مقابلات مع أشخاص لا يذكرون اسمه إلا مسبوقاً بكلمة الشيخ، وبالغت في بث أشرطته المسجلة المرئية والمسموعة، وكأن مصير المشاهدين، ومعهم بقية بني البشر، معقود على فتح مغاليقها.
ومع ذلك، ولذلك، نشأت على الهامش، وفي المتن، مهن جديدة اسمها الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، والخبير في شؤون الإرهاب... وانقسم الخبراء إلى أكثر من فسطاط. كما نشأت في مناطق مختلفة من العالم جماعات إرهابية 'تستلهم' تعاليم الشيخ، ولغته، وأساليبه، إلى حد أقنع الخبراء بأن قاعدة أسامة بن لادن أصبحت حالة فكرية أكثر منها تنظيمية.
لم يكن هذا كله، وغيره، ليحدث لولا هجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية في نيويورك وواشنطن، ولولا وجود شخص اسمه جورج بوش، تصادف أنه كان رئيساً للولايات المتحدة في تلك الأيام.
بوش الابن يفتتح يومه بقراءة الكتاب المقدّس، ويؤمن بأن العناية الإلهية اختارته لتحقيق غايات منصوص عليها في كتب الأولين. وهذا كلام نفسّره، ويفسره معنا ولنا المحافظون الجدد، بطريقة مختلفة:
لكي يصبح القرن الحادي والعشرين أميركياً فمن واجب أميركا السيطرة على منابع النفط، وإذا كانت لديك آلة عسكرية متطوّرة فمن الحماقة عدم توظيفها في خدمة مشروع كهذا، ولا بأس من حماقات ساكن البيت الأبيض، الذي يقحم العناية الإلهية في شؤون النفط والإمبراطورية.
كيف حدث ما حدث، ولماذا ترك شخص يتكلّم بلغة القرون الوسطى، وليس في سيرته ما يدل على دراية كافية في السياسة والحرب، بصمة تكاد تكون نهائية ودامية على تاريخ البشر في العقد الأوّل من ألفية وقرن جديدين؟
لن نفهم هذه الأمور بشكل جيّد ما لم نضع في الاعتبار حقيقة أن أسامة بن لادن بلغ سن الرشد في سنوات الطفرة النفطية، في سبعينيات القرن الماضي، وأن تلك الفترة بالذات هي ما يُطلق عليه في أدبيات الإسلامويين تسمية الصحوة. لن نفهم معنى الصحوة ما لم نضعها في سياق الطفرة النفطية، ومع، وفي سياق، أحداث وقعت في نهاية السبعينيات، فهي في نهاية الأمر ما أسهم في تشكيل بن لادن الشخص والظاهرة.
أوّل ما يبرز في هذا الشأن الغزو السوفياتي لأفغانستان في العام 1979، وتصميم الولايات المتحدة على خوض آخر معارك الحرب الباردة في جبال أفغانستان، التي أصبحت مصيدة للدب الروسي، وكانت بداية النهاية للإمبراطورية السوفياتية. من الثابت والمعروف الآن أن السعوديين وحكّام المشيخات النفطية انخرطوا في الحرب إلى جانب الأميركيين، إضافة إلى باكستان ومصر الساداتية، فقدموا المال والرجال.
وإذا دققنا في سير مَنْ سيعرفون في وقت لاحق بالأفغان العرب سنجد أن الغالبية العظمى من هؤلاء إما وُلدوا، أو تعلموا، أو عملوا، في السعودية وبلدان الخليج في وقت من الأوقات. كانت نخبة هؤلاء تتمثل في بعض 'الأمراء'، وأبناء العائلات الغنية، الذين وجدوا تشجيعاً مضمراً وصريحاً من جانب السلطات الحاكمة في بلادهم للانخراط في 'الجهاد' الأفغاني بالنفس والمال.
وعلى هامش التشجيع والتأييد الرسميين نشأ ما يشبه السياحة الجهادية في ثمانينيات القرن الماضي. يذهب الأغنياء الجدد إلى بيشاور في باكستان، ومنها إلى أفغانستان لممارسة رياضة الصيد، أو التدرّب على السلاح، وقضاء وقت في معسكرات على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، وفي حالات بعينها، آمنة ومضمونة النتائج، يشاركون في كمائن ضد الجنود الروس، والقوات النظامية الأفغانية.
هذا لا ينفي حقيقة أن أعداداً كبيرة من الأفغان العرب شاركوا في القتال الفعلي، لكن الأمراء وأبناء العائلات الغنية، بمن فيهم أسامة بن لادن، كانوا في منأى عن الخطر في أغلب الأحيان، كما كان انخراطهم في الحرب مالياً ومعنوياً وتنظيمياً في المقام الأوّل.
في سياق هذا الجهد المالي والمعنوي والتنظيمي وُلدت النواة الأولى للقاعدة، في الغرف الضيقة، ووسط شبكة العلاقات الخليجية والأميركية والباكستانية والأفغانية، لمكتب شؤون المجاهدين في بيشاور. ويبدو أن بن لادن أراد أن يكون صاحب جماعة خاصة منذ أواسط الثمانينيات، عندما أنشأ معسكراً خاصاً يضم السعوديين والخليجيين دون غيرهم من الأفغان العرب، ويُقال إنه أنفق على المعسكر من ماله الخاص، وأن تكلفة المعسكر بلغت خمسة وعشرين ألف دولار في الشهر. هل فعل ذلك لتفادي الاختلاط بعرب آخرين جاؤوا من أماكن أخرى، وكانت أفكارهم لا تتفق بالضرورة مع أفكاره، خاصة وجهوده في هذا المضمار تنسجم مع جهود جهات رسمية في بلاده، أم أراد التدليل على استقلالية في المسار والقرار؟ لا نعرف.
كل ما يمكن قوله: إذا كنتَ صاحب أفكار خاصة (مهما يكن مضمونها) وكانت لديك إمكانية إنفاق خمسة وعشرين ألف دولار في الشهر، من مالك الخاص، على معسكر خاص، يمكنك عمل الكثير. أما إذا كنتَ وريث عائلة تملك المليارات، يسافر أفرادها بطائرات خاصة، وتربطهم علاقات شخصية وتجارية بالعائلة الحاكمة في بلادك، وكان اسم العائلة بن لادن، فيمكنك، بالتأكيد، أن تصنع ما تريد.
ولكن، كل ما سبق لا يضفي عليك كفاءة استثنائية، ولا يمنحك مؤهلات فكرية يكفي رصيدك في البنك للتدليل عليها، خاصة إذا أصبحت طريداً ومطارداً، وأعلنت الحرب على دولة عظمى بلغة تنتمي إلى القرون الوسطى. وقد أخطأ بن لادن مرتين.
مرّة عندما فسّر هزيمة السوفيات في أفغانستان بتعبيرات لاهوتية، أي غير سياسية، ووضع نفسه وجماعته في سياق تاريخ قديم يستعيد الفتوحات الإسلامية، التي هُزمت في موجتها الكاسحة الإمبراطوريتان البيزنطية والفارسية. وأخطأ مرّة ثانية عندما فكّر في الإرهاب كوسيلة لتقويض الإمبراطورية الأميركية.
المفارقة أنه يفارق الحياة في اللحظة نفسها التي يخرج فيها ملايين العرب إلى الشوارع للمطالبة بحريات لا وجود لها في قاموسه الشخصي، ولا في أيديولوجيا الصحوة التي كان أعلى مراحلها: حرية التعبير، الانتخابات، الدستور، حقوق الإنسان، المواطنة، المساواة ليس بين المواطنين وحسب، ولكن بين النساء والرجال أيضاً.
بنهاية بن لادن انتهى عقد كان أسود من جناح الغراب. نهاية مادية ورمزية في آن. النهاية، كما البداية، أجزاء من صورة جانبية لرجل اسمه أسامة بن لادن.
 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع