ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
هرمنا من أجل تلك اللحظة
01/05/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د.عاطف أبو سيف

لابد أن يقول أحدهم 'وأخيراً'!
ولابد أن يرد آخر متمنياً أن تكون آخر 'أخيراً' و'أخيراً' صادقة هذه المرة.
لا تصدق الناس ما حدث بأن ثمة مصالحة باتت قاب قوسين أو أدنى وأن الوفاق الوطني صار على الأبواب. ومن شدة الصدمة لا يشكل موضوع المصالحة مادة للنقاش في الشارع في غزة فالناس لا تأتي على ذكر الأمر على غير عادتها. وفي ذلك احتمالان يقول الأول إن الناس لا تصدق وأنه حصل معها مثلما حصل مع سكان القرية والراعي وبالتالي لا حاجة للتفاؤل؛ فيما يقول الثاني إن الناس مصدومة وخائفة ان يفسد حديثها ونقاشها الاتفاق المزمع مثل من يقتل الوليد من الفرحة أو من باب المثل المصري 'داري على شمعتك تقيد'.
وأياً كان الحال فإنه يعكس عدم مبالاة خطرة من ناحية اهتمام الناس بالسياسة وبالقضايا الكبرى التي تخص حياتهم وهو ما يجب ان يدفع الساسة الفلسطينيين إلى بذل المزيد من الجهد من أجل جذب الناس إلى منطقة الاهتمام ودفعهم للتفاؤل بمستقبل أفضل لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة كما أوصى محمود درويش. وربما كان هذا أول مهام فترة ما بعد المصالحة. ولكن ثمة حاجة لقراءة اللحظة التاريخية قبل المصالحة كي يصبح الحديث عما بعد ممكناً أو حتى يصبح الحديث الفعلي عن المصالحة أمراً محققاً.
ما الذي حدث؟
المؤكد أن هناك 'لحظة ناضجة' كما يقول دارسو حل النزاعات جعلت من التقريب بين وجهات النظر وارداً بل ودفعت الأطراف إلى التفكير الجدي في التقارب لتكتشف 'حماس' مثلاً أن المصالحة مع 'فتح' ليست جرماً وليذهب أبو مازن لحكومة وحدة حتى لو وقف في وجه العالم. هناك لحظة ناضجة طبختها سنوات أربع من الألم والحزن والمعاناة وسبقتها جولات وصولات من الحوار الوطني وتدخل الوسطاء وصياغة عشرات المبادرات المحلية والإقليمية التي هدفت لإنهاء الوضع. لحظة سبقتها تضحيات جسام. لحظة هرم الشعب في انتظارها وهي لم تكن لحظة صدفة بالطبع لكنها ولدت ضمن شرطها الخاص. هذا الشرط هو ما جعل التوقيع بالأحرف الأولى على المصالحة، الحلم الذي كان بعيد المنال قبل أسابيع، حقيقة لا خيال.
تتكون هذه اللحظة من التقاء ثلاثة مشاعر مؤقتة لدى الأطراف الثلاثة صاحبة الشأن بالإعلان الكبير الذي سيتم يوم الأربعاء، وهي 'فتح' و'حماس' ومصر الراعية الرسمية للإنجاز الكبير. وهي مشاعر مؤقتة بمعنى أن ولدت وصدفة ربما في هذا التوقيت تحديداً.
بالنسبة للرئيس أبو مازن فإن الحاجة الوطنية لإنهاء ملف الاقتتال الدامي والخلاف غير المبرر على الحكم لم يكن يوماً مقبولاً وهو، حقيقة، قدم لحماس جملة كبيرة من التنازلات المؤلمة في سبيل إنجاز المصالحة والتي دأبت 'حماس' على رفضها في السابق. الرجل الذي فتح جبهة حامية الوطيس مع إسرائيل في ملف المفاوضات وتصلب خلف موقفه بطريقة مذهلة حيث لم يتزحزح سنتمتراً واحداً عن مطلبه بوقف الاستيطان كشرط لاستكمال المفاوضات، وحتى في اللحظة التي اقترحت الولايات المتحدة المفاوضات التقريبية فإنه لم يتنازل عن مطلبه بوقف الاستيطان مدركاً بأنه يضرب إسرائيل في صميم مشروعها الاستيطاني الكولونيالي التوسعي. كما أنه فتح جبهة أوسع ضد إسرائيل في المحافل الدولية في عملية يعرفها الإسرائيليون بأنها عملية 'نزع الشرعية' عن إسرائيل. إلى جانب ذلك كله، وهو بيت القصيد، فإن أبو مازن أطلق معركته الأهم الهادفة إلى اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران ومطالبة الجمعية العمومية للأمم المتحدة بذلك وهو ما سيحدث في ايلول. وجند أبو مازن كل ماكينة المنظمة والسلطة والعلاقات الخارجية لحركة فتح في كسب تأييد دول العالم لهذا الموقف الذي يحظى بقبول متزايد في بقاع العالم. لحظة أبو مازن في ايلول القادم تتطلب أن يبدو الفلسطينيون متحدين على قلب رجل واحد وأن تبدو مناطق هذه الدولة المعترف بها تحت راية واحدة هي راية السلطة. وعليه فإن أبو مازن وإدراكاً لهول اللحظة التاريخية ولأهميتها أدرك بوجوب الدفع باتجاه المصالحة بأي ثمن لأن الثمن الأكبر الذي سيجنيه الشعب الفلسطيني أكبر واهم من كل الخلافات.
بالنسبة لحماس فإن وضعها الإقليمي لم يعد مفرحاً وهي تدرك بأن التحولات الإقليمية التي طربت لها في البداية لم تعد لصالحها وانقلبت ضدها خاصة حين ضربت عرش نظام الأسد الحليف الأكبر في المنطقة وموفر مكان الإقامة لقيادتها التي ربما كانت تفكر الآن في البحث عن مكان آخر. فاللحظة التي دخل فيها الإخوان متأخرين كالعادة على خط التظاهرات في سورية فإن على 'حماس' أن تعلن براءتها من النظام القمعي أو أن تقف معه، وهي لا تحسد على أي موقف تتخذه. ولن يكتفي بشار ببيانات عامة للوقوف معه. لذا كان على 'حماس' التفكير في تجاوز الريح حتى لا تكسر. وهي في سبيل ذلك لابد من البحث عن حل للأزمة الداخلية لا تجعلها كلها مكشوفة الظهر إذا انهار النظام. وهو موقف ربما كان مؤقتاً في انتظار تحولات المواقف الإقليمية لكنه قاد إلى هذه اللحظة الكبيرة التي صار توقيع المصالحة فيها ممكناً.
مصرياً فإن النظام الجديد الذي وجد نفسه يرث دولة ذات بعد إقليمي كبير كمصر يدرك بأنه يقود دولة في طور التحول وأن عليه أن ينقل الدولة بسلاسة وسهولة دون أي أزمات، وهو يدرك بأن المواطن العربي لا يهمه كثيراً سعر 'العيش' في مصر ولا سعر المحروقات كما لا يهمه ممارسات أمن الدولة ولكن ما يهمه دور مصر الطليعي في العالم الكبير، يهمهم أن يروا مصر الأخت الكبرى التي كانت في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر ترسل جيوشها لليمن والجزائر كما لفلسطين. وعليه فإن 'تصدير' حالة الثورة لابد أن تكون إحدى أولويات مرحلة ما بعد الثورة. من هنا فإن إحداث اختراق كبير في ملف معقد مثل الملف الفلسطيني يشكل 'ضربة معلم' من جنرالات مصر يحمل أكثر من رسالة: فهو يقول إن مصر في طور استعادة دورها الطليعي وأن مصر لا يمكن أن تترك فلسطين لمصيرها وحدها وأن الملفات الشائكة التي ورثها الجيش عن النظام السابق لم توضع على الرف بل ثمة استمرارية في عمل الدولة. إضافة لكل ذلك فهناك حاجة لبعث الأمل في نفوس الناس قبل انتخابات مصر العامة والرئاسية في الخريف.
ولكن هل يعني هذا ان اتفاق المصالحة مؤقت؟ كثيرون يعتقدون ذلك وكثيرون يتمنون ان يكونوا مخطئين. ولكن ليس بالضرورة أن تقود هذه اللحظة المؤقتة إلى اتفاق مؤقت بل من الممكن ان تقود 'تدريجياً' إلى شيء ثابت والأمر برمته يعتمد على الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الحية. إن الاتفاق الحالي مثل الجنين المريض بالكثير من العناية والاهتمام والحرص وكلما مرت عليه الأيام والأسابيع والشهور سيتصلب عوده ويتعافي ويصبح طفلاً طبيعياً. عندها فقط نصبح طبيعيين وتصبح معاناة المئات من الشبان والشابات والأطفال الباحثين عن حياة أفضل في ظلمات الانقسام وزنازين الفرقة والألم في مكانها ويصح لنا ان نقول مع أحمد الحفناوي الفرشيشي التونسي، 'هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية'.
 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع