ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - تفوهات الموالين وجوهر الحكمة
30/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

من الطريف أن نتفحص في هذه السطور، بعض الأساليب والمداخل الكاريكاتورية، التي اعتمدها الناطقون الموالون للنظام في سورية، كلما أرادوا وصف غضبة الشعب التي كسرت حاجز الخوف. فهؤلاء جميعاً، في مداخل تفوهاتهم، يتظاهرون بأنهم لا يختلفون مع الغاضبين، على أن هناك حاجة للإصلاح وأن للشعب مطالب مشروعة. بل تسمعهم يزيدون بالقول ما معناه إن الضحايا محتَسبون شهداء وأن فقدان هؤلاء الأحباب، آلمهم جداً، ولكن المصيبة هي في عدم التريث، وفي عدم تغليب الحكمة، وفي عدم إعطاء الفرصة للشروع في الإصلاح المُرتجى!
في جوهر كل منطوق سلطوي سوري، تُستعاد التعليلات نفسها، التي طرحتها أنظمة عربية أخرى، أحالتها الجماهير الى مزبلة التاريخ: مدسوسون، متطرفون، عملاء، خلايا نائمة وبؤر مسلحة. ومن يسمع، من البعيدين، مثل هذا الكلام مترجماً الى لغات أخرى، ربما يظن أن النظام السوري يتعرض لعملية غدر، إذ استغل الشريرون انشغاله بإسعاد الشعب على حساب الأمن، وتوظيف كل مقدرات البلاد لتحديث وتطوير التعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والتوسع العمراني، وبناء الديمقراطية، ضمن عمليات تنمية شاملة استوعبت طاقة العمل البشرية. وكأن الحلقات الشريرة، استغلت التسامح والرحرحة الديمقراطية وصرف الأموال على توفير المرافق على كل صعيد، مع التقتير على الأمن؛ فهجمت وغدرت. ومن يسمع بظهور خلايا إرهابية سرطانية منتشرة، يظن أن الإنفاق على بناء الحدائق في كل مكان، وتعيين عمال جنائن يعتنون بالورود، مع تلك التنمية التي أشرنا اليها، سببت انحسار المال عن أجهزة الأمن والألوية الخاصة، وبالتالي وقع الغدر الشعبي المتوحش، لينال من النظام العصفور، أو بولي الأمر البريء الرقيق!
قارئ هذه المحاججة السخيفة، ممن يعلمون واقع سورية، سيندهش، وربما يفقع من الضحك، لأن النظام الحاكم في دمشق أفقر الشعب ورماه في عالم العذاب والحرمان، من أجل غايات تدخل في سجل الجرائم، كالحفاظ على منظومة الانتهاب والاستباحة لمقدرات البلاد وجوارها اللبناني، وكتم أنفاس الناس بأعداد لا حصر لها من أجهزة الأمن، واستلب حق الشعب السوري في أن يتنفس الحرية وأن يعرف الازدهار. فالمقدرات لتسمين أجهزة الأمن وفروعه، واشتقاقات الفروع وأرقامها. لقد أصبح السوريون على قناعة، بأن الإعلان عن خلية مسلحة لمتطرفين، نجحت في الاختراق؛ إنما هو حكاية اختلقها أحد «الفروع» ولفق لها شواهدها، لأسباب يعلمها الله والراسخون في الجريمة. فالثغرات مسدودة، والرعب مُقيم، والثورة بالسلاح ليست مرغوبة من قبل الناس، وبالتالي لا مجال لقيام خلايا نائمة أو مستيقظة، وما اختراعها وتلفيق شواهدها، إلا لسبب مكشوف، هو تبرير الزج بدبابات الميدان الى شوارع المدن، وكذلك تبرير نشر القناصة فوق أسطح المنازل، وفتح النار على المتظاهرين، وصولاً الى القضاء على الثورة الشعبية!
* * *
بعد عامين، أي في آذار (مارس) 2013 يكون حزب البعث سلخ نصف القرن في السلطة. وطوال تلك العقود، انفردت «الأسدية» ممثلة بمؤسسها أبي سليمان ثم نجله بشار، بحكم سورية ما عدا سبع سنين. بل لم تكن السنون السبع مجدبة بالنسبة للأسرة، إذ هضم السوريون بأريحية، أن تقفز رتبة حافظ الأسد، من رائد الى لواء وقائد الطيران، دفعة واحدة في عام 1964. وبدا أن «الأسدية» منذ تلك السنة، استمرأت التمييز لصالحها واستطربت ما يقوله الطبالون والزمارون عن نبوغها، الذي يهيئ لها القفز عن صفوف خلق الله من المدنيين والعسكريين. فقد أحرز حافظ الأسد الإكراميات السلطوية حتى قبل أن تؤول الأمور للمجموعة اليسارية، الذي كان هو أحد أقطابها ثم انقلب عليها. وعندما حدث انقلاب تلك المجموعة، في شباط (فبراير) 1966 أصبح الرائد الذي كانه حافظ الأسد قبل عامين، هو وزير الدفاع المتنفذ، الذي يذل الحزب نفسه، ويتمادى في إذلاله مع كل هزيمة في ميدان الدفاع. وفي السنين الأربع الأخيرة قبل بدء الحكم «الأسدي» الشمولي، كان الرجل في قلب السلطة، ثم انفرد بها لتتأسس «الأسدية» التي هي نقيض القومية، وهي دون الوطنية القُطرية، وحتى دون الطائفة نفسها، التي كان وما زال منها مناضلون وقادة، ماتوا في سجون حافظ الأسد، أو ما زالوا يحملون إرث الشيخ الوحدوي صالح العلي، نجم مآثر الساحل السوري ونضالاته، وصديق الزعماء الأحرار في كل الدنيا، من عز الدين القسام، الى المهاتما غاندي!
بعد نصف القرن في الحكم، يردد الناطقون الموالون للنظام «الأسدي» مفردات الحكمة والتروي والصبر وإعطاء الفرصة. فمن هو الطرف الذي غابت عنده الحكمة وغابت القدرة على إعطاء الفرص؟ الذين حكموا نصف القرن دون أن ترشدهم عقولهم أو غرائزهم أو نزعاتهم، الى ضرورات منح الناس بعض حريتها وبعض العدالة السياسية والاجتماعية، أم الذين صبروا كل تلك السنين، ومسحوا دموعهم وابتلعوا أحزانهم في صمت ثم أدركهم اليأس وفاض غضبهم؟
من هو الطرف الذي غابت عنده الحكمة وغابت القدرة على إعطاء فرص التبديل والتغيير؟ الذين ضموا على الجراح، وتناسوا الكوارث وفظائع القتل وباتوا يطالبون بالقليل فلا يُلبى لهم، ولو من باب تعويض الشعب عن دمه الذي سُفك، وعن عذاباته وعن حرمانه المديد، أم الذين يتشبثون بسلطة البطش والفساد والاستبداد؟
عن أية حكمة يتحدث الناطقون الموالون للنظام؟ وهل يظنون، أنهم كلما تحدثوا عن مؤامرة أجنبية؛ يستثيرون حفيظة الوطنيين والأحرار في العالم العربي ويقنعونهم بالوقوف الى صف نظام الاستباحة والنهب والتسلط؟ هم مخطئون إن ظنوا. ليوفروا على أنفسهم الزعيق والتنظير العقيم، والاتهام، هم وصديقهم القذافي: فالناس مع هولاكو المنغولي القادم من بعيد، ضد المستبد المحلي الذي يتمادى في استبداده. وحين يأتي هولاكو، مقتنصاً الفرصة، لكي يفعل ما يشاء؛ فإن المستبد هو الجلاب الحقيقي له، كغازٍ ومستعمر، لأن هذا المستبد الكريه، هو الذي أتى به في خاتمة فظاعاته. هنا يكمن جوهر الحكمة!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع