ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - في يوم أسامة: الحدث بالحدث يُذكر
02/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

تأثر سكان العالم كله، عندما فاجأهم نبأ مقتل إرنستو تشي جيفارا في تشرين الأول أكتوبر 1967. ففي يوم الإعلان عن ذلك النبأ، كنت فتى يافعاً لا أعرف عن الرجل، سوى أنه ثائر. أما الأكبر سناً، من المعنيين بالحركة الثورية العالمية؛ فكانوا يعرفون ما أعلمه اليوم عن هذا الرمز الجميل. وبالمختصر فإن ذاك الشاب الأرجنتيني المولد، لم يكن يحلم بغير حياة عادية طرية. درس الطب في بوينس آيرس، وربما اختار تخصصه متأثراً بتشكّيات أمه وأبيه. فقد أصيب إرنستو بالربو في طفولته، واضطرت أسرته الى تغيير مكان سكنها على النحو الذي يلائم الطفل الذي كانه. وككل قومي بالفطرة ـ إن جاز التعبير ـ رغب إرنستو بعد تخرجه، في أن يتعرف على القارة اللاتينية، وأن يحس بعوامل وحدتها، من خلال رحلة مع صديق له، بالدراجة النارية. وبحكم أن دراجة كهذه، تتعثر في الطرق المشروخة، فيما الرحلة طويلة طويلة؛ وجد الشابان نفسيهما منغمسيْن في هموم الفلاحين والشغيلة الذين أشقتهم الشركات الأميركية، وطوّقتهم داخل حظيرة عمل السخرة. ولما وصل الى غواتيمالا، مفعماً بمشاعر وانطباعات جديدة ومثيرة؛ وقعت طامة كبرى بالنسبة له: ففي ذلك البلد، أحس الرئيس المُنتخب، بمعاناة شعبه واستفزته فداحة الاستغلال. اتجه يساراً أو ارتجل خطوات في اتجاه العدالة الاجتماعية، فباغتته المخابرات المركزية الأميركية بانقلاب عسكري فاحش، أطاح بآمال الناس، وأغرقها أكثر فأكثر، في ظلمات الاستبداد والفاقة. كان ذلك في عام 1954!
سرعان ما تحولت غواتيمالا الى منفى. وقبل أن يبرحها إرنستو، التقى فتاة شيوعية، من البيرو، نُفيت الى تلك الظُلمات. تزوجها والتهم كل ما في حوزتها من مؤلفات ماركس ولينين وتروتسكي وماو وغيرهم، فتشكلت لديه رؤية اجتماعية وسياسية، تغطي متطلبات مشروع للثورة ثم للحُكم. أحس بالخطر وبأن عسس النظام يترصده في غواتيمالا، فأفلت منها الى المكسيك. هناك التقى راؤول كاسترو، شقيق فيدل الذي هو الآن رئيس كوبا. كان راؤول مع جماعته ينتظرون الإفراج عن فيدل لكي يفجروا الثورة الكوبية. وهكذا كان. خرج فيدل والتحق إرنستو بالثوار وبدأت أسطورة تشي جيفارا تنسج خيوطها!
بعد الانتصار، وبحكم معرفة الطبيب الشاب الثائر، لمسار بناء الدولة، تسلم إرنستو مسؤوليات التخطيط المدني والمصرف المركزي ووزارة الصناعة، لكنه عدل عن الانخراط في البناء، واستهوته العودة الى طريق الثورة المقاتلة، من أجل سائر الشعوب. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت له رؤيته لطبيعة الدولة التي يتمناها، ولم يكن يريد القتال انتقاماً، أو لمجرد إلحاق الأذى بالإمبرياليين.
غير أن الاستخبارات الأميركية، طاردت الثائر وتمكنت منه بعد مطاردة في أحد وديان بوليفيا، بمساعدة نحو لواء مشاة من الجيش البوليفي، هجم على مجموعة من ستة عشر فرداً، فقضى موت جيفارا مقاوماً، ليُضيف الى ايقونات الدنيا ورمزياتها، صورته التي التقطها له، قبل مقتله، مصور يُدعى البيرتو كوردا، ثم تولاها رسام أيرلندي فأعاد انتاجها رسماً بعد مقتله. فقد أصبحت تلك الصورة الأكثر انتشاراً في القرن العشرين، واستخدمها الناس من كل ألوان الطيف، مطبوعة على القمصان أو على المتعلقات الخاصة للشُبان والشابات، سواء أولئك الذين يرغبون في الإيحاء بثوريتهم ويساريتهم، أو أصحاب شركات انتاج «الآيس كريم» وسواه من منتجات استهلاكية للشباب، فضلاً عن الذين يحضرون حفلات «البوب» مغنين أو مستمعين، وشرائح اجتماعية كثيرة غيرهم. وظلت أسطورة المطارد تشي، الذي اصطاده مطاردوه، مفتوحة للذكرى المكللة بالورود، في حين ظلت سياقات السي آي إيه، مفتوحة للذم والفضيحة والتأفف!
* * *
أسامة بن لادن، مطارد ذو حكاية مختلفة لكنها أكثر إثارة. وإن بدأنا بالإشارة الى عنصر الصورة، نلاحظ أن معلقين في الغرب، تأملوا تأثيرات صورته المكبرة، التي وضعت في المطارات، على من يحملق فيها من الجنس اللطيف. تحدثوا عن عينين نافذتين مكحلتين، تنمّان عن فحولة، لا سيما وأن صحافة الغرب، تناولت مراراً زيجات المطارد من فتيات صغيرات من «حرائر» أمته المحببة. وكان هدف الصحافة أن تطعن في طباع الرجل، فإذا بها تروّج لأمر آخر يقرّبه من الأسطرة والرمزية. غير أن مكمن المصيبة التي صنعت الفارق بين حكايتي إرنستو تشي جيفارا وأسامة بن لادن، أن الأول حارب الإمبريالية لكي يهنأ الناس من دونها، فيشبعوا خبزاً وكرامة، وكان مُنحازاً لهم. أما الثاني، وإن أظهرت لغته انحيازاً لعامة المسلمين (في نطاق أضيق إنسانياً) فإن مدرسته تباهت بأنها صاحبة التفجيرات «والغزوات المباركة» التي طالت أبرياء، من المسلمين وغيرهم، في العالم الإسلامي وفي أرض الجزيرة العربية. كان للأول رؤية لمشروع حكم، ولم تكن للثاني سوى رؤية لكيفيات الإفلات وخلخلة أوتاد خيام الحاكمين والمستكبرين، ومن ثم ضرب محاربي الفكرة وإيلامهم. هو يمثل مشروعاً مغمّساً بأقصى الغضب على استباحة أوطاننا، قوامه الموت الزؤام للمستكبرين وللمجاهدين ولمن بينهما. أما حياة اسامة وحياة من سار على نهجه؛ فقد ظلت بين عادية ومعدوٍّ عليها!
جيفارا وأسامة، كلاهما، ظل مطارداً للأميركيين حتى اصطادوه. الأول يمثل تكثيفاً لحيوية معسكر فكري وثوري مضاد، دخل حاكموه وأحزابه في أوضاع الدكتاتوريات الشخصية، ذات النمط الستاليني، فقاوموا ضغوط الإصلاح والتجدد حتى أوصلوا أنظمتهم الى مصير السقوط، والثاني اختزل بشكل مشوّه، مرارات أمة، فسعى لأن يداويها بالظلم الذي كان هو الداءُ. وإلا فما هو تعليل قتل عابري سبيل، في الجزائر والرياض وبغداد وعمّان والدار البيضاء وغيرها، بأيدي انتحاريين، كل منهم ينتحل اسم صحابي جليل، ممن يفتدون المسلمين بدمهم، ولا يقتلون نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض!
خرج جيفارا من شقوق الأرض ومن بطن الحياة البائسة للمعوزين والكادحين وارتاد الأدغال. والتحق الثاني بالكهوف وافداً من حياة باذخة، وكان مخبؤه، في كل يوم، توطئة لقبره. لم يعش تشي جيفارا في عصر ثورة الاتصالات، فباشر الحركة متنقلاً بنفسه. أما أسامة، فقد استفادت «قاعدته» من هذه الثورة المتسارعة، وكانت المفارقة أن انكشاف مخبئه الأخير، جاء بسبب حجب الانترنت عن المكان، إذ بات الاستغناء عن هذا الأخير لافتاً وغير طبيعي، في عصر الاستخدام المنزلي الواسع للانترنت!
كانت للاثنين، جيفارا وأسامة، قدرة مدهشة على تحمّل الأدغال والكهوف. عندما قُتل الأول، أحس ثوريو الأمم ويساريوها بالاحباط، وعبروا عن حزنهم بكل لغاتهم. ففي العالم العربي، كتب احمد فؤاد نجم لصديقه الراحل الفنان الشيخ إمام، أغنيته: جيفارا مات، آخر خبر في الراديوهات. آنذاك، لم تبث أية محطة إذاعة رسمية عربية، أغنية الشيخ إمام، الملحنة بآلة العود. غير أن الأغنية سرت كالنار في الهشيم. وللأسف بدت صيغتها العدميّة اليائسة، التي تتهكم على القاعدين والواقفين، غير ملائمة لوقت سقوط جيفارا، الذي اعقب هزيمة حزيران بأربعة أشهر، وكان المهزومون في خضم محاولات رفع منسوب الثقة بالنفس وبالمستقبل!
غير أن صرخة اليأس الأخيرة، التي أطلقها الشيخ إمام بصوته الشجي، حانقاً لمقتل تشي جيفارا؛ كانت تستأنس بحقائق التجربة النضالية النظيفة: دا منطق العصر السعيد، عصر الزنوج والاميركان. الكلمة للنار والحديد، والعدل أخرس أو جبان!
السي آي إيه، هي نفسها قاتلة الرجلين. لكن التجربتين، اختلفتا في المسار والمصير. مات المطارد اللاتيني، فحظي بأغنية أو أغنيات عند كل أمة، ووصفت السطور العربية لحظاته وأنفاسه الأخيرة. أما الطريد العربي، فربما لا يحظى بشيء، لأن تجربته غرقت في دماء الأبرياء. فلا مجد لمن يقتل عابري السبيل أو يزهق الأرواح بغير إقامة الحدّ، ودون الأخذ بمنطق العدالة!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع